; المجتمع التربوي (1633) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1633)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2005

مشاهدات 62

نشر في العدد 1633

نشر في الصفحة 52

السبت 01-يناير-2005

د. حمدي شعيب

hamdy_shoaib@hotmail.com

فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية

ظاهرة سلطة الفكر... وفكر السلطة (3)

لابد من توافر جو من الحرية والمرونة حتى تهيمن سلطة الفكرة

البطء في إدارة أي أزمة داخل أي مؤسسة حتى ولو كان عادلاً : هو الظلم بعينه، لأن العدل البطيء ظلم.

والعدل مع السرعة يعتبر من الدعائم الرئيسة لإيجاد البيئة الصالحة لتربية القيادات، والمناخ الصحي لإبداع العقليات وإقرار عدم المركزية في القرارات فدائما يكون سلوك التابع عنوانا لسلوك المتبوع، ويكون إبداع الأفراد مرتبطاً بالبيئة أو المناخ السائد.

والمناخ السائد في أي بيئة أو تجمع يعتبر مقياساً لنوعية السلطة أو القيادة الحاكمة.

نعود لاجتهادات عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل، فلم تك تظهر لولا المناخ الحر السائد: الذي وفره رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعود لها حتى ندرك أن هذا الأسلوب النبوي القيادي لم يكن وليد صدقة، أو محاباة لشخص بعينه، أو رد فعل لواقع طارئ أو تفاعلاً لحظياً لأحداث معينة، بل كان أسلوباً مستمراً في الإدارة، وكانت منهجية لا ترتبط بشخص أو مكان أو زمان.

أي بمنظور الظاهرة التي بين أيدينا كان هناك أسلوب قيادي وتربوي وهو أن تكون الهيمنة والقيادة لسلطة الفكرة، والمنهج وسيلة وغاية، ولم تكن الحاكمية لفكر السلطة أو مزاج القائد أو دستور الزعيم!

وتدبر ما حدث في غزوة مؤتة: أي قبل تلك الأحداث بشهر فقط، فعندما تولى خالد رضي الله عنه قيادة الجيش الصغير بعد استشهاد القادة المعينين والمختارين من قبله صلى الله عليه وسلم، وذلك عن ترشيح كبار الصحابة له أثناء الغزوة وعلى رأسهم ثابت بن أقرم رضي الله عنه، فما كان منه إلا أن تحمل المسؤولية، وكان من الطبيعي أن يجتهد اجتهاداً يعتبر في عرف المجتمع في ذلك الوقت اجتهاداً شاذاً، لم يعرفوه ولم يألفوه، حتى الأطفال استنكروه وقابلوا هؤلاء المنسحبين بقولهم:

يا فرار يا فرار فررتم من الجهاد في سبيل الله!!!

ولكن كان للقيادة الراشدة رأي آخر، فهي تحلل الأحداث. وتقيم القرارات وتدرك مدى عظمة هذا الانسحاب، وتقرر مبدأ احترام الاجتهادات فقال: (بل هم الكرار إن شاء الله).

بل قلد القائد خالد رضي الله عنه المجتهد حديث العهد بالمنهج وساماً رفيعاً

فلقبه بسيف الله المسلول.

وتدبر لو أن خالداً رضي الله عنه، علم أن هناك أسلوباً سلطوياً متحجراً: ما كان ليجتهد وينسحب منقذاً الجيش الصغير من مذبحة لا تبقي ولا تذر.

وتدبر كذلك الآثار النفسية . إذا لم تقدر القيادة اجتهاده العظيم. على عقليته كفرد مسلم جديد وعلى عبقريته العسكرية التي لم تعرف الهزيمة!.

لقد بلغ عمرو، وخالد رضوان الله عليهما مع هذا المنهج وتحت ظل هذه العقيدة والفكرة الربانية قمة النضج البشري عندما عمل كل منهما في سبيل الفكرة والمنهج الذي يحمله ولم يكن همه إرضاء شخص أو سلطة فكان إبداعه في اجتهاداته.

ولهذا نقرر أن الارتقاء بالفرد أو الجماعة لا يتم حتى يكون محور الاهتمام هو الفكرة لا الشخص.

ونقرر أيضاً أن الفرد أو الجماعة أو الأمة لا ترقى حتى تكون هناك فرصة للإبداع وحتى تكون هناك مساحة من الحرية للاجتهاد والابتكار.

لقد كان صلى الله عليه وسلم يدفع أصحابه دفعاً للاجتهاد والإبداع، وتأمل حواره مع معاذ رضي الله عنه لما أراد صلى الله عليه وسلم أن يبعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله».([1])  

إن التجديد الفكري أو الاجتهاد جزء من سنة إلهية اجتماعية ثابتة وهي سنة التداول والتغيير الحضاري التي تشمل كل مجالات هذا الوجود الكبير، يهلك من يعاندها، ويضيع من يصادمها: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، [آل عمران: 140] والتجديد ترجمة وتبسيط لسنة التداول.

ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقرر هذه الحقيقة في مجال المنهج الخالد، حيث يبين استمرارية حركة الإبداع في فهم الرسالة، وديمومة عملية التجديد في عرضها :

«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»([2])

وتأمل كيف أن هذا الأسلوب القيادي التربوي النبوي الشريف، بلغ القمة حتى في تعامله مع الغلمان، فلقد كان يعرف المواهب الكامنة ويقدرها ويعطي لها الفرصة لتظهر وتأخذ حقها داخل المجتمع، وكان يهيئ المناخ الصحي لبروز العقليات والكفاءات لتبدع وتستشعر قيمتها الإنسانية، حتى لا تكون مسخاً وصوراً مشوهة من صور الزعيم.

فعن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: أنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني في حاجة فأبطات على أمي، فلما جئت، قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر قالت: لا تُخْبِرن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً . قال أنس: والله لو حدثت به أحداً لحدثتك به يا ثابت([3]).

 عندما يهيمن فكر السلطة

وهنا نعود لنختزل الظاهرة في المجال التربوي، ونركز على بعض صور الخلل في أي مؤسسة، خاصة المؤسسات التربوية.

والخلل الذي نقصده هو بروز فكر السلطة، وهيمنة الفرد، وتسلط الزعيم و (دكتاتورية) المسؤول الذي يتصرف وكأنه صاحب إقطاعية خاصة ممنوع الاقتراب منها .

نحو... هيمنة لسلطة الفكرة

ونقصد بهيمنة سلطان الفكرة أن تسير المؤسسة أفراداً ومسؤولين في سبيل غاية واحدة، وتحت فكرة واحدة تكون مقياساً للعمل وأساساً للبذل.

وأن يكون مقياس الولاء هو رضى الحق سبحانه ثم البذل في سبيل الغاية أو الفكرة.

 وأن يحترم رأي المسؤول طالما كان في سبيل الغاية الواحدة.

فما السبيل إلى المحافظة على هيمنة الأفكار والمبادئ داخل أي مؤسسة خاصة المؤسسات التربوية؟!.

وكيف نعالج الاستبداد التربوي الذي هو الخطوة الأولى في معالجة الاستبداد السياسي؟

أولا : أن يتوافر جو من الحرية ومناخ من المرونة داخل المؤسسة.

ثانياً: أن يكون المقياس في التقييم هو البذل في سبيل الغاية لا في سبيل رضى المسؤول.

ثالثاً: حسن إدارة الأزمات، وسرعة البت في المنازعات والخلافات.

رابعا: عدم المحاباة والمجاملة لبعض الأفراد، حتى ولو كانوا في مقام المسؤولية. خامسا : احترام رأي الآخر ولو خالف رأي المؤسسة.

سادساً : إشاعة جو من التشجيع والتقدير للاجتهادات والإبداعات.

وهكذا ....

حتى تعود الفكرة لمكانها الطبيعي فتهيمن وتقود الجموع، ويحترم سلطانها .

وأن يعود فكر السلطة، ومزاج المسؤول، ودستور الزعيم وقوانين الحاكم إلى مكانه الطبيعي فلا ينازع سلطة وهيمنة الفكرة.

 ولا نصادم السنة الإلهية الاجتماعية القاضية بأن الخلل في هيمنة فكر السلطة وأن الحق في هيمنة سلطة الفكرة .

عثمان بن مظعون

دفين البقيع الأول

إنه (أبو السائب) عثمان بن مظعون بن حبيب القرشي الجمحي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، فهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة مع ابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة، ورجعوا إلى مكة بعدما بلغهم أن قريشاً أسلمت، فدخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة ثم رد جواره ورضي لنفسه ما ارتضاه الله للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

كان عثمان بن مظعون رضي الله عنه من عباد الصحابة.

وهو ممن حرم على نفسه الخمر في الجاهلية وقال: لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك علي من هو أدنى مني.

كان عثمان بن مظعون رضي الله عنه أول رجل من المهاجرين .. مات بالمدينة المنورة، وكان ذلك في السنة الثانية للهجرة بعدما شهد بدراً، كما كان أول من دفن في البقيع.

"روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تذرفان من الدمع حتى سمع له شهيق" (ذكره ابن حجر في الإصابة).

وروى ابن عباس - رضي الله عنهما- أنه قال: لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته، هنيئاً لك الجنة، فنظر إليها النبي نظرة غضبان وقال: وما يدريك؟ قالت: فارسك وصاحبك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله وما أدري ما يفعل بي، فاشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وعن الأسود بن سريع قال: لما مات عثمان بن مظعون أشفق المسلمون عليه، فلما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون» (رواه الطبراني). رضي الله عنه ..

محمد مصطفى ناصيف

([1]) رواه أبو داود في سننه: كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء: ٣٥٩٢ - ٣٥٩٣ - الترمذي: أبواب الأحكام: باب ما جاء في القاضي كيف يقضي؟ - ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود : ۷۷۰ وضعيف سنن الترمذي ٢٢٤ .

([2]) رواه أبو داود في الملاحم.

 ([3]) رواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصراً.

سمية رمضان (*)

تجربتي في التحرك بالقرآن

هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها ، فتتحرك بها الجوارح.

 أي نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعاً للقلب وذهاباً للهم وجلاء للحزن. سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههم وتدريبهم على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جداً وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهم مع الآيات.

التقوى

قصة ابن .. قلب حياة أسرته رأساً على عقب.. وبالتحرك بالقرآن رده الله رداً جميلاً

كانت من أنشط الأخوات بالمسجد بشوشة الوجه مبتسمة الثغر أينما ذهبت نثرت من كلماتها زهرات فواحة الرائحة تنزل برداً وسلاماً على من يلتقيها ويتعامل معها، ولكن بعد فترة لاحظت ذبول كلماتها وقد خف نشاطها . وشحب وجهها، بل ودوماً تشكو من أمراض عضوية لا نكاد نرى لها أثراً على أعضائها وأحببت أن أختلي بها وهي من ضمدت كثيراً من الجراح لعلي أسري عنها أو أكون لها سنداً.

وبالفعل دير لنا القدر الكريم موعداً. ولم أحتج إلى كثير من المشقة لتتكلم وكأنها كانت تنتظر هذا اللقاء بل وكأنها تعد له عداً، نظرت إلي وقالت والله يا أختاه أشعر بكرب عظيم وكأن الرياح العاتية تحملني وتصعد بي ثم تلقي بي من عل، وتحملني وتدور بي فلا أكاد أدرك أين مكاني، فكل شيء في حياتي على ما يرام والحمد لله أقوم بتربية أولادي كما تعلمين ويعلم الجميع على كتاب ربي وسنة رسول ومن قبل كان اختياري لزوج صالح يقدم لي معونة العلم والحكمة والخوف من الله وقد كان كذلك، وأفضل.

انزوى وحيداً

وسارت بي الأيام على أحلى ما يتمنى المسلم ويرضى كذلك أولادي من ذكور وإناث كانوا أكثر مني حباً لدينهم، ثم حدث ما تصورت به نفسي كجمل يريد أن يلج في سم الخياط. وهيهات أن يحدث ذلك فإن أحد أولادي الذكور كان يصلي في المسجد مع أخلاق كريمة حب للخير ولا تكاد تسمعين له صوت، وفجأة تغير كل شيء فأصبح صوته كصوت الرعد ليس فقط على من بالمنزل، بل تعدى الأمر والده أما الصلاة فبالكاد يا أختاه يصلي الفروض، وبعد أن كان محبوباً، أصبح الجميع يتحاشون التعامل معه بل ولا يحبون ذلك على الإطلاق، فانزوى وحيداً في حجرته لا يكاد يبرحها، وإن الححت عليه بالخروج والجلوس معنا ندمت على ذلك أشد الندم فهو يتحرش بالجميع ويتصور أنه هو المظلوم وكل من حوله على جميع المستويات هم من ظلموه، وكلما هممت بعمل ما يرضي ربي وجدته في طريقي ابني فلذة كبدي يستغرق كل وقتي وليت ذلك بفائدة ترجى ولن أقول المزيد فسبحان مغير الأحوال ومبدل الإنسان، ولكني لا أخفي عليك فإن كل تفكيري مع هذا الولد لا أريد أن يأخذه مني الشيطان وهو من سهرت عليه الليالي الليلة تلو الأخرى، معلمة شارحة مهذبة وسوف أوجز لك يا أختي ما وصل إليه أمري إن إخوته وأخواته لا يريدون صحبته على الإطلاق، ولا يريدون حتى الحديث معه فتصوري حالي: أصلح بين الناس ولا أستطيع إصلاح أمر بيتي ومع أقرب الناس إلى قلبي.

حالة في كثير من البيوت

تنهدت تنهيدة مؤلمة لأم تشعر بمسؤولياتها الكبيرة ويرهقها شأن أولادها، جلست قريباً منها وقلت لها: حبيبتي إن هذا ليس شأنك وحدك، ولكن كثيراً من الأسر الملتزمة نبتلى بشاب أو فتاة من أولادها وقد ابتعد عنهم بزاوية منفرجة في الأقوال والأفعال، ويحدث ذلك غالباً في الفترة التي يطلق عليها فترة المراهقة هذه السن التي تتفجر فيها طاقة الفتى فقد ينضج الشاب بصفة خاصة بكل عنفوان وتلازمه كلمة لا، والقرآن يروي لنا قصص فتية في القرآن الكريم تفجرت طاقاتهم وعنفوانهم في رفض الباطل، فقد قالها إبراهيم ويوسف عليهما السلام وفتية أهل الكهف وفتى الأخدود، فليست هذه مشكلة على الإطلاق أن يعترض ويقول لا إلا إذا قالها في الاتجاه المعاكس مثل لا التي قالها ابن نوح هنا نسمع نفير الخطر وهذا ما يؤرق الآباء والأمهات، ويسألون أنفسهم: ترى أيا من هذه اللاءات ستكون ملازمة لأولادهم؟! أعلم أنك حاولت أن تدخلي إلى نفس ولدك ولكنه قابلك بالصدود والجفوة المصحوبة بالغلظة، وبالتأكيد حاول والده بشتى الطرق أن يرده إلى الطريق ولكن كل محاولاته باءت بالفشل الذريع إن لم يزدد الأمر سوءاً بسبب محاولاته.

قالت الأخت: والله هذا ما حدث وكأنك كنت معنا.

قلت لها : إذن ليس لنا ملجأ إلا الله، وقد يسر لنا سبحانه ما يهون علينا ما نعاني منه بل جعل معنا الدليل ليمسك بأيدينا فإن اتبعناه كان في ذلك حل جميع مشكلاتنا.

قالت الأخت بشغف شديد: أعدك الا أترك يدي أبداً تفلت من يد الدليل المهم دليني بأي الآيات القرآنية ستكون حركتي وصحبتي.

قولها أثلج صدري فهي أخت أحسبها من الصادقات.

فقلت لها : ليس أمامنا إلا اللجوء لقول الله سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾، [الطلاق: 2]

فكل الطرق كما ترين موصدة وليس لك مخرج إلا بالتقوى وليس معنى ذلك أنك لا تنقين الله ولكن معناه...

قاطعتني قائلة: أفهم ما تريدين قوله ساجعل إن شاء الله تعالى التقوى في صحبتي أينما حللت وذهبت وستكون معي في أقوالي، بل سأجعلها توجه فكري استأذنت الأخت الكريمة ومدت يديها إلى مودعة وهي تقول: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ صدق ربي وبقي أن أصدق مع ربي ليتحقق وعده لي، ودعتها وأنا أدعو لها من قلبي بالتوفيق والنجاح، فهي تجارب نخوضها وفي كل تجربة نسأل فيها الرحمن أن يكلل جهودنا بالنجاح.

مرت الأيام والشهور والسنوات، والأخت باقية على العهد وكلما التقينا رددت نفس الآية وسألتني أن أدعو لها بالثبات، بل كانت تسأل كل من تقابله أن يدعو لها بالثبات وبعد أن كان شاغلها الشاغل تصرفات وأفعال ولدها، وبعد أن كانت دوماً تسأل الناس أن يهديه الله، أصبح شاغلها الشاغل كيف تحقق في نفسها التقوى، وقد كان لها تجارب سأذكر بعضها نقلاً عنها، بعد أن كانت ترفض أن تروي لنا أياً من تجاربها حتى يحقق الله لها الرجاء بهداية ولدها وبعد أن من الله عليها وأكرمها بهدايته تهاوت حججها وبدأت تخرج من صمتها.

أريد إنقاذ ابني

فروت لنا في المسجد ما كان من أمرها وقالت: حاولت يا أخواتي أن أغير كل أحوالي، حيث فكرت قليلاً:

فإن كنت حقاً أريد إنقاذ ابني من شيطانه لم لا أضيف على صلاة الفجر قليلاً من قيام الليل؟ وبدأ الأمر بركعتين قبل الفجر، وصلوا إلى ثماني ركعات، جعلها الله لي فردوس الدنيا وكنزها، وحاولت أن أزيد من قراءة صلاة الفجر مما جعلني أزيد من حفظي لكتاب الله، ومهما وصفت ما شعرت به من نعيم وراحة وهدوء فهو هدوء لا يشعر بدرجته إلا من يحفظ القرآن وحاولت أن أصادق الهدوء في تعاملاتي اليومية خاصة مع أولادي، بل حاولت جاهدة أن أصل إلى مرضاة ربي عن طريق مرضاة زوجي وكنت أفعل ذلك .. فكل طاعة قدمتها لزوجي لم اكن حينها أرى سوى ربي وكم يشعر الإنسان بسعادة حقيقية عندما يفعل ذلك، فهو يعمل العمل وهو ضامن أجر المالك المطاع، المهم أن يتقبله وهو ما كنت أحاوله بإخلاص العمل أولاً وكثرة الدعاء إلى المولى أن يتقبله ثانياً، ولا أخفي أبداً مشاعري الرائعة وكم كانت مستوياتي الروحية مرتفعة، فقد كنت أشعر وكأني أطير على الأرض طيراناً، وبدأت أعيد حساباتي في علاقاتي بجيراني وصديقاتي، وأوصلت ما كان قد قطع من صلة أرحام وكم هو أمر جميل أن كل مكان تذهبين إليه تشعرين بوجود الخالق معك وتستشعرين رؤيته إياك وسماعه لك، فإن هذا ما شعرت به من تقربي إلى الله قرباً لم أكن أحلم به، فقد أصبحت أدعوه بحب ورجاء.. اختلط شوقي بخوفي ورغبتي برهبتي مشاعر ممتزجة تجعل محصلة امتزاجها سعادة يغبطنا عليها كل من حرم منها، قالت لها إحدى الحاضرات هل يمكنك يا أختاه أن تسردي لنا موقفاً مررت به تجسدين لنا فيه من مشاعرك تلك لعل الله ينفعنا بك.

قالت الأخت الراوية سأروي لكم موقفاً تلك المواقف، ففي يوم تكالبت علي هموم كثيرة وشعرت بضيق شديد وقد تعلمت من القرآن أنني إن حدث ذلك الزم التسبيح لعل الله يفرج كربي.. فهداني سبحانه إلى صلة الرحم وذكرني بالحديث وأخذت أردد : «إني خلقت الرحم واشتققت له اسماً من اسمي»..

فمن وصله وصلته ومن قطعه قطعته فارتديت ثيابي وجعلت مقصدي أحد أعمامي، وبعد وصولي إلى منزله لم أستخدم المصعد كعادتي وصعدت على الدرج وأنا أقصد ذلك، فكلما صعدت درجة ناديت ربي وقلت له: اللهم إني وصلته كما أمرت كما عدت وأسأله حل مشكلتي ... فصلني وظللت على هذا الحال حتى وصلت إلى باب عمي، وعندما فتح لي شعرت وكأن الله قد فتح لي باب الرحمة فدخلت عليهم متهللة مستبشرة، وفي طريق عودتي لمنزلي شعرت بسكينة غمرت كل أعضائي فوهبت لي الهدوء والطمأنينة وزادني سبحانه بأن هيأ لي من كان سبباً في حل مشكلتي وشعرت وكأن هذه المشكلة كانت سحابة صيف سرعان ما انقشعت وزادني سبحانه بحمد له وشكر مما زاد من أنسي به وزادني سبحانه بشعور عميق يملأ نفسي بالامتنان الشديد لله وحده، وهذا المزيج من رحمة الله يجعل في صلاتك لذة وفي فؤادك يقيناً، وفي صومك نقاء، وفي صدقتك رضاً.

فرج الله

وأضافت الأخت إني عندما أعمل العمل لا أبتغي به إلا وجه الله كما أمر سبحانه أشعر بقربي من ربي وكأني سجدت له ألف ركعة تطوعاً، إن تجربتي جعلتني أفرق بين إيماني التقليدي الوراثي وبين إيماني اليقيني الأساسي بعد أن صاحبت الآية الكريمة: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.

فقد تبدلت أحوالي لما جعل من أمري يسراً ومن همي فرجاً وتذرعت بالصبر في تعاملي مع ابني.. السبب الرئيس لما هداني الله إليه من خير، وكنت كثيرة الدعاء لابني في سجودي وفي كل لقاء مع ربي، وانقضت السنوات سريعة، وفي الوقت الذي أذن به الرحمن رد علي ابني رداً كريماً، وعاد الود والوفاق بينه وبين إخوته بفيض من نعماء الله علي وعلى والده.

نعم رده إلينا رداً كريماً بفضله، ورحمته وكرمه وجوده سبحانه، وأنا أشهدكم جميعاً أنه لا حول لي ولا قوة فيما أتاني من خير ولكنه فضل الله يهبه لمن شاء في الوقت الذي يشاء وكانت دموع الأخت تنساب على وجنتيها فرحاً بفضل الله سبحانه ولم تشعر كل من كانت بالمسجد إلا وهي تمسح عن وجهها الدموع، وأرادت أن تهنئ الأخت بنتيجة تحركها العملي التطبيقي الفعلي بالآية الكريمة. إن أغلب مشكلاتنا إن لم نحصرها في سبب واحد وأحطنا بها من كل الاتجاهات سيحالفنا بمشيئة الله التوفيق في حلها.

 (*) أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل