العنوان المجتمع التربوي (1876)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 07-نوفمبر-2009
مشاهدات 64
نشر في العدد 1876
نشر في الصفحة 52
السبت 07-نوفمبر-2009
معان تربوية في أسماء السور القرآنية.. (٥)
نوح ومحمد
بقلم: أ. د. محمد بديع[1]
«نوح» عبرة وعظة لأولي الألباب للإيمان بالغيب والأخذ بالأسباب والتوكل على رب الأسباب
«محمد» وأسماء كل سور القرآن الخاصة بالنبي كالمدثر والمزمل والبيئة توجيه رباني بقدر ومكانة الرسول صلى الله عليه وسلم
هذه خواطر ملكت علي نفسي في ظروف صعبة وساخنة قال عنها الأستاذ سيد قطب يرحمه الله: «إن هذا القرآن نزل في جو ساخن ولا يفهم إلا في مثل هذا الجو الساخن الذي نزل فيه».
مازلنا نعيش مع أسماء سور القرآن الكريم كعناوين لدروس تربوية لابد من تدبرها والانتفاع بها في واقع الأمة، ونكمل الحديث عن أسماء سور الأنبياء والمرسلين، وبعدها نتعرض لقدر رسول الله ﷺ عند ربه.
سورة «نوح»
قصة سيدنا نوح عليه السلام رويت في القرآن في أماكن كثيرة وسور عديدة ولكن لكي يكون هناك ارتباط خاص لهذه الأمة بالظروف التي مر بها سيدنا نوح وصحبه الكرام رضوان الله عليهم رغم قلتهم على مدى ألف عام إلا قليلًا، هذه العلاقة الخاصة مروية في سورة الحاقة ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ () لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (الحاقة:11-12).
هذا فقط ما ذكر ليس رواية لقصة سيدنا نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكن فقط ذكرت العبرة التي يجب علينا استخلاصها، فكيف تكون آذاننا واعية؟ وكيف تكون لنا تذكرة؟ وما أوجه الشبه؟ إن بناء السفينة في صحراء قاحلة ومنطقة جبلية أمر يدعو إلى العجب والسخرية مما يدفع الميئسين والمقنطين لتخذيلنا وبث روح اليأس فينا أولًا لطول المدة والفائدة الضعيفة، وإن الواقع الذي يضغط على الجميع يؤكد أنه لا يوجد احتمال وجود ماء أصلا، فضلًا عن ماء يكفي لتعويم السفينة التي تعب المؤمنون في صنعها، بل أتقنوا صنعها ابتغاء مرضاة الله رغم أنه لا يوجد أي احتمال معقول واقعي للنجاة فيها وبها ولكن الإيمان بالغيب والأخذ بالأسباب ثم التوكل على رب الأسباب هو الدرس والعبرة يا أولي الألباب.
فلا نشغل أنفسنا بما ضمن الله عز وجل لنا عما طلبه الله عز وجل منا، ولنجب على هذه الأسئلة: ما أثر تهاون فرد واحد من صحابة سيدنا نوح أثناء صناعة السفينة؟ ما الحال لو علم الكفار أن هناك ماءً سيأتي أو أخبر الله عباده الصالحين بموعده وكيفية نزول الماء؟ وماذا كانوا سيصنعون بالسفينة؟ ماذا لو جاء طوفان الماء ولم يكمل أتباع سيدنا نوح صناعة السفينة؟ أليس إخفاء الماء رحمة بالصالحين الذين يستعجلون نزوله، ولا يدركون الحكمة من وراء تأجيله وإخفائه؟ ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود:38)، أليس نجاة المؤمنين وإهلاك الكافرين بالأمر الإلهي وبوسيلة واحدة هي الماء للنجاة والماء للإغراق؟! ﴿... إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾ (الأعراف: 155)، اسمع الأمر الإلهي بأذن واعية ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ (هود: 40)، ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ () وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ () وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (القمر:11-13)، هذا مدح السفينة أتقنها صانعوها رغم عظم الشك في إمكانية استعمالها، بل وكيفية استعمالها ثم أصغ السمع ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (القمر: 14)، أصغ قبلها ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود: 37)، ألا ينتابك شعور غريب بالمعية الإلهية الرحيمة في كل حال؟ أليس هذا هو اليقين الذي عبر عنه سيدنا نوح﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ (هود: 41)، وخاصة الاهتمام والعناية بكل المخلوقات والبشر الذين على ظهرها أما الخوف من مرساها فمع سيدنا نوح عليه السلام كل الحق، فلم تعد هناك يابسة يمكن أن ترسو عليها السفينة فكيف يتصرفون؟ إن الذي أجراها هو الذي سيرسيها.
إن الذي قال: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ (القمر:11) ، هو الذي أمروَيَا ﴿... سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ (هود: 44)، إن الذي قال: ﴿وَفَجَرْنَا الأَرْضَ عُيونا﴾ هو الذي أمر: ﴿ ... يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ (هود: 44)، وهنا وقفة لطيفة تجلي عظمة رحمة الله، فلو أن الأرض ابتلعت الماء فجأة لتحطمت السفينة، وهلك كل من وما عليها، ولكن الرحمة واللطف تتجليان في اللفظة القرآنية ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ( هود: 44 )، تناقص بشكل يؤدي إلى رسو السفينة ونجاة كل من وما عليها ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود:44)، ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ () ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ () كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ (المرسلات:16-18).
سورة «محمد»
هذه السورة وكل القرآن نزل على قلب المصطفى عليه الصلاة والسلام من الروح الأمين، علمه بأمر رب العزة وحفظه كلام رب العالمين، فكان القرآن روحا حمله الروح الأمين وامتزج بقلب الحبيب وليس يسمعه: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ () عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ (الشعراء:193) وهو ﷺ النور ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة:15)، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب:46).
فالروح والنور يمتزجان في القرآن ومع القرآن، فحاول أن يكون لك نصيب من هذا النور والروحانيات الشافية لروحك، وكونوا كما قال الأستاذ البنا يرحمه الله: «أنتم روح جديدة تجري في جسد هذه الأمة لتحييها بالقرآن من جديد»، رغم هذا التكرار إلا أن ذكر رسول الله ﷺ في القرآن كان كثيرًا جدًا تشريفًا له وتكريمًا، فأسماء سور القرآن الخاصة به ﷺ كـ «المدثر»، و«المزمل» و«البينة» صفات له ﷺ تعتبر تكريمًا لرسول الله ﷺ، ومعجزات خاصة مثل الفتح والشرح والكوثر والحجرات، أما الحديث مع رسول الله ﷺ ففيه تجليات إلهية لم تحدث مع بشر من قبل ﴿لَعَمْرُكَ﴾ (الحجر: 72)، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر:3)، ﴿... وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67).
مقام محمد ﷺ في القرآن الكريم
لاشك أن النبي ﷺ له مكانة في القرآن تجعل المسلمين يخجلون أمامها، فإذا كان هذا قدره عند المولى عز وجل وهذه مكانته بين الأنبياء والمرسلين بل وبين الملائكة المقربين فما بالنا نحن نجعل حبه عاطفة جوفاء ليست حقيقة، فلو كانت حقيقة
وعميقة لأنتجت أثرًا واضحًا في حياتنا من حرص على سنته واتباع ملته بينما هو يقول عنه ربه عز وجل حكاية عن علاقته بنا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:128)، فهل بادلناه حبا بحب وحرصا بحرص؟ أعتقد لا، فهل تدرون ما السبب؟ إنه ضعف حبنا لله عز وجل ينبثق عنه ضعف، وعدم قدرنا لله حق قدره ينتج عنه خلل في كل الموازين، لقد قال رسول الله ﷺ تأصيلًا لهذه العاطفة وإنتاجا لآثارها: «أحبوا الله لما يغذوكم به من النعمة وأحبوني بحب الله»، نعم ليدوم ويثمر لا بد أن يكون له دافع قوي ومؤثر ومنتج وردا لبعض ما لله علينا من حقوق، ولقد عرف رسول الله ﷺ قدر حب الله وعرفنا مقدار شفقته بنا.
فقد روي أنه ﷺ ظل يدعو ربه حرصًا وشفقة يقول: «يا رب أمتي أمتي» فأرسل الله عز وجل له جبريل عليه السلام يقول له: «يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: قل إن شئت جعلنا أمر أمتك إليك فقال له الرسول الشفوق على أمته العالم بربه: «لا يا رب أنت أرحم بهم مني».
شواهد على مكانته ﷺ في القرآن
الرسول ﷺ هو المخاطب بكل القرآن، والشرف له كل الشرف أن يدوم هذا الخطاب ولا يفنى حتى بعد وفاته، والنداء في سور القرآن للحبيب المصطفى كان دائما ب «يا أيها النبي يا أيها الرسول يا أيها المزمل يا أيها المدثر»، بل قسمًا منسوبًا إليه «فلا وربك لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد» وكلمات الود الإلهي الجميلة وآيات المواساة والحنان والعطاء والثناء الإلهي ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ﴾ (النساء: 65)، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1)، ﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ () مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ () وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ() وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:1-4)، ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ () مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ () وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ (النجم:1-3)، ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر:3)، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد:1). ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ ( التوبة: 43)، ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ ( الكهف:6)، ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ ﴿ وَالضُّحَىٰ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ (الضحى:1-3)، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ( الشرح:1) ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (الإسراء: 1).
وأعطاه سورة فيها منحة ربانية، إنها سورة «الكوثر»، والعطاء الرباني بالفعل الماضي يفيد الثبوت، فقد تم منذ الأزل أن أعطى الله عز وجل لحبيبه ﷺ «الكوثر» وسورة «الفتح» إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (الفتح:1)، ثم اصطحاب الآيات لرسول الله ﷺ ليطلعه وما فعل الله بها وقصص الأنبياء﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ (يوسف:3). وله أكثر من سورة باسمه خاصة ﷺ، منها سور «محمد، والمدثر، والمزمل».
[1] ينشر بالترتيب مع موقع إخوان أون لاين
يوم في الحرم (۱ من ۲)
أصوات مشايخ الحرم تأسر القلوب في بوتقة السمو الروحي فتشرق النفوس بنور الآيات في السعي والطواف
أفواج قادمة من كل مكان تلهج بأدعية كثيرة متنوعة إلى رب قادر يسمعهم ويبصرهم فيعطي الجميع من خزائن لا تنضب
قصة امرأة في الثلاثين من عمرها ترفض مغادرة الحرم.. وقصة امرأة عراقية مكلومة بالحرب
دخلنا ونحن نبتهل إلى المولى جل وعلا أن يزيد البيت تشريفًا وتعظيمًا، وبدأنا من حيث بدأ المؤمنون من الحجر الأسود، وبدأ الطواف... الكل ينادي المولى ويرجوه سبحانه، تتغير وتمر الأفواج تلو الأفواج وجميع الألسن تلهج بالأدعية فيعطي سبحانه، ولا تنضب خزائنه ولا تنقص.
سمية رمضان[1]
أرهفنا السمع قليلًا للمضطرين المبتهلين المتوسلين فها هو شاب يطلب من الله الإعفاف والزواج، ومن ورائه شابة تتوسل إلى الرحمن ببكاء وذل وخشوع أن يهبها الذرية ولو بنتًا واحدة، وبجوارها امرأة تسأله سبحانه الولد، فعندها من البنات أربع، ورجل مسن يسأله الصحة والمال وآخر تحركه عصاه ولا يردد سوى لا إله إلا الله، فيخرج من حوله من الغفلة عن الذكر، فمتطلبات الدنيا قد احتوت دعاءهم ومجموعة وراء قائدهم يرددون ما يدعو به ويتحركون بعجلة لا يكادون يستوعبون ما يقول، وآخر يحرك القلوب المتحجرة من بكائه لله حتى يرفع عنه المرض العضال.
أدعية مختلفة متنوعة لإله قادر يسمع الجميع ويبصرهم، ولا يخشى أي من عبيده أو إمائه أن يشوش على دعائه أدعية الآخرين فالكل يعلم أن الله سميع واسع عليم، أقرب لكل منهم من حبل الوريد، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14).
والمسلم يسلم دومًا أموره إلى المولى ويردها إليه بيقين وثقة، فهو سبحانه الأمر الناهي، لهذا نجد في حياتنا المعتادة أننا بأوامره سبحانه نحاول منع الاختلاط في الحفلات وفي الأعراس وحتى في الزيارات ونجد المرأة المنقبة تتباهى بنقابها، أما عند الطواف فإننا نجد الرجال مع النساء في أعلى درجات المساواة في العبادة لله سبحانه ونرى المنقبة تخلع نقابها طاعة لخالقها وهي تطوف حول البيت، ويراها الرجال في موطن قد سمح الله فيه بذلك، فهي لا تطيع سواه أمر عجيب حقًا أن المرأة تصلي عند المقام بالرغم من الزحام والاختلاط بالرجال ولكن الذكر والأنثى سواسية عند خالقهم في العبادة والثواب العمل الصالح له نفس الأجر بصرف النظر من قام به من ذكر أو أنثى، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97).
والحمد لله فتمييز الأعمال بين الجنسين فقط في الحياة الدنيا والآخرة عند الجميع خير وأبقى، والأعجب في الأمر أن المسلمين غير المعتادين على الاختلاط بين الجنسين في أمور حياتهم العادية يسيرون في الطواف بجانب بعضهم بعضا بلا حرج ولا تكبر، فكل منهم مشغول بمناجاة الله، ورحم الله علي بن أبي طالب: «لو كان الدين بالرأي لكان المسح أسفل الخف أولى من ظاهره»، فيقينا الطاعة هي الفيصل بدون أسباب ولا مسببات.
مهمة العسكر الحقيقية
ويشعر المرء في الحرم بالأمان والطمأنينة، ونجد العسكر يؤدون مهمتهم الحقيقية، وهي مساعدة الناس وتنظيم كل شيء ليكون الأمر أكثر يسرًا وسهولة، ننظر إلى لباسهم العسكري وقد ارتاحت العين إلى مراه، فهم يقفون صفا لمد يد العون وليس للزجر والردع أو الاعتداء، كما اعتدنا في الكثير من البلاد، نجدهم شبابًا في مقتبل العمر الابتسامة على ثغور الكثير منهم، وقد أعانهم الله على تنظيم خروج مئات الألوف من المصلين بعد كل فرض بيسر وسهولة، كما نلاحظ أن المصلين يستمعون إلى أوامرهم بهمة ونشاط وطاعة، فهم يشعرون أن ذلك لصالحهم، ومن أجل تيسير أمورهم، وليت العسكر في كل مكان يشعرون الناس أنهم معهم وليسوا عليهم حتى لا نجد تلك الاضطرابات والمظاهرات والشغب والضيق الذي يكتم على الأنفاس، حتى أصبحت العين لا ترتاح لمرأى الزي العسكري.
خفقات القلوب
أما عند الصلاة فنجد المصلين بأنفسهم ينظمون صفوفهم بدقة ما وسعهم ذلك، يركعون معًا ويسجدون معًا، في أروع منظر يمكن أن تقع عليه عين ناظر، وأثناء الفروض يتوقف كل شيء: الطواف والسعي، وقد أرهفت الأسماع للقرآن وأشرقت القلوب بنور الآيات، وكلما استمعنا إلى شيخ من شيوخ الحرم يأسر الإنسان في بوتقة من الجمال والرقي، وتتفتح أزهار قلوبنا عند سماع الشيخ «السديس»، أو الشيخ «ماهر المعيقلي»، أو الشيوخ الآخرين فكل منهم بحق أستاذ الجميع في عرض الآيات وحسن تلاوتها، وتدرج الصوت مع معنى الآية فتخشع القلوب وتنجذب لخشوعها كل جوارح الجسد التي تترقب خفقات القلوب فتنزوي خاشعة، ليحتويها القلب في تذلله إلى الله فتنفرج أساريره، لتستقبل رحمة المولى جل وعلا..
أمر رائع فالكل متجه إلى مولى واحد وإله عظيم، فلم لا تنجذب هذه القلوب إلى بعضها بعضًا، إن هذا ما يحدث فعلًا.. المصلون يقتسمون طعام الإفطار، ويتسابقون في سقي مياه زمزم لبعضهم بعضًا، ويتعارفون ويتجاذبون أطراف الحديث.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13).
وبدأت بعض الحكايات تنساب من بين الشفاه لعلنا نلتمس فيها العبرة والفائدة.
سعادة لا يراها الآخرون
امرأة في الثلاثين من عمرها لا تريد أن تغادر الحرم، فهي من صلاة المغرب تمكث حتى بعد شروق اليوم التالي، فاقتربنا منها لنسمع حكايتها، فهي أم لست بنات ولكنها تحمد الله عليهن كثيرا، وتقول: إن كل أخوة زوجي عندهم أولاد إلا أنا، وكثير من الناس ينظرون إلي وزوجي بشفقة، ووالدتي تعتصر ألمًا كلما أنجبت أنثى، ولكن ما لا يعلمه الآخرون أن عطايا الله سبحانه أحدها مرئي، والآخر لا يراه إلا من استشعره فإن الله سبحانه قد حباني حب القرآن فدرسته وحفظته وقمت به مع زوجي ومع بناتي وجيراني وأهلي وزوجي بفضل الله حبب في الصلاة في المسجد فكل صلواته جماعة، وقد حباه الله بالرزق الوفير فينفق منه في طاعة الله، ويصل به الرحم، وبناتنا كالشمعات المضيئة في حياتنا، فهن طائعات متحببات لنا، وقد أكرمني سبحانه بالعمرة ولم يكرم من حولي من أهله وأهلي، ونشعر بسعادة لا يراها الآخرون، ولكننا قد غمسنا فيها برحمة المولى سبحانه.
أمر جميل أن يبحث الإنسان عن مواطن سعادته، ويؤكدها ويذكرها، فتزيد وتربو فتنقشع مواطن التعاسة والألم.
حسبي الله ونعم الوكيل!
وكانت رؤيتنا لسيدة عراقية فرصة اغتنمناها لنعرف المزيد عن هذا البلد المقطوع أواصره، حيث روت لنا بعض ما يحدث كشاهد عيان، فهي تقول: إن الحرب الأخيرة قد فصلت الزوجة عن زوجها والخال عن ابن أخته، والعم عن ابن أخيه وأصبحت الأسرة منقسمة على نفسها، فما بالنا بالبلد بعد ذلك.
لقد كان الشعب كله يعيش في سلام وكان بينهم أنساب وأولاد، وليس هناك أدنى تفرقة بينهم، وفجأة احتضن الجميع حقد الشيطان فمالوا إليه، وأطلت الفتنة واشرأبت الطائفية، ودبت الفرقة بين المسلمين، فالزوج طلق زوجته وأخذ منها أولادها، وكانت جريرتها أنها من طائفة أخرى، وبالطبع بدأت الطائفة الأخرى تفعل مثل ذلك، ودارت رحى الدمار والإفساد.
فتروي عن شاب عندهم اختطفه الفريق الآخر، وطلبوا فدية كبيرة جمعها ذووه وأعطوها لخاطفيه، فإذا بهم يجدون ابنهم أمام المنزل جثة هامدة.
وهذا بخلاف مجموعة من الشباب قتلوا وتركوا على رؤوس الجبال تنهش أجسادهم الحيوانات الضارية والطيور الجارحة، ولا يجرؤ أحد من أهلهم على دفنهم.
تقول السيدة المكلومة: إنها أخذت أولادها وهربت وتركت منزلها بكل ما فيه، فاستولت عليه عناصر الطائفة الأخرى غنيمة لهم فاتجهت إلى الأردن ثم إلى مصر فوجدت من يرحب بها ويحاول أن يضمد جراحها ومنحها وأولادها الاستقرار.
«حسبي الله ونعم الوكيل»! رددتها السيدة فارتجفت منها أبداننا، وتقول: المصلحة من تشرذم أهل العراق في كل مكان؟ إن ما يحدث إبادة منظمة للطائفة التي أنتمي إليها، ولكن الأيام دول، وإن غدا لناظره قريب وانشغلت المرأة بالتسبيح والذكر ونحن ندعو المولى بالفرج.
[1] أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية