العنوان المجتمع التربوي (1752)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2007
مشاهدات 52
نشر في العدد 1752
نشر في الصفحة 48
السبت 19-مايو-2007
محمد صلى الله على وسلم وللحبيب أسماء.. «٧»
العاقب «الذي ليس بعده نبي»
الشريعة الإسلامية خالدة عبر الزمان.. والاعتدال والوسطية من عوامل بقائها وصلاحيتها لكل العصور
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. «العاقب» ... هو خاتم الرسل والأنبياء جميعًا بنص القرآن الكريم، وبما ورد على لسانه عليه الصلاة والسلام، وكذلك بما دلت عليه شريعته الخاتمة الخالدة بما فيها من خصائص ومزايا تجعلها مناسبة لإكمال واتمام وختم جميع ما سبقها من شرائع، وتجعله كما أراد الله تعالى خاتمًا للأنبياء والمرسلين، كما قال عنه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب:٤٠).
إيمان مغازي الشرقاوي
ويوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فيقول: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بنيانًا فأحسنه وجمله، إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البناء فيقولون: ألا وضعت ها هنا لبنة فيتم البناء؟ فأنا اللبنة جئت فختمت الأنبياء» «مسلم». ويؤكد ذلك قائلًا: «إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته» «أخرجه الإمام أحمد».
وكون الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين يستلزم تمام الدين واكتمال الرسالة، وهذا ما أخبر عنه القرآن الكريم بعد أن فرغ نبينا الحبيب الخاتم صلى الله عليه وسلم من مهمة البلاغ، ودخل الناس في دين الله أفواجًا فنزل قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ (المائدة:٣).
وكمل الدين ببعثة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، وجعلت دعوته العامة «رسالته» صالحة لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفضله الله تعالى على الأنبياء جميعًا، وخصه بما لم يخص به غيره كما جاء في الحديث: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لى الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» «مسلم».
نعم.. لقد انقطعت النبوة.
أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي» «رواه الترمذي».
وقد ذكر ما يشير إلى ذلك في الكتب السابقة، وبشرت به، فجاء في إنجيل يوحنا: «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من «الأب» فيعطيكم معزيًا «فارقليط» آخر ليمكث معكم إلى الأبد». فالفارقليط ترجمته: محمد أو أحمد، وبقاؤه معهم إلى الأبد هو بقاء دينه، وكتابه وسنته، إذ هذه محفوظة بحفظ الله، وباقية ببقاء هذه الحياة، وهذا معنى إلى الأبد في قوله «يبقى معكم إلى الأبد.
ومن هنا نجد رسولنا صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الاغترار بمن يأتي من بعده فيدّعي النبوة،
أو تصديقه أو الإيمان به، حيث أطلعه الله تعالى على أن هذا كائن، فقال لنا مؤكدًا: «وأنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابًا، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» «مسلم».
رسالة عامة.. وشريعة خاتمة
وكما ختم الله أنبياءه ورسله بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد ختم رسالاتهم جميعًا برسالته، وهذا أيضًا يؤكد معنى «العاقب»، فلا رسالة بعد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث لا نبي بعده، وإنما جعلها خاتمة لما سبقها لكونها كاملة شاملة تفي بحاجات البشر من جميع النواحي إلى يوم القيامة؛ لأنها من عند الله وليست من عند بشر. وكذلك فقد أرسل الله سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس عامة باختلاف أزمانهم وأماكنهم إلى يوم الدين. وهذا سر كونه خاتمًا للنبيين. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان:١). وأمره بإبلاغ الناس هذه الحقيقة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨).
ليعلم الجميع عموم رسالته وأنها ناسخة لما قبلها من الرسالات، وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: «كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود» «مسلم». وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة » «البخاري».
من عوامل بقاء الشريعة وخلودها:
تستمد الشريعة مادتها من الكتاب والسنة لأنها ربانية من عند الله، لذا فقد تعهد الله بحفظها حينما تكفل بحفظ مصدرها الأساسي، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩).
وعصم صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، وحفظه من القتل حتى يؤدي رسالته ويبلغ دعوته ويكتمل الدين.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ﴾ (المائدة:٦٧).
ضمير متيقظ
كما حفظ الله الشريعة بما لها من هيبة في نفوس الناس الذين يعلمون أنها من عند الله، بأن جعل إيمان الفرد بالله وطاعته له عن اختياره ودونما إكراه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ﴾ (البقرة ٢٥٦)، وبالتالي يقوم بأوامرها طواعية بضمير حيّ متيقظ، ولماذا لا يكون كذلك وقد جعل الله مقاصد هذه الشريعة حفظًا
للدين والنفس والعقل والعرض والمال، وكل ذلك مقومات حياة الإنسان وسبب سعادته في حياته الدنيا؟ وهي أيضًا نظام شامل لجميع شؤون الحياة فلا تهتم بجانب وتهمل الآخر، فكما تهتم بعقيدة الإنسان تأمره بتزكية نفسه، وكما تنظم علاقته مع ربه فإنها تنظم علاقته مع غيره، وهي أيضًا تشمل الأحكام والقوانين المختلفة التي يحتاجها الناس الصلاح دنياهم وآخرتهم.
سمة التيسير
ومن أهم ما يضمن لها الخلود والبقاء سمة التيسير ومراعاة مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم، مما يجعلها واقعية تراعي طبيعة الإنسان في الحاجة لذلك، فتجدها ترفع الحرج بما فيها من رخص وتيسير، وتدفع الضرر عنه «لا ضرر ولا ضرار». كما أن مرونتها تجعلها تناسب كل العصور وتصلح لكل الأجناس وتلائم مختلف الناس. أما أهم ما تمتاز به عن سائر الشرائع السابقة فهو الاعتدال والوسطية في كل شيء حتى في العبادات، وهذا ما يؤكد صلاحيتها لأن تكون خاتمة الرسالات، ويجعل صاحبها عليه الصلاة والسلام خاتم المرسلين.
لا تحزن.. وحاول أن ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل تريد أن ترى الآن نبيك محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟ بالتأكيد ستتعجب من هذا السؤال، لكني أريدك أن تراه بعين قلبك.. نعم.. تعرف على سيرته وصفاته، واحفظ أسماءه وتخلّق بأخلاقه، واعلم أن الله تعالى قد ختم به الرسالات، لذا فقد سخر من يقوم بتدوين سيرته، ووفقهم لكتابة سنته، بعد أن حفظها لنا من التبديل والضياع، فكانت كتابًا مفتوحًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض، ونقلت إلينا على ألسنة أصحابه الأخيار ومن تبعهم وجاء من بعدهم، وستظل تتناقلها الأجيال إلى يوم الدين كما هي دون تغيير.
التوفيق للإيمان
وبعد أن تتعرف على نبيك صلى الله عليه وسلم وتراه كأنه معك عليك أن تلهج بحمد الله أن منَّ عليك ببعثته، ووفقك وهداك للإيمان به، ثم أتبع حمدك بالشكر على إتمام الرسالة التي من أجلك أنت أرسلتُ، ولك أن تعتز وتفخر بأنك - والحمد لله - مسلم، ومن أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي كرمها الله وشرفها تكريمًا لحبيبه عليه الصلاة والسلام، وها هو يبشرك بنفسه ويقول لك:« إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» «رواه الدارقطني». فأسلم وجهك لله، وسر على هداه، في ظل شريعة الإسلام الغراء، وإلا تفعل تكن من الخاسرين: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥).
خشية الله والخوف منه
إذا زاد الإيمان في قلب المؤمن زاد خوفه من الله، والناس في خوفهم من الله متفاوتون، ولهذا كان خوف العلماء في أعلى الدرجات، وذلك لأن خوفهم مقرون بمعرفة الله مما رفع خوفهم إلى درجة بالخشية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر:٢٨)، والخشية درجة أعلى وهي أخص من الخوف، فالخوف لعامة المؤمنين. والخشية للعلماء العارفين، وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الخشية، كما قال النبي : «إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية»، وقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله».
قال الإمام أحمد: هذا يدل على أن كل من كان بالله أعرف كان منه أخوف. والخوف: هو اضطراب القلب ووجله من تذكر عقاب الله وناره ووعيده الشديد لمن عصاه، والخائف دائما يلجأ إلى الهرب مما يخافه إلا من يخاف من الله فإنه يهرب إليه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (الذاريات:٥٠)، قال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب.
وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها.
وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق.
والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه ويبن محارم الله عز وجل، فإذا تجاوز ذلك خيف اليأس والقنوط، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخوف المحمود: هو ما حجزك عن محارم الله. وهذا الخوف من أجل منازل السير إلى الله وأنفعها للناس وهو فرض على كل أحد.
عبد الحميد التركستاني
من لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة
رجل بايع إماما لدنياه
وجوب مبايعة الإمام على العمل بالحق وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
توعد الله الخارجين على الإمام وناكثي البيعة بشديد العقاب لما في ذلك من تفريق الكلمة ولما في الوفاء من حفظ للدماء والأموال
توفيق علي
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكِّيهم ولهم عذاب أليم:... منهم: ورجل بايع إمامًا «۱» لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يَفِ له...«٢».
تعريف البيعة
«بايع السلطان: إذا تضمن بذل الطاعة له بما رضخ له، ويقال لذلك بيعة أو مبايعة» «٣». والبيعة: التولية وعقدها «٤».
قال ابن خلدون في مقدمة تاريخه:
«البيعة هي العهد على الطاعة، كأنَّ المبايعَ يعاهد أميره على أنه يُسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره».
حقيقة البيعة مع الله
قال سيد قطب - يرحمه الله - عن حقيقة البيعة مع الله في تفسيره لآية ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: ١١١): «إنه نص رهيب! إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط
المؤمنين بالله، وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - فمن بايع هذه البيعة ووفَّى بها، فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف «المؤمن»، وتتمثل فيه حقيقة الإيمان، وإلا فهي دعوى تحتاج تحقيقًا ومراجعة!!
حقيقة هذه البيعة - أو هذه المبايعة كما سماها الله - أن الله - سبحانه - قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم، فلم يعد لهم منها شيء.. والثمن: هو الجنة.. والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال.. والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد» «٥».
الجهاد بيعة معقودة
«إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن.. كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين الله، وهو سنة جارية لا تستقيم بدونها الحياة، ولا تصلح بتركها: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١)، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠).
بشرى الله للمجاهدين في سبيله
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:١١١).
استبشروا بإخلاص أنفسكم وأموالكم لله، وأخذ الجنة عوضًا وثمنًا، كما وعد الله.. وما الذي يفوت المؤمن الذي يسلم لله نفسه وماله ويستعيض عنهما بالجنة؟.. والله ما فاته شيء.. فالنفس إلى موت، والمال إلى فوت، سواء أنفقهما صاحبهما في سبيل الله أم في سبيل سواه! والجنة كسب. كسب بلا مقابل في حقيقة الأمر...
ودع عنك رفعة الإنسان وهو يعيش لله، ينتصر - إذا انتصر ـ لإعلاء كلمته وتحرير عباده من العبودية المذلة لسواه، ويستشهد - إذا استشهد - في سبيله، ليؤدي لدينه شهادة بأنه خير عنده من الحياة. ويستشعر في كل حركة وفي كل خطوة - أنه أقوى من قيود الأرض وأنه أرفع من ثقلة الأرض، والإيمان ينتصر فيه على الألم، والعقيدة تنتصر فيه على الحياة «٦».
وعيد الله للمبايع لدنياه
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكِّيهم ولهم عذاب أليم؛... منهم: ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفَّى له وإلا لم يف له» «٧».
سبب استحقاقه هذا الوعيد لكونه غش إمام المسلمين، ومن لازم غش الإمام غش الرعية لما فيه من التسبب في إثارة الفتنة.
فوائد وعبر
في الحديث فوائد وعبر منها:
أولًا: وعيد شديد في نكث البيعة والخروج على الإمام، لما في ذلك من تفرق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء.
قال ابن تيمية رحمه الله: «وقلَّ مَن خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير.. والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين» «٨» .
ثانيًا: الأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فمن جعل مبايعته لمال يُعطاه دون ملاحظة المقصود في الأصل فقد خسر خسرانًا مبينًا، ودخل في الوعيد المذكور وحاق به إن لم يتجاوز الله عنه.
ثالثًا: أن كل عمل لا يقصد به وجه الله وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم.
وإزاء هذا الأمر، نجد العجب من حال المسلمين في عصرنا الحالي:
- فأساس الاختيار اليوم لدي الكثيرين المصلحة الشخصية من مأكل ومشرب وملبس ووظيفة، دون النظر إلى المصلحة العامة للأمة، ولسانُ حالهمِ يقول: «يا سحابة لا تمطري إلا عليَّ».
الهوامش
«١» رجل بايع إمامًا: أي عاقد الإمام الأعظم ولا يبايعه إلا لدنيا.
«٢» صحيح البخاري، باب: من بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا «٦٧٨٦»
«٣» مفردات ألفاظ القرآن ،١٥٥.
«٤» المعجم الوسيط ۷۹/۱
«٥» الظلال، ١٧١٦/٣
«٦» الظلال، ۱۷۱۷/۳۰
«٧» صحيح البخاري، باب: من بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا «٦٧٨٦».
«٨» منهاج السنة «٥٢٧/٤-٥٢٨».
النصيحة
محمد مصطفى ناصيف
النصيحة محاطة بالتهمة، وليست النصيحة إلا لمن قبلها، كما أن الدنيا ليست إلا لمن تركها، ولا الآخرة إلا لمن طلبها، وليس لكل ذي نصح إلا الجهد، ولو لم يقبل من نصائحه شيء.
الغرض من النصيحة: الشفقة في إقالة العثرة التي وقع فيها هذا الإنسان. لقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم التعميم والتعريض لا التشهير والتحديد فكان يقول: «ما بال أقوام».
من نصح أخاه سرًا فقد نصحه... ومن نصحه جهرًا فقد فضحه.
تعمدني بنصحك في انفرادي
وجنبني النصيحة في الجماعه
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضى سماعه
لهذا لا يجوز توجيه اللوم إلى المنصوح بأسلوب سيئ وأمام الناس، ولا تُشْتَم منه رائحة المودة.
وهناك فروق بين النصح والتشهير: وتتعلق بسرية النصيحة، والأسلوب الحسن، والمودة والمحبة.
النصح في السر حب وشفقة.. والنصح في العلن انتقاص وفضيحة.
النصح في السر أرجى للقبول.. وأدل على الإخلاص، وأبعد عن الشبهة.
يجب عدم تصيد الأخطاء، وعدم البحث عن أسباب زلاتهم بل محاولة زوالها.
يجب على الناصح الإخلاص في نصحه، وإن خاف على الناس منه سلك مسلك التحذير مع اللطف في إنكار الفعل.. كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لا أكرهه بل أكره فعله، فإن تركه فإنه أخي.
عدم التلميح للفاعل والتشهير به، فهو بهذا يفسد أكثر مما يصلح حال تشهيره بعيوبه أكثر مما يستر.
يجب أن يحذر من أن تداخل نفسه شهوة خفية، فالشهوة الخفية التي تسيطر على نفس الناصح تجعله مريضًا، عندها يفسد على المرء دينه ويصبح غافلًا عن عيوب نفسه، بينما يظهر عيوب الآخرين، أو يتمثل في نصحه حب الناس وثناءهم عليه وكسب ثقتهم وليست إرضاء لله، والعاقل من شغله عيبه عن عيوب الناس.
قال عمر رضي الله عنه: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأن تجد لها في الخير محملًا.
والنصيحة إن تعدت هوى المنصوح عن قبولها.
ولا ترفضن النصح من غير أهله وكن حين تستغني برأيك غانيًا
تعريف العيوب مع الستر نصيحة.. ومع الإشاعة والهتك فضيحة.
من عرّفك بعيبك من حيث لا يشعر غيرك.. فهو الناصح.
يحذر على الناصح عند النصح أن تتملك نفسه بالعلو على المنصوح، وألا يرى نفسه بعلمه واستقامته، ويقوم بذلك منصوحه بالجهل والاعوجاج ولو بصورة غير مباشرة.
علامة الناصح إذا أراد زينة المنصوح له أن ينصحه سرًا، وعلامة من أراد أن يشينه ينصحه علانية.
من اصفر وجهه عند النصيحة.. أسود لونه من الفضيحة.
لقد ودّك من نصحك.. وقلاك من مشى في هواك.
من وصل أخاه بنصيحة في دينه، ونظر له في صلاح دنياه.. فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه.
عجبًا لمن يرى القذاة في عين أخيه.. ولا يرى الجذعة في عينه.
كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يشترط على من بايعه من صحابته الكرام «النصح لكل مسلم».
يبقى تقصير العلماء وأجهزة الإعلام بأنواعها ممن يتحملون جزءًا من هذه المسؤولية، إذ إن واجبهم التوجيه والإرشاد وإسداء النصيحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل