العنوان المجتمع التربوي(1482)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001
مشاهدات 57
نشر في العدد 1482
نشر في الصفحة 54
السبت 29-ديسمبر-2001
وقفة تربوية
لسنا مطالبين بدفع فواتير الآخرين
يا أبناء الحركات الإسلامية المعتدلة في كل مكان من هذه الأرض، وأبناء أئمة الدعوة الذين تميزوا بالاعتدال من أمثال الإمام البنا والسباعي والمودودي والقرضاوي ونحناح وغيرهم.
في هذه اللحظات من عمر الدعوة التي تمرون فيها بفتنة من أشد الفتن التي مرت على المسلمين في العصر الحديث، لابد أن تبرهنوا عملياً على اعتدالكم وتميزكم المعهود.
ففي خضم الدعوات المنادى بها من هنا وهناك ترفع راية الغلو فتدخل المسلمين والدعاة إلى الله في أتون فتنة عظيمة لا يعلم مداها إلا الله تعالى.
الاعتدال يقتضي عدم الخلط بين إنكارنا لضرب المسلمين وديار المسلمين من قبل الولايات المتحدة أو غيرها، وبين الإنكار على المخطئ كائناً من كان وتبيين خطئه للناس حتى لا يقتدوا به أو يحملوا الإسلام نتيجة بعض ممارساتهم الخاطئة.
يجب أن نمتلك الجرأة دون الخشية من أحد سوى الله تعالى، وأن نعلي أصواتنا ضد أصحاب الفتنة ومشعليها، وألا تغلبنا العاطفة فنقف مع المخطئ وأصحاب الأفكار المغالية... أياً كانوا ومهما رفعوا من الشعارات.
علينا دائماً أن نتذكر أنه ليس مطلوباً منا دفع فواتير أخطاء الآخرين أو تحمل عواقب تفسيراتهم للدين.
أبو خلاد
abelali@bashaer.org
تعليقاُ على مقال: «النقد ميزان العمل»:
النقد ... ضوابط وآداب
الخلاف ضروري ولكن يجب الحكم على الأمور من زاوية الموضوع لا الشخص
لا يليق إهدار محاسن الداعية أو العالم لمجرد زلة أو فتوى خاطئة
ماجد محمد بن جعفر الغمدي
قرأت ما كتبه الأخ عبد العزيز العوضي في المجتمع «١٤٧٥» تحت عنوان: «النقد ميزان العمل»، وأقول: إن آداب الخلاف محاولة جادة لرتق فتوق طال بها الأمد، ورقع ثوب تسرب منه المرض والكمد، كما أن الخلاف طموح يتجدد بالآمال المشرقة، وينبض بالآلام المحرقة، ويزداد هبوطاً بمرور الأيام لقلة العاملين به.
إن الخلاف ضرورة من الضرورات، والخلاف التنوعي سائغ في شرعنا وواقع بين سلفنا عليه أدلة من كتاب ربنا، وسنة رسولنا.
ولكن ضعف أدب البعض يؤدي إلى زيادة البلاء والشقاق والفتنة، هذه النفسية في الخلاف غير المؤدب من دواعيها البغي والكبر الذي هو بطر الحق وغمط الناس والتعالي والمباهاة والفجور في الخصومة والظلم والعدوان وقلة الإنصاف.
وآداب الخلاف كثيرة ومعلومة ومدونة في كتب أهل العلم والمعرفة، وهذه محاولة لعرض بعض آداب الخلاف التي نسيها أو تناساها بعضهم عند نقده للآخرين:
١. لماذا نشخصن القضايا الموضوعية
نريد معالجة للقضايا بعيدة عن ربطها بالأشخاص، وعن النظر إلى الموضوع من زاوية واحدة فقط، فإذا كان المتحدث ممن أعرفه وتربطني به علاقة فلماذا أحكم عليه وعلى ما يقول بالصواب المحض وعلى غيره بالخطأ المحض؟!. هذا مجانب للصواب، ولكن نريد نظرة أكثر شمولية تبغي الحق وتبحث عن العدل والإنصاف لا هوى النفس.
فالبعض تجده لا يناقش الفكرة ولكن يبدأ بالمهم لديه وهو التجريح فيمن أمامه ثم يتبع ذلك ما يحلو له من لغو الحديث.
٢. التعميم الظالم
إصدار الحكم العام على الشخص في كل أحواله إذا صدر منه خطأ معين، وإصدار الحكم على كل محاسنه ومصادرتها أمر جائر.
ومن أمثلة ذلك أن يأخذ بعضهم بقول ابن حزم أو داود الظاهري فيسمى ظاهرياً، ويعتمد بعضهم على أصول أبي حنيفة وأصحابه فيطلق عليهم عقلانيين، وتنفلت من أحدهم فلتة بدعة - قولاً أو عملاً - فيطلق عليه اسم مبتدع.
إن من قفى المسلم بشيء يشينه ويضع من قدره فقد ارتكب ذنباً من الذنوب الجليلة كما قال له: «من قفى مسلما بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» «رواه الإمام أحمد وأبو داود».
3. إهدار المحاسن وإطلاق الحكم العام
إذا زلت بالمسلم الداعية، أو العالم الفاضل قدم معصية أو بدعة أو فتوى أخطأ فيها فإنه لا يليق بالمسلمين إهدار محاسنه، وإطلاق الحكم العام عليه، وأصل هذا المعنى ما جاء في صحيح البخاري من حديث عمر رضي الله عنه في قصة الصحابي الذي تكرر منه شرب الخمر، وفيه: وأتي به يوماً فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنوه.. فوالله ما علمته إلا أنه يحب الله ورسوله.
فبرغم تكرر شرب الخمر من هذا الصحابي، إلا أن ذلك لا يعني فساده بالكلية، بل فيه من المحاسن ما يوجب محبته وولاءه ويوجب الدفاع عنه فلا بد أن يعرف له إحسانه مع علمنا بإساءته.
وكذلك قول النبي: صدقك وهو كذوب، يقصد الشيطان، فمع قبحه الشديد ذكر حسنته.
وعندما ناقش ابن القيم بعض أقاويل الهروي في منازل السائرين تأدب بأدب السلف وقضى بموجب الحق والعدل، وبين ما فيها من خلل ثم قال: ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل، وكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عد خطأه، ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك، والمعترك الصعب الذي زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وافترقت السالكين فيه طرقات وأشرفوا - إلا أقلهم - على أودية الهلاك.
4. الناقدون.. ليتهم اشتغلوا بأنفسهم
في سير أعلام النبلاء، وعند ترجمة الفضيل بن عياض قال الذهبي: هو حجة كبير القدر، ولا عبرة بما نقله أحمد بن أبي خيثمة قال: سمعت خطبة بن العلاء يقول: تركت حديث الفضيل بن عياض لأنه روى حديثاً أزرى فيه على عثمان بن عفان، قال الذهبي: قلت فلا تسمع قول خطبة.. ليته اشتغل بحاله، فقد قال عنه البخاري فيه نظر، وقال النسائي: هو ضعيف.
وإذا كان مثل كبراء السابقين الأولين قد تكلم فيهم وكذلك الفضيل، فمن الذي يسلم من ألسنة الناس؟! ولكن إذا ثبت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع.
وكما قيل: يريدون أن يسقطوا فيسقطوا، فما لهم ينهيهم.
5. تتبع العثرات والعيوب
من الناس من أولع بتتبع سقطات الدعاة والعلماء والمصلحين ويحصيها وينشرها، وله فهرست في العيوب ومذاكرة المثالب فهو كما قال ابن القيم: ومن الناس من طبعه طبع خنزير، يمر على الطيبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه وأكله.
كذلك من الناس من يرى أن من المحاسن أن يقوم بتزوير المساوئ، فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء فرح بها وجعلها نقله وحديثه وفاكهته في المجالس.
قال صاحب لباب الآداب: الأشرار يتبعون مساوئ الناس ويتركون محاسنهم كما يتبع الذباب المواضع الفاسدة في الجسد ويترك الصحيح منها.
وقال محمد بن سيرين - كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: ظلم لأخيك أن تذكر فيه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره، وقال الشعبي يشتكي من أهل هذه الأحوال: «لو أصبت تسعاً وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدوا علي تلك الواحدة».
وقال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات.
وقال له: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» «صحيح».
قال ابن القيم في شرح الحديث: الظاهر ذو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله خصهم بنوع تكريم وتفضيل لهم على بني جنسهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخير حتى كبا به جواده فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حداً من حدود الله.
٦. الصعود للشهرة على أكتاف الآخرين
البعض يريد أن يصعد للقمة على أكتاف الآخرين أو على جثة بعض الموتى، وذلك بنقدهم وتتبع زلاتهم والتأليف والتصنيف في ذلك، حتى يقال: إن الشخص الفلاني نقد الشيخ العلامة الفلاني، وعدد مثالبه، وذكر مساوئه، إذن هو أفضل منه، فهل هذا من العدل والإنصاف؟
7- الخلاف أزلي، ولكن نريد من يحترم رأي الطرف الآخر:
قال ابن عبد البر في جامع العلم وفضله: قد رأينا البغي والحسد قديماً، ألا ترى قول الكوفي في سعد بن أبي وقاص إنه لا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية، ولا يقسم بالسوية، قال ذلك عن صحابي، وليس ذلك فحسب، بل واحد من المبشرين بالجنة، وكذلك سعد بدري، من الستة الذين جعل عمر بن الخطاب الشورى فيهم، فما بالك لو قيل ذلك في أحد علمائنا اليوم أو قبل ذلك على لسانه ظلماً وبهتاناً؟
وعلى كل حال، المسائل الاجتهادية لا تصل عند أهل العلم واليقين والبصيرة والمعرفة إلى هذا الحد من التشنيع والإرجاف، ولا توجب الفرقة والاختلاف والتنازع، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة توحد الملة وتعدد الشرائع، في مجموع الرسائل المنبرية: وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهاده كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والسياسة.. وغير ذلك.
وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم يتناظرون في المسائل مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة الواحدة، ولكن تبقى بينهم الألفة والعصمة وأخوة الدين.
8- من الواجب عليك أن تتبع ما أراه في المسائل الاجتهادية وإلا فأنت....؟!
هذا ما قد يهتف به بعضهم، ولكن نقول له: تريث واستمع لما ذكره الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه، قال: «اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به.
إذاً، المسألة ليست في الاختلاف بعينه، ولكن في خلوه من الأدب واحتكار الصواب على نفسه.
قال شيخ الإسلام: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العملية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن تبع أهل القول الآخر فلا إنكار عليه.
وكما قال بلال بن سعد في الحلية: إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً معجباً برأيه فقد تمت خسارته.
وها هم الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - قد اختلفوا في مسائل ومن أشهرها ومما يستدل به العلماء مسألة اختلافهم في الذهاب لبني قريظة، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، فبعضهم صلى العصر بعد المغرب، بعد أن وصل إلى بني قريظة، وبعضهم صلى في الطريق، وأدرك الصحابة هناك، فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم، قال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد اختلف العلماء في المصيب يومئذ من هو ثم قال: بل الإجماع على أن كلاً مأجور معذور.
وهذا الموقف العظيم يكفي دون تعليق.
تساؤلات قبل الختام
- لماذا لا نتجه للبناء بدلاً من النقد الهادم؟
- لماذا لا نتثبت عند نقل الأخبار ونبتعد عن الإصغاء للمرجفين؟
- لماذا لا نستخرج المحاسن عن المساوئ؟
- لماذا لا نلتمس العذر لإخواننا ونحسن الظن بهم؟
- لماذا، في بعض الأحيان، نحكم على القضية بالخطأ والشخص بالصواب أو العكس؟
- لماذا لا ننقد سوى الأعلام المشهورين؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل