; المجتمع التربوي (1541) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1541)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 08-مارس-2003

مشاهدات 64

نشر في العدد 1541

نشر في الصفحة 57

السبت 08-مارس-2003

وقفة تربوية

فقه المحنة والعافية (٢)

من يقلب صفحات بعض الكتب التي تتحدث عن الحركة الإسلامية الحديثة لا يجد في معظمها سوى التعذيب والسجون والمعتقلات والدماء والخوف والطغاة والملاحقة إلى آخر أبجديات فقه المحنة، بينما لا تجد إلا النذر اليسير ممن يتحدث عن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، ومد الجسور ونبذ الصراع مع السلطة بعد التمكين أيام العافية والمحبة والتعاون بين فصائل الحركة الإسلامية أيام العافية، بالرغم من وجود آيات بينات في القرآن الكريم تحث المؤمنين على الالتفات إلى فقه العافية، منها قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ ﴾ (النحل: 125)، ثم يقول تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ (النحل: 126).

وبالرغم من قوله- صلى الله عليه وسلم-  فيما رواه البخاري: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف».

يقول الإمام المناوي في فيض القدير ٦/ ٣٨٨: «لا تتمنوا لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والوثوق بالقوة، وقلة الاهتمام به، وهو مخالف للاحتياط ولأنهم قد ينصرون استدراجًا، ولأن لقاء العدو أشد الأشياء على النفس، والأمور الغائبة ليست بالمحققة، فلا يؤمن أن يكون عند الوقوع على خلاف المطلوب وتمني الشهادة لا يستلزم تمني اللقاء».

لقد كان من نتائج غياب فقه العافية، هذه الجفوة المستمرة بين السلطة والحركة الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية وانعدام الثقة بينهما.

وكان من نتائج هذه الجفوة تلك المذابح التي حدثت ومازالت تحدث في بعض البلاد الإسلامية، وكان من نتائجها الصراع الذي حدث بين مجاهدي الأمس وإخوانهم من الحركات الإسلامية، عندما استولوا على الحكم وطردوا العدو الكافر، فهل من معتبر؟

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

الهجرة المباركة  في مشهدين (۱ من ٢)

الفشل الأمني بقيادة إبليس

عبد القادر أحمد عبد القادر

  • استلهام روح الهجرة وتضحيات المهاجرين، يبث الأمل في النفوس ويحيي الرجاء في القلوب 

قبيل الهجرة بلغ التآمر مداه، فقد اجتمعت «مكة» أم القرى لتتخذ قرارها الأخير بشأن الدعوة والداعية ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).

وانتهى «التآمر» إلى قرار حاسم سبقه اضطراب في الأفكار وتعارض في الاقتراحات تراوح ذلك الاضطراب بين السجن «الاعتقال» أو إخراج صاحب الدعوة من بلده «النفي» أو قتل صاحب الدعوة الاستئصال!

وأمام هذا الاضطراب الأمني لم يجد إبليس بدًا من الظهور المباشر، فلما ظهر في ثياب عربية تعلقت به أنظار المجتمعين فترأس الاجتماع وألقى عليهم فكرته التي لا تخر الماء: أن يختاروا أربعين فارسًا من أقوى وأمهر فرسانهم ليقوموا بمهمة «التحالف» فتتم عملية القضاء على «محمد»، دون أن يتحول المسرح العربي إلى معارك جانبية «ثارات» حيث سيتفرق دم «محمد» بين القبائل، فنالت الفكرة استحسان وتأييد فصائل التحالف الشركي، وانهمك الجميع في تنفيذ الفكرة، وحيكت المؤامرة خيطًا خيطًا، ثم في صباح اليوم الموعود اكتشف «التحالف» العربي فشل الخطة فقد هاجر «محمد»، ثم فشلت خطة المطاردة، والقبض على المهاجر في الطريق رغم الحاق سراقة بالنبي صلى الله عليه وسلم، سراقة الموعود من الكفار بثروة مليونية بلغة عصرنا والمكافأة هنا جزء أخير من المؤامرات معناه فشل المؤامرة، وانهيار المخطط.

فشلت المؤامرة وانهار المخطط مئة في المئة ونجحت الهجرة، وقامت الدولة فشلت المؤامرة رغم أن المخطط لها هو إبليس شخصيًّا ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٧٦). 

إن نظرات الاستخفاف يجب أن تصوب وتحيط بأجهزة الاستخبارات الكبرى في العالم فإن رؤساءها ليسوا أمهر من «إبليس» الأكبر! ورغم الهالات الإعلامية، التي تحيط بتلك الأجهزة، ورغم الآلات الدقيقة والكثيرة، والمعقدة والذكية التي تستخدمها تلك الأجهزة، إلا أن الاستخفاف يزداد، فإذا كان هذا هو الشأن مع الأجهزة التي تدعى حماية الدول العظمى، فما بالنا بالأجهزة بالصغيرة هنا أو هناك من توابع الكبار؟

وتزداد نظرات الاستخفاف والتحقير إلى الأجهزة الكبرى والصغرى حين تحارب تلك الأجهزة الإيمان الكامن في القلوب، أو تحارب تطلعات الحرية هبة الله للإنسان.

من مكة إلى إيران ورومانيا 

لقد بلغ جهاز مخابرات شاه إيران محمد رضا بهلوي «السافاك» درجة تغلغل وإرهاب حتى ليقال إن تسعة من الإيرانيين كان يتابعهم اثنان من السافاك!! ثم ماذا؟ لقد أخفق السافاك في مواجهة شرائط الكاسيت التي كان يرسلها زعيم الثائرين من الخارج.

ولقد بلغ جهاز المخابرات الروماني شأنًا جعل الرئيس شاوشيسكو يتندر بحدوث تغيير في رومانيا، ومستبعدًا ذلك قائلًا: «إذا أثمر الصفصاف كمثرى وبالفعل أثمر الصفاف كمثرى» في رومانيا، وحدث التغيير على جثتي شاوشيسكو وزوجته!!.

سلاح النعاس

أعود إلى مشهد الفشل الأمني الذي منيت به قريش، ذلك المشهد الذي خططه إبليس الأكبر شخصيًّا، فقد أفسده النعاس، وهو سلاح بيد القدرة الإلهية، فلقد غشى النعاس عيون الفرسان، فلم تنفعهم قوتهم ولا فروسيتهم، ولم تنتفع بهم قريش.

وعلى النبي ﷺ وعلى صاحبه- رضي الله عنه- أنزل الله سكينته وجنودًا لم يرها أحد!

وهنا أذكر بأن بعض الأخبار الواردة في بعض كتب السيرة هي أخبار لا أصل لها، فلما تسند إلى رواة كما هو الشأن في المرويات الصحيحة، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية يمثل بعض هذه الحكايات طمسًا للآيات الباهرات التي كرها القرآن الكريم: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (التوبة: 40).

نعود إلى مشهد الفشل الأمني الذي منيت به قريش لنتذكر الفشل الأمني الفرعوني في مواجهة الدعوة والداعية موسى وهارون- عليهما السلام- فلقد تبلورت الخطة الأمنية للنظام الفرعوني في محورين هما: «الأمن الوقائي» و«تجفيف المنابع»، ويقتضى المحوران ذبح كل ولود ذكر من بنى إسرائيل- الجماعة المسلمة حينذاك- وإدخال نساء بني إسرائيل في العبودية خدمة آل فرعون لتشديد الرقابة على المواليد كنوع من الإذلال النفسي، والقهر المعنوي ومضت الأجهزة الأمنية لفرعون تنفذ الخطة بكل دقة، ولكنها انهارت انهيارًا يدعو إلى المزيد من الاستخفاف والاحتقار لكل المتشابهات في عالم قهر الإنسان المؤمن أو المجاهد من أجل الحرية.

كيف فشلت خطة الأمن القومي الفرعوني؟

  1. تقول بعض كتب السيرة والتاريخ إن فرعون ذبح من مواليد بني إسرائيل اثني عشر ألفًا، فآمن بموسى- عليه السلام- جميع سحرة فرعون وكان عددهم اثني عشر ألفًا!

  2. تسلل مولود إسرائيلي إلى داخل قصر فرعون، ليتربى بجانبه هذا المولود هو موسى- عليه السلام- وهو لذي سيرسله الله فيما بعد إلى فرعون وقومه هؤلاء الذين عاشوا مطمئنين في حماية الخطة الأمنية ذات التوجهين: «تجفيف المنابع»، و«الأمن الوقائي».

﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: 9).

  1. استدرج فرعون وهامان وجنودهما إلى مهلكهم غرقي في البحر الأحمر ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: 8)، كانوا خاطئين بمخالفتهم لله ورسوله، وكانوا خاطئين في مخططاتهم لمحاربة الدعوة والداعية، وإذا كانت نتيجة الفشل العربي، نجاح الهجرة، وقيام دولة الإسلام، فقد فشل الأمن القومي الفرعوني، وغرق الطاغية، ومستشاروه وجنودهم مليون وستمائة ألف جندي، ونجحت هجرة بني إسرائيل، ثم قامت دولتهم -بعد أربعين سنة عقوبة على مخالفة شركية- وفيما بعد فشلت خطط الأمن لجهاز «السافاك» الإيراني، فقامت دولة شيعية، وما كان واحد من المتابعين يقول مجرد قول إنه ستقوم للشيعة بوضعهم آنذاك قائمة. 

إن الاستحقار والاستخفاف مشاعر تلازم المؤمنين بالله، والمجاهدين من أجل الحرية قديمًا وحديثًا، تجاه أجهزة الأمن الكبرى، فلقد ثبت واقعيًّا أن تلك الأجهزة منتفخة بالهواء المصطنع، أو بغازات فاسدة، وأن نصر الله لدينه أت: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).

يا بني

محمد خير يوسف

يا بني، عهدتك صغيرًا حبيبًا طريًّا كغصن ندي، تسمع الكلام إشارة، وتنزجر إذ زجرت، فلما أينعت وشببت صرت تقسو كجذع غليظ لا ماء فيه فلا حياة، فإذا أمسك الماء انتفخ ظاهرًا، دون فائدة، ما أجمل الفتي يا بني في أدبه وطاعته. 

يا بني، خذ حذرك ممن يفرط في أمر الله، فمن كان لحق الله مضيعًا فهو لحقوقك وحقوق الآخرين أضيع، ولا تتهاون بصغائر تبدو منه فإنها تجر إلى الكبائر، فمن كان دأبه النظر إلى النساء وقع في حبائلهن وجرك بحديثه إليهن، ومن كان شأنه التهكم والاستهزاء استصغرك أيضًا ونم عليك، وإن قلد كافًرا فقد نبذ سنة. 

يا بني: كن دقيق النظر، فطنًا، وخذ كل شيء بحقه صغيره وكبيره، ولا تسئ الظن بمسلم، ولا تتدخل فيما لا يعنيك. 

يا بني إذا رأيت مهمومًا فاقترب منه فإذا رأيت أهاته تزداد، ولا تعرف البسمة طريقًا إليه، فحاول ألا تقوم من عنده حتى ترى البسمة وقد تسللت إلى وجهه الحزين وقد يفرج الله عنك بهذا ما أظلم عليك ولم تفرجه صلاة ولا دعاء، وإن لتفريج الهموم من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله.

يا بني لا يمنعنك كثرة الباطل وتراكمه عن رؤية الحق، فالمؤمن نوره في قلبه، يرى الحق من وراء الظلمات، ولا تألف الباطل ولتكن بينك وبينه وحشة، فإن من ألفه كان من أهله، وهذه المعاصي والمنكرات التي تصبحك وتمسيك في الشوارع ووسائل الإعلام حتى صارت شيئًا مألوفًا في حياة الناس، يكون المؤمن عنها متجافيًا، يراها ويمر بجانبها، ولا ينغمس فيها.

يا بني ارحم الضعيف، وكن عونًا للمحتاج، واقترب من اليتيم، وليكن قلبك نابضًا بالحنان على هؤلاء، أعط شيئًا من وقتك وصحتك للضعيف، وساعد المحتاج بما تقدر عليه، وضم اليتيم إلى صدرك، وامسح على رأسه. 

يا بني لا تحمل حقد أحد من إخوانك في قلبك، واحمل أخطاءه على الجهل بأحكام الدين، أو عدم تقدير العواقب، وتميز أنت بطيب القلب، وسعة الصدر، والحلم والصبر وتجاوز عن زلات إخوانك، فنعم الخلق العفو والغفران، وبقدر انتشار مثل هذه الأخلاق ينتشر الصفاء والوئام.

 

متى نصر الله؟

  • دلائله تلوح في الأفق، رغم كل الشدائد والمحن

أسامة علي متولي

سؤال نردده، ونحن في بحر من الظلمات،﴿ بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ (النور: 40).

في كل شبر من أرض الإسلام، طفل يذبح، وفتى يؤسر، عرض ينتهك، وشيخ يقهر، سنة تحارب وفتنة تنصر، وقد عميت عيوننا، وصمت آذاننا، ذل واستسلام، خنوع وانهزام، وما بلغ عدونا عشر معشارنا، وكان من المفترض أن يكون هو الأجبن، ولكن ليست العبرة بالعدد ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249).

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ونحن في لهو ولعب، نبحث في لهفة عن لذة فانية ومتعة دنيوية.

هم يلعبون بالصواريخ، ويلهون بالبوارج والدبابات، ونحن مازلنا نلعب في التراب والطين نستورد الإبرة والمنديل، وأبطالنا لاهون بطل يصور فيلمًا، وبطل يحرز هدفًا، في مرمى عدوه، عفوًا خصمه.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ومازلنا لهؤلاء وأولئك، عبيدًا خانعين، قيمهم على رؤوسنا، وقوانينهم مطبقة في حياتنا، أما شرع ربنا فقد طبقناه في «أدراجنا».

وأصبحنا ننطق بشفاهنا، لبيك اللهم لبيك، وواقعنا لبيك يا يهودي، لبيك يا نصراني، إشارة سعادتكم من الخنصر أمر، وأوامر حضراتكم مطاعة، وشرع فضيلتكم لنا دين.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ومازالت أرضنا صحراء جرداء بلا ماء، لا تصلح لاستقبال النصر، فقلوبنا خاوية وأفئدتنا هواء، عقولنا فارغة وحياتنا هراء.

لم يجد الإسلام أرضه التي عهدها من قبل فينا فأصبحنا عليه، غرباء، غرباء، غرباء.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ونحن لم  نجرد نياتنا لإلهنا، فمنا من يبغي غنمًا، وآخر يطلب ذكرًا.

وليتنا محصنًا راياتنا، فقاتلنا لله ربنا، وجاهدنا تحت راية إسلامنا، ولكننا، رفعنا رايات الوطن والأرض والعروبة، وقدسنا الحبيبة، قضية شرق أوسطية!

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ومازالت في صفوفنا الأخلاط يمتزج الباطل فيها بالحق، فلم تتميز بل وجدنا بيننا منافقًا موتورًا، وفاسقًا فاجرًا وكاذبًا مخادعًا، فأصيبت قوتنا بالضعف، وصحتنا بالمرض، وانطلاقاتنا بالشلل.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ولم ترب فينا قائدنا، ولم تنجب أمهاتنا خالدًا أو عمرًا أو سعدًا، أو نور الدين، أو صلاح الدين، أو ابن تيمية، فما زلنا في حاجة إلى قدرة المعلم القائد وإخلاص التلميذ «الجندي».

متى نصر الله؟!

سؤال نردده، وصفوفنا ممزقة، وكلمتنا مفرقة، وأعضاؤنا مشتتة، فذراعي يبغضني وعيوني تشتمني وأذاني تضربني، ولساني يقتلني عداوة بغضاء، تقاتل، شحناء، مشاجرات، مطاحنات!!

متى نصر الله؟

سؤال نردده، وبعضنا لم يعرف عدوه من حبيبه، فإذا قلت لي: إنني- والله- أعرف عدوي، إنه اليهودي والنصراني، وأعرف أنه لن يرضى. حتى أتبع ملته، وأنه أشد الناس عداوة لي، فلقد سمعت- تقريبًا- أن القرآن يخبرنا بذلك، وها أنا أراه الآن، يحتل أرضي، ويقتل طفلي، ويهتك عرضي. وأنا أقول لك، فكيف إذن تواليه تعاهده تسالمه تصادقه؟ تؤاخيه تشاركه تداهنه تبايعه، ترابحه، ثم تقول إنك تعرف عدوك؟!

متى نصر الله؟

سؤال نردده، وندعو ربنا دومًا أن يغير ما بنا من ذل، من هزيمة وانكسار. 

سألناه التغيير ولا تغير، وقد حكم الله، ولا مغير لحكمه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ﴾ (الرعد: 11)، وندعو ربنا أن ينصرنا على عدونا، ونحن لم ننصر ربنا، ولو أننا نصرناه لنصرنا، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ومازال فينا من يعشق الرئاسة ويحب الشهرة، ويسعى للصدارة أناني، قدس ذاته، وكل أمانيه أن يبني لنفسه- ولنفسه فقط مجدًا شخصيًّا فانيًا ﴿عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾  (التوبة: ۱۰۹) سينهار به، فالمسؤولية أمانة، أمانة ثقيلة، تمنى ابن الخطاب أن يخرج منها كفافًا.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، وكأننا بهذا السؤال نزكي أنفسنا، ونفخر بأننا أدينا واجبنا، وحققنا كل من علينا، ونحن الآن، وبعد أن فرغنا نضع «رجلًا على رجل»، في انتظار تحقق الوعد، وقد أساء الكسالى ظنهم بربهم، الذي وعد بنصر المؤمنين، ونحن الآن مؤمنون مؤمنون، أولياء صالحون، فما الذي أخر النصر؟

متى نصر الله؟!

سؤال نردده، ونحن نحلم في نومنا ويقظتنا بصاعقة كصاعقة عاد وثمود، أو بريح صرصر عاتية بيوم كيوم الظلة، أو تفتح أبواب السماء بماء منهمر، فيلتقي بماء الأرض على أمر قد قدر، فيهلك عدونا، ونحن نائمون مرتاحون على «أسرتنا»، وقد نسينا أو تناسينا، أن حكمة إلهنا قد اقتضت أن يهلك عدونا بأيدينا ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (التوبة: 14).

متى نصر الله؟

سؤال نردده، وتلقي باللوم على عدونا، فهم سبب الأول والأخير في تأخر النصر عنا، وكأننا ننتظر من أصدقائنا الأعداء أن يسلموا لنا زمام والقياد ويعطونا مفاتيح البلاد والعباد، وأصبحنا نعيش على الأمل، فطالبنا، ونطالب في كل محفل، أن ارحمونا من عدونا، وكفوا أيديهم عنا، مع أن منهاجنا قد أظهر وبين لنا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ﴾ (البقرة: ۲۱٧).

متى نصر الله؟

سؤال نردده، وبعد أن وجهنا كل اللوم لكل دنيا، وزكينا أنفسنا، وفرحنا بها، وأقنعناها بأن مصيبتنا ليست منها، وإذا يقول ربنا ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ ﴾ (آل عمران: 165).

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ونحن لسنا مع المتقين المحسنين فما كنا بالليل رهبانًا، ولا بالنهار فرسانًا، وما كنا للقرآن تالين، ولا بالأسحار مستغفرين، بل ولا للفجر مصلين، ومازلنا عن ديننا معرضين، وعن دعاء ربنا غافلين.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، وأنا لم أصلح نفسي، ولم أصلح بيتي، وأنت لم تصلح نفسك، ولم تصلح بيتك، ولو أن نفوسنا صالحة، وبيوتنا صالحة، فساعتها، لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة.

متى نصر الله؟!

سؤال نردده، وأنا أسأل ماذا في يدي، وأنت تسأل: ماذا في يدي؟ وكل منا يعرف ما في يده وما يستطيع تقديمه لنصرة دينه، ولكنه يغفل أو يتغافل أو يتكاسل.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، ونحن نبحث عن طائفة مسلمة قائمة على الحق، مستقيمة على أمر الله، مستمسكة بمنهج الله يجاهدون بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، تحرص على أسباب النصر ماديتها ومعنويتها تعمل في الإصلاح، تأمر بالمعروف وتنهى عن الإفساد لا تخاف لومة لائم، ولا تخشى بطش ظالم صابرة مصابرة مرابطة، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم، تجدد أمر الدين، نبحث عنها، وربما هي الآن بين أيدينا.

متى نصر الله؟

سؤال نردده، وقد بدأت البشائر، في طفل صغير، يقض بالحجر مضاجع الخنزير، في فتية حفظوا القرآن وشباب ينشأون في عبادة الله، في دعاة إلى الله، في حب وتوحد، في ألم وأمل، في عدو تقهقر واندحر، وآخر ينتظر.

هذا هو درب النصر واضح، فهل من سالك له؟ متى نصر الله؟ ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة : ٢١٤).

هكذا يربي الإسلام أتباعه

محمد محمد ناصيف

إن الإسلام الحنيف يربي في نفوس المسلمين الشعور بالمسؤولية وتحمل النتائج المترتبة على ذلك بطريقة ترغيبية، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6)، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ ﴾ (طه: ١٣٢)، وجاء في الحديث الشريف: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» «البخاري ومسلم».

 

ومن أعظم وأعدل وأورع وأزهد من يُضرب بهم المثل في تحمل مسؤولية الرعية والقيام بها على خير وجه، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وأرضاه. روي أنه خرج يستطلع أحوال الرعية، فمر بخباء أعرابية في ظاهر المدينة، وحولها أولاد يبكون من الجوع، وعلى النار قدر فقال لها: ما شأن هؤلاء الصبية يبكون؟ قالت الجوع، قال:

وما في هذا القدر ؟ قالت: ماء أعللهم به حتي يناموا، فرجع إلى بيت المال، وحمل إليها شيئًا من الطحين، وشيئًا من السمن وعاد إليها، فلما وصل جعل السمن على النار وذر فوقه من الطحين، وأخذ ينفخ النار والدخان يتخلل لحيته، حتى هيأ لهم ما يأكلون وأجلس الصبية حوله يطعمهم بيده حتى شبعوا وضحكوا. 

وخرج مرة ليلًا كعادته فمر بأعرابي جالس بفناء خيمته، فجلس إليه يحدثه ويسأله وهو لا يعرفه وقال له: ما أقدمك هذا البلد؟! وبينما هو كذلك إذ امرأته أخذها المخاض، فرجع عمر- رضي الله عنه- إلى منزله وقال لزوجته أم كلثوم هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ قالت: إن أردت، قال: شدي عليك ثيابك واتبعيني وأخبرها خبر المرأة وأن تدخل عليها فتؤنسها فدخلت، فلم تلبث أن قالت: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام، فلما سمع الأعرابي قولها يا أمير المؤمنين، وثب يجلس بين يديه وجعل يعتذر إليه، فقال له عمر لا عليك، إذا أصبحت فأتنا، فلما أصبح أتاه فأثبت ابنه في الذرية وأعطاه.

وخرج- رضي الله عنه- مرة في سواد الليل فراه طلحة- رضي الله عنه- فمشى معه فذهب عمر فدخل بيتًا ثم دخل بيتًا آخر، ثم خرج ومشى معه ولم يحدثه عما فعل، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك من الليل؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا بما يصلحني ويخرج عني الأذى ولا أعرفه، فقال طلحة ثكلتك أمك يا طلحة أعثرات عمر تتبع؟!

والأمثلة كثيرة والمواقف مشرقة لأفراد وجماعة تربت على الإسلام، وتعلمت معنى المسؤولية، وتحمل كامل أعبائها، وعلى هذا يربي الإسلام أبناءه، ويغرس فيهم الشعور بالمسؤولية والمساءلة.

حب الشهوات

عبد الله بن محمد القاضي

Menu123@ayna.com

قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: 14) قال صاحب الظلال- رحمه الله-: «وزين للناس» تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل، فهو محبب ومزين، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل لا حاجة إلى إنكاره، فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو، كما أن في فطرة الإنسان جانبًا يوازن ذلك الميل، وهو جانب الاستعداد للتسامي والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات الحد الباني للنفس والحياة، مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق وربط القلب البشري بالملأ الأعلى والدار الآخرة، ورضوان الله.

فهي شهوات مستحبة ومستلذة وليست مستقذرة ولا كريهة، والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية وقد قرن إليهما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ثم قرن إلى النساء، البنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والخيل كانت وما زالت حتى في عصر المادة اليوم زينة محببة مشتهاة ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة، وفيها ذكاء وألفة ومودة، وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث، والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء، وتلك اللذائذ والشهوات متاع الحياة الدنيا فقط لا الحياة الرفيعة ولا الآفاق البعيدة.

أما من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات الدنيوية جنات وأزواج مطهرة، ورضوان من الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: 15).

وما دام الله عز وجل قد سخر هذه الشهوات، لتسير عجلة الحياة على المنهج الرباني وتنضبط بضوابط لا تحيد عنها تطرفًا لا إلى الإسراف والمبالغة ولا إلى الحرمان والتقتير، إذن فقد أباحها الله وجعلها في حالة وسطية لتستقيم الأمور ويسود مبدأ التوازن والاستقرار وبلوغ الغاية فهذه الشهوات للمؤمن عون له على طاعة الله وعبادته وسكون للنفس وهدوء لها لتجتاز هذه الحياة القصيرة أمنة مطمئنة إلى حياة أخرى أطول، ثم يوم القيامة يوم يقوم الناس لربهم وقد عادت أرواحهم إلى أجسادهم ليحاسبوا على أعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل