; المجتمع التربوي (1783) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1783)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 05-يناير-2008

مشاهدات 63

نشر في العدد 1783

نشر في الصفحة 48

السبت 05-يناير-2008

قراءة تربوية في كتابه: التبيان في آداب حملة القرآن

البعد التربوي في فكر الإمام النووي يرحمه الله (۱من ۳)

  • أول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله تعالى.
  • طلاقة الوجه والحرص على تعليمهم على النجباء والتعنيف اللطيف للمقصر المقتصر من أخلاق المعلم المثالي.

د. خير الدين خوجة([1])

لقد اهتم أئمتنا من السلف الصالح رضوان الله عليهم بشأن القرآن الكريم حفظاً وتعليماً وتفسيراً، كما أنهم اهتموا بذكر آداب طلبة العلم وحاملي القرآن اهتماماً كبيراً، فصنفوا في ذلك المصنفات تذكر منهم على سبيل المثال: الإمام العلامة أبو بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ هـ، فقد ألف كتاباً بعنوان: أخلاق حملة القرآن والإمام العلامة أبو زكريا بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦هـ أيضاً ألف كتاباً سماه التبيان في آداب حملة القرآن، والذي هو موضوع دراستنا، وغير هؤلاء كثيرون لا يسمح المقام بسرد أسمائهم.

ولقد استوقفني هذا الكتاب العظيم للإمام النووي كثيراً، وكان له الأثر البالغ في نفسي وفي تكوين فكري الشخصي. 

ولقد ساعد على نبوغ الإمام النووي في مجال التربية والتعليم، صحبته الطويلة للقرآن الكريم، يتضح ذلك بجلاء ووضوح لكل من طالع كتابه بإنعام وتدير وحول تأثير القرآن الكريم في فكر ونفوس قارتيه، يقول الشهيد سيد قطب: لقد كان هذا الكتاب مصدر المعرفة والتربية والتوجيه والتكوين الوحيد لجيل من البشر فريد.. جيل لم يتكرر بعد في تاريخ البشرية، لا من قبل ولا من بعد جيل الصحابة الكرام الذين أحدثوا في تاريخ البشرية ذلك الحدث الهائل العميق الممتد الذي لم يدرس حق دراسته حتى الآن. 

ولقد كان فضل الله علينا عظيماً إذ اختارنا لحمل رسالته إلى الناس وتربية الأجيال في هذه البقعة المباركة مدينة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام فقد كان لزاماً علينا أن نجلي بعض الحقائق والمعالم التربوية من تجربة ذلك الإمام الجليل من خلال هذا الكتاب.

ضوابط تربوية

إن الآداب والمعــــــــــالم التربوية المذكورة في ذلك الكتاب وإن كانت قد وضعت في الأصل للمـعلمين والمتعلمين في مجال حفظ القرآن الكريم وتدريسه إلا أنها يمكن أن تكون عامة وصالحة لكل العلوم والتخصصات ولكل المعلمين والمتعلمين والعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

إن كثيراً من المعلمين وإن كانوا يحملون ألقاباً أكاديمية عليا، إلا أنهم في أعمالهم ووظائفهم التربوية بعيدون كل البعد عن مراعاة تلك المثل والضوابط والمعالم الإنسانية التربوية والدينية والتي أشار إليها الإمام النووي في كتابه المذكور فترى منهم العابس والمقطب جبينه، والضارب والمعنف، والشاتم والحاسد لتلاميذه وطلابه وما كثرة الشكاوى الواردة من أولياء الأمور إلى المسؤولين في وزارة التربية والتعليم في حق هؤلاء المربين عنا ببعيد. 

وإن الكتاب الذي بين أيدينا سيكون بإذن الله تعالى نبراساً يضيء لنا الطريق لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً .

رضا الله تعالى

لنعش مع بعض فقرات هذا الكتاب القيم قال الإمام النووي رحمه الله: 

آداب معلم القرآن: أول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله تعالى عن الفضيل بن عياض قال: ترك العمل الأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وقال رسول الله r: «من تعلم علماً يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (أخرجه أبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وأحمد (8457) ) ثم تحدث الإمام النووي عن إخلاص المعلم للمتعلم، مبيناً بعض الهفوات التي يقع فيها كثير من المعلمين والأساتذة أو الشيوخ، ونحن نقتبس فقرات من كلامه.

هفوات المعلمين

إخلاص المعلم وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين وهي دلالة بيئة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم فإنه لو أراد الله بتعليمه، لما كره ذلك عن علي بن أبي طالب t رسالة أنه قال: يا حملة القرآن، أو قال: يا حملة العلم اعملوا به فإنما العلم من عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقًا يباهي بعضهم بعضاً حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى. 

ويستحب للمعلم أن يكون حريصاً على تعليمهم مؤثراً ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية، وأن يفرغ قلبه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلها وهي كثيرة معروفة، وأن يكون حريصًا علي تفهيمهم وأن يعطي كل إنسان منهم ما يليق به، فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار، ولا من يقصر لمن يحتمل الزيادة ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم، ويثني على من ظهرت نجابته ما لم يخش عليه فتنة بإعجاب ومن قصر عنقه تعنيفاً لطيفاً فيما لم يخش عليه  تنفيره، ولا يحسد أحداً منهم لبراعة تظهر منه فإن الحسد للأجانب حرام شديد التحريم، فكيف للمتعلم الذي هو بمنزلة الولد ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الثناء الجميل.

وينبغي أن يظهر لهم البشر وطلاقة الوجه ويتفقد أحوالهم ويسأل عمن غاب منهم قال العلماء y ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فقد قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبي أن يكون إلا لله .

حديثنا لا يزال عن أخلاق وصفات المعلم المثالي وفي المقال القادم بإذن الله تعالى سترى ماذا قال الإمام النووي عن الطريقة التي يجب على المعلم اتباعها مع المتعلمين في أثناء التدريس، كما أنه سيتطرق إلى بيان أهمية الأسوة الحسنة لدى المعلم، وهو يمارس عملية التربية والتعليم.

كيف تزيد خشوعك في الصلاة؟!

صالح التويجري

  1. الخشوع في القلب والقلب عضلة يمكن تمرينها لتكبر وتقوى، فلا تتوقع أن يأتيك الخشوع في يوم وليلة، وإنما يحتاج إلى تدريب مستمر.
  2. اذكر الله خلال اليوم في كل ساعة ولو دقيقة، فمن كان قلبه لاهياً عن الله طوال اليوم من الصعب أن ينتقل فجأة إلى الخشوع في الصلاة فذكر الله خلال اليوم من الممهدات للخشوع.
  3. توضأ لكل صلاة، وادع الله أن يطهر قلبك كما طهر بدنك، وأن يرزقك قلباً خاشعاً.
  4. ضع أجود أنواع المسك أو العود بعد الوضوء فالرائحة الطيبة تساعد على الخشوع.
  5. اذهب إلى المسجد بعد الأذان مباشرة والأفضل أن تكون في المسجد وقت الأذان بالنسبة للنساء، فالمطلوب الصلاة في وقتها بدون تأخير وحبذا لو خصصت المرأة لنفسها ركناً في البيت تجعله لعبادتها. 
  6. إذا خلعت نعلك وتلوت دعاء دخول المسجد، تصور أنك خلعت الدنيا من قلبك.
  7. صل ركعتين قبل الفريضة وادع الله في السجود أن يجعل قرة عينك في الصلاة. 
  8. عند الإقامة ردد مع المؤذن ثم ادع الله أن يحسن وقوفك بين يديه.
  9. عند التكبير تصور أنك ترمي الدنيا وما فيها خلف ظهرك، فقد تكون آخر صلاة في حياتك.
  10. بطئ السرعة إلى نصف ما اعتدت عليه سواء في القراءة أو في حركة الركوع والسجود فخشوع الجسد يساعد على خشوع القلب.
  11. عند السجود، تذكر ارتباطك بالأرض فمنها خلقت وإليها ستعود.
  12. بعد الصلاة استغفر الله ثلاثاً الأولى لتقصيرك في أداء الصلاة كما يجب والثانية لتقصيرك عن حمد الله أن أذن لك أن تصلي بين يديه والثالثة لذنوبك أجمعين.

أؤكد لك إن واظبت على جميع النقاط أعلاه فستجد فرقاً كبيراً في صلاتك خلال أسبوع أو أقل إن شاء الله.

([1])أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد.

توفيق علي

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام:123).

تتعرض الفئة المؤمنة التي وقع عليها إختيار الله للنهوض بالأمة والصعود بها إلى مرتقى الحضارة والتقدم لمكر شديد وصفه رب العالمين: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ (نوح:22)، لكن الله Uطمأن الفئة المؤمنة بأنه محيط بمكر الماكرين ومفسده ومحبطه، ووصاهم سبحانه وتعالى بالصبر، وعدم الضيق؛ لأنه لا يصيبهم من مكر الماكرين شيء إلا بإذنه، لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، والعاقبة لهم بإذن الله.

مكر رب الأرض والسماء ومكر العظماء  (۱ من ۳)

  • الله سبحانه يطمئن أولياءه أن كيد أكابر المجرمين مهما إستطال لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف

المكر في اللغة: الاحتيال والخديعة ([1]).

المكر في الاصطلاح: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وهو ضربان؛

مكر محمود: وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل.

ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح.

حقيقة المكر: فعل يقصد به ضر أحد في هيئة تخفي أو هيئة يحسبها منفعة ([2]).

مكر الله عز وجل

مكر الله إستدراجه لعباده من حيث لا يعلمون، قال ابن عباس: كلما أحدثوا خطيئة جدد الله لهم نعمة ([3]).

وقال بعضهم: من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال علي بن أبي طالب مرة: «من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله» ([4])

الله سبحانه خير الماكرين قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(آل عمران:54) ومعنى خير الماكرين: أي أقواهم عند إرادة مقابلة مكرهم بخذلانه إياهم ([5]).

الله أسرع مكراً

قال تعالي: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾  (يونس:21) 

﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾، أي أشد استدراجاً وإمهالاً حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب، وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه ما يفعله ويحضونه عليه، ثم يعرضونه جميع على عالم الغيب والشهادة، فيجازيه على الجليل والحقير والنقير والقطمير ([6])

فالله أقدر على التدبير وإبطال ما يمكرون ومكرهم مكشوف لديه ومعروف والمكر المكشوف إبطاله مضمون

لله المكر جميعاً

قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد:42)

 فلله أسباب المكر جميعاً وبيده وإليه لا يضر مكر من مكر منهم أحداً إلا من أراد ضره به فلم يضر الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يضره ذلك، وإنما ضروا به أنفسهم لأنهم أسخطوا ربهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم ونجى رسله([7]).

إحاطة الله بالماكرين

قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (الرعد: ٤٦) أي هو عالم بذلك فيجازيهم. 

﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾(الرعد: ٤٦) أي كان مكراً عظيماً تزول منه الجبال ولكن الله حفظ رسوله والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء([8]).

إن الله محيط بهم ويمكرهم، وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال، أثقل شيء وأصلب شيء وأبعد شيء عن تصور التحرك والزوال، فإن مكرهم هذا ليس مجهولاً وليس خافياً وليس بعيداً عن متناول القدرة بل إنه الحاضر عند الله يفعل به كيفما يشاء، فما لهذا المكر من أثر وما يعوق تحقيق وعد الله لرسله بالنصر وأخذ الماكرين أخذ عزيز مقتدر.

 لا يدع الظالم يفلت، ولا يدع الماكر ينجو وكلمة الإنتقام هنا تلقي الظل المناسب للظلم والمكر، فالظالم الماكر يستحق الإنتقام، وهو بالقياس إلى الله تعالى يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم وجزاء مكرهم تحقيقاً لعدل الله في الجزاء وسيكون ذلك لا محالة([9]).

 قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل:50) 

كذلك دبروا وكذلك مكروا ولكن الله كان بالمرصاد يراهم ولا يرونه، ويعلم تدبيرهم ويطلع على مكرهم وهم لا يشعرون.

وأين مكر من مكر؟ وأين تدبير من تدبير؟ وأين قوة من قوة ؟! وكم ذا يخطئ الجبارون وينخدعون بما يملكون من قوة ومن حيلة! ويغفلون عن العين التي ترى ولا تغفل، والقوة التي تملك الأمر كله وتباغتهم من حيث لا يشعرون([10])

خوف المؤمنين من مكر الله

قال إبن القيم يرحمه الله:  وأما خوف أوليائه من مكره فحق، فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيروا إلى الشقاء، فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لرحمته.

والذي يخافه العارفون بالله من مكره:

- أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل  منهم نوع اغترار، فيأنسوا بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة.

  • أن يغفلوا عنه وينسوا ذكره فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته، فيسرع إليهم البلاء والفتنة، فيكون مكره بهم تخليه عنهم.
  • أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون.
  • أن يمتحتهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر ([11])

مكر الرؤساء والعظماء سنة جارية

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ( الأنعام:123).

عن ابن عباس: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ قال: سلطنا شرارهم فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام:١٢٣) أي وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم([12]).

 قال مجاهد: يريد العظماء، وقيل: الرؤساء والعظماء، وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد.

والمكر: الحيلة في مخالفة الاستقامة وأصله الفتل، فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها([13]).

 إنها سنة جارية أن ينتدب في كل قرية وهي المدينة الكبيرة والعاصمة نفر من أكابر المجرمين فيها يقفون موقف العداء من دين الله، ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس، ومن الربوبية التي يستعيدون بها الناس، ومن الحاكمية التي يستذلون بها الرقاب ورد هذا كله إلى الله وحده رب الناس ملك الناس إله الناس.

إنها سنة من أصل الفطرة: أن يرسل الله رسله بالحق، بهذا الحق الذي يجرد مدعي الألوهية من الألوهية والربوبية والحاكمية، فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله، ثم يمكرون مكرهم في القرى، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ويتعاونون مع شياطين الجن في المعركة مع الحق والهدى، وفي نشر الباطل والضلال، واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي.

 إنها سنة جارية ومعركة محتومة، لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل بين القاعدة الأولى في دين الله وهي رد الحاكمية كلها لله وبين أطماع المجرمين في القرى، بل بين وجودهم أصلًا.

 معركة لا مفر للنبي أن يخوضها، فهو لا يملك أن يتقيها ولا مفر للمؤمنين بالنبي أن يخوضوها وأن يمضوا إلى النهاية فيها، والله سبحانه يطمئن أولياءه أن كيد أكابر المجرمين مهما ضخم وإستطال لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليهم فيها وهو حسبهم، وهو يرد على الكائدين كيدهم: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام:۱۲۳) فليطمئن المؤمنون! ([14])

 وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ (نوح:22)

قال مجاهد: كباراً أي عظيماً ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾: أي بإتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى ([15])

 فهؤلاء القادة مكروا مكراً متناهياً في الكبر:

  • مكروا لإبطال الدعوة، وإغلاق الطريق في وجهها إلى قلوب الناس.
  • ومكروا لتزيين الكفر والضلال والجاهلية التي تخبط فيها القوم([16]).

([1])  مختار الصحاح (1/642).

([2]) تفسير التحرير والتنوير ص 1598.

([3]) تفسير القرطبي (٤/ ٩٩).

([4]) مفردات القرآن، ص ۱۳۸۰.

([5]) تفسير التحرير والتنوير ص ٧٥٨ . 

([6] ) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٤٢). 

([7]) تفسير الطبري (7/408). 

([8]) تفسير القرطبي (٣٢٤/٩) .

([9]) في ظلال القرآن (4/2113).

([10]) في ظلال القرآن ( 4/2646). 

([11]) الفوائد. ص 164.

([12]) تفسیر ابن کثیر (۲/۲۳۲).

([13]) تفسير القرطبي (۷/71).

([14]) في ظلال القرآن (۱۲۰۲/).

([15]) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٤١).

([16]) في ظلال القرآن (6/3716). 

الرابط المختصر :