العنوان المجتمع التربوي (1757)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1757
نشر في الصفحة 54
السبت 23-يونيو-2007
الحلم من أخلاق الرجال
عبد الرحمن بن عبد الله اللعبون- كاتب سعودي
الحلم خلق تندرج تحته مجموعة أخلاق فاضلة، منها: العلم، والصبر، والأناة، والتثبت، يتبعه كذلك العفو الذي لم يقترن شيء بشيء أحسن من اقترانه بالمقدرة، والحلم صفة من صفات الله جاءت في أكثر من موضع من كتاب الله منها: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر: 41)، والحليم اسم من أسماء الله -تعالى-، وقد أثنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رجل حليم قائلًا فيما روي عن ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأشج بن عبد قيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة.[1]
دعامة العقل الحلم.. وجماع الأمر الصبر
وقال الحسن في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63) حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا، والحلم مجاهدة للنفس مثله مثل كظم الغيظ، ولا يصل إلا بالمراس والمغالبة وتقديم الرغبة بخير ما بعده، وهو درع واق من الجهل وآثاره ومن الحمق ومغبته.
قال أبو الدرداء -رضي الله تعالى عنه-: «إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتعلم، ومن يتوق الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه».
وسفه رجل على إسحاق الحنظلي فاحتمله وقال: لأي شيء تعلمنا العلم؟ وهذا معنى مهم من معاني طلب العلم وهو ممارسته في الحياة، وجعله قائدًا في التصرفات. قال الشافعي يرحمه الله:
إذا نطق السفيه فلا تجبه *** فخير من إجابته السكوت
سكت عن السفيه فظن أني *** عييت عن الجواب وما عييت
ففي النفس رغبات للرد والزيادة، ولو اتبع المرء هواه لما كان متبعًا للعلم ولفعل كما يفعل جهال الناس، ولكن اتباع أمر الله -تعالى- وأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أحق وأولى، وقال الآخر:
ولربما ابتسم الوقور من الأذى *** وضميره من حره يتاوه
ولربما خزن الحليم لسانه *** حذر الجواب وإنه لمفوه
قال أبو حاتم الواجب على العاقل إذا غضب واحتد أن يذكر كثرة حلم الله عنه، مع تواتر انتهاكه محارمه وتعديه حرماته، ثم يحلم، ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي.
لا تغضب
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: «لا تغضب» فردد مرارًا، قال: «لا تغضب».[2]
ومن كان غضبه سريعًا فقد استعجل في جوابه وعمل دون ترو.
قال الكريزي:
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم *** عدوًا لعقل المرء أعدى من الغضب
وترك الغضب أيسر على المرء من معالجة آثاره، فدفع الغضب من الأمور التي يحرص عليها من ملك زمام نفسه فوجهها إلى ما فيه صلاحها.
سئل الأحنف بن قيس: ما الحلم؟ فقال: أن تصبر على ما تكره قليلًا.
ويترجم ذلك إلى هدوء وسكون حين تنتفخ عروق الآخرين، وقد شتم رجل الأحنف فأكثر إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء، فأقبل على الرجل فقال: يا هذا إن غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه.
إن حلم الأحنف كان محط إعجاب واستغراب ممن حوله، فقال لهم: إني لأجد ما تجدون، ولكني صبور، وقال إبراهيم التيمي: إن كان الرجل من الحي ليجيء فيسب الحارث بن سويد فيسكت، فإذا سكت قام فنفض رداءه ودخل، وكان ابن عون لا يغضب، فإذا أغضبه إنسان قال: بارك الله فيك، فالحلم يدفع شرورًا كثيرة.
أنشد الأنصاري:
وكظمي الغيظ أولى من محاولتي *** غيظ العدو بإضراري بإيماني
لا خير في الأمر ترديني مغبته *** يوم الحساب إذا ما نص ميزاني
ولا تجد فيمن ذكرت العرب عنه الحكمة وأدرجته في مصاف الحكماء من صفته كثرة الغضب، فالغضبان عندهم لا رأي له.
قال معاوية لعمرو بن الأهتم أي الرجال أشجع؟ قال: من رد حلمه جهله، والحلم لا يكون إلا مع الغضب؛ وذلك لأنه لا يتجاوز محل الغضب، ولا يخرجه إلى المكروه من القول والفعل.
قال أكثم بن صيفي: دعامة العقل الحلم، وجماع الأمر الصبر.
وقال أبو مسعود كاتب الرضي: كنا في مجلس الرضي فشكا رجل من أخيه فأنشد الرضي:
اعذر أخاك على ذنوبه *** واستر وغض على عيوبه
واصبر على بهت السفيـ *** ـه وللزمان على خطوبه
ودع الجواب تفضلًا *** وكل الظلوم إلى حسيبه
واعلم بأن الحلم عند الـ *** غيظ أحسن من ركوبه
الحلم بالتحلم: عندما نفقه قاعدة أن الحلم بالتحلم نعلم أنه ارتقاء وتدريب للنفس على منح الآخرين صورًا للمعاني السامية التي تحمل في طياتها مجاهدة للمشاعر في قصد نبيل لتهذيبها، ومبتغي الإساءة الذي يحرص على إيذاء الناس ينال المقت والكراهية، إلا أنه في نفس الوقت هو في أمس الحاجة إلى الشفقة، فهو أكثر خسارة ممن أصابته الإساءة، كيف لا وقد كسب السخط في الدنيا وله في الآخرة ما هو أشد وأنكى؟ فإذا كان التعامل مع البهائم يقع ضمن حدود الرحمة فالإنسان أولى بذلك.
الشدة الحقة:
الرجل الشديد ليس هو الذي يصرع الرجال ويغلبهم بقوته، بل هو قوي الإرادة الذي يتحكم في قواه ويجريها في مجاري العقل، فيثبت عند الغضب ولا تستفزه توافه الأمور بأفعال كبيرة وانفعالات لا تستحقها؛ مصداق ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، والغضب لذات النفس ينبغي الانتباه له والتحرز منه، وأما الغضب لله -عز وجل- فهو حسن مبني على الإيمان، وهو مطلوب إذا انتهكت محارم الله، وارتكبت المعاصي، ومع ذلك فيجب أن يكون مقرونًا بالحكمة التي تدفع المعصية، وتزيل المنكر وتصلح حال مرتكبيها.
وهناك من الناس من غلب عليهم الغضب فتجدهم في هيجان دائم يصبغ وجوههم بالعبوس، فالتعامل مع أمثال هؤلاء يثير الانزعاج، ويعكر المزاج، ويحتاج إلى كظم الغيظ، والتجاوز عن الهفوات وعدم الإثارة والبعد عن المهاترات وتبادل السباب، فكم من تجاوزات معارك تتعدى إلى الأعراض والحرمات، وتنحط في الإنسانية إلى مستوى هابط، وما ذلك إلا لتسلط الغضب.
السماحة واللين: من صفات المؤمن اللين وسماحة النفس، ومن كانت نفسه سمحة وروحه حلوة ولسانه طيبًا نال احترام ومحبة الناس من حوله، وثقتهم، مع فوزه بدعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى سمحًا إذا قضى سمحًا إذا اقتضى,[3] وبشارة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين يقول: من كان سهلًا هينًا لينًا، حرمه الله على النار. [4]
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن أول ما عوض الحليم من حلمه أن الناس كلهم أعوانه على الجاهل.
وهذا الأحنف بن قيس يأخذ الأمر بمعناه الواسع العريض فيقول: وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال، ولحسن هذا الخلق وبهائه كان الحسن يقول: أفضل رداء الإنسان الحلم.
كلمات مضيئة في طريق السالكين:
«إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة؛ يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت؛ فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة».
«إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدؤوب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضوجها، ويقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه بحال، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصبح ثمرة، ويجني القطاف، فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين، إما النصر والسيادة، وإما النصر والسعادة».
«إن غايتنا تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر الحياة» ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة: 138) وإن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير الوضع العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم؛ حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها، والحرص عليها، والنزول على حكمها.
لقد قام هذا الدين بجهاد أسلافكم على دعائم قوية من الإيمان بالله، والزهادة في متعة الحياة الفانية، وإيثار دار الخلود، والتضحية بالدم والروح والمال في سبيل مناصرة الحق، وحب الموت في سبيل الله والسير في ذلك كله على هدي القرآن الكريم، فعلى هذه الدعائم القوية أسسوا نهضتكم، وأصلحوا نفوسكم، وركزوا دعوتكم، وقودوا الأمة إلى الخير، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، ولا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين.
الإمام حسن البنا
[1] حديث صحيح، صحيح سنن الترمذي، باب في التأني والعجلة، عن ابن عباس رقم الحديث ١٦٣٦
[2] صحيح البخاري، باب الحذر من الغضب
[3] حديث صحيح، صحيح الجامع الصغير عن جابر رقم ٣٤٩٥
[4] حديث صحيح، صحيح الجامع الصغير عن أب هريرة رقم ٦٤٨٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل