العنوان المجتمع التربوي (2051)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2013
مشاهدات 105
نشر في العدد 2051
نشر في الصفحة 48
السبت 04-مايو-2013
تأملات في سورة غافر
فرعون يبحث عن إله موسى
د. نور الله كورت
- فرعون أوهم الناس أنه يختبر ما جاء به موسى من التوحيد فإن نجح تحقق غرضه وإن خاب ثبتهم على دينهم.. فأمر هامان ببناء الصرح.
- هل كان فرعون من «المشبهة» حين طلب الصعود للسماء للاطلاع على رب موسى؟
﴿وقّالّ فٌرًعّوًنٍ يّا هّامّانٍ ابًنٌ لٌي صّرًحْا لَّعّلَي أّبًلٍغٍ الأّسًبّابّ (36) أّسًبّابّ السَّمّوّاتٌ فّأّطَّلٌعّ إلّى إلّهٌ مٍوسّى إنَي لأّظٍنَهٍ كّاذٌبْا كّذّلٌكّ زٍيَنّ لٌفٌرًعّوًنّ سٍوءٍ عّمّلٌهٌ صٍدَّ عّنٌ السَّبٌيلٌ مّا كّيًدٍ فٌرًعّوًنّ إلاَّ فٌي تّبّابُ (37)﴾ (غافر).
بعد وصف فرعون بأنه متكبر جبار، أخبر الله تعالى عن عتوه وتمرده وافترائه في تكذيب موسى عليه السلام، حتى بلغ به الأمر أن أمر وزيره ببناء قصر عال شاهق من الآجر، ليصعد به إلى السماء، للاطلاع على إله موسى؛ قاصداً بذلك التحدي والتمويه، والاستهزاء بموسى وإنكار رسالته.
في هذه الآيات نجد فرعون الطاغي الذي امتلأ حقداً على موسى ودعوته، يحاول أن يكذب موسى في دعوته إلى الإقرار برب العالمين، والتسليم له: يا هامان ابن لي بناء عظيماً، لعلي أبلغ أسباب السماوات وأبوابها، فأنظر إلى إله موسى بنفسي، حيث إني أظن موسى كاذباً في دعواه أن لنا رباً، وأنه فوق السماوات.
وهكذا زين لفرعون عمله السيئ فرآه حسناً، وصد عن سبيل الحق، فتمادى في الغي، واستمر في الطغيان، وزين له الشيطان عمله السيئ، فصده عن سبيل الهدى والرشاد، وحجبه عن طريق الحق والعدل والسداد، وما كان كيده واحتياله وعمله الذي يوهم به الناس إلا في خسار وضياع مال، لذهاب نفقته سدى دون التوصل إلى شيء مما أراد.
ما يستنبط من الآيات:
-1- تدل الآيات على نوع من المكر والخداع الذي لجأ إليه فرعون، لإنكار ألوهية الله ووجوده، وتكذيب رسالة موسى عليه السلام، لما خاف أن يتمكن كلام الرجل المؤمن في قلوب القوم، وقد أدرك قوة حجته، وأصالة فكره، وسلامة منطقه.
-2- أوهم الناس أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن نجح تحقق غرضه، وإن خاب ثبتهم على دينهم، فأمر هامان ببناء الصرح، ونحن نثق بوجود هذا الوزير في عهد فرعون، وإن لم يعرف هذا الاسم في تاريخ الفراعنة، لأن كلام الله تعالى حجة قطعية.
وأغلب المفسرين الظاهرين على أن ي فرعون فعلاً قصد بناء الصرح ليصعد إلى السماء، فيرى إله موسى إن كان موجوداً، وإلا أخبر قومه بعدم وجوده، وأنه هو الإله والرب الأعلى، واستبعد الرازي على فرعون الحاكم القوي لجوءه إلى مثل ذلك، لأن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي، والراجح أن فرعون كان من الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة تشغل الناس في نفي الإله الخالق الصانع، وكأنه يقول: لو كان إله موسى موجوداً لكان له محل، ومحله إما الأرض وإما السماء، وإذ لم نره في الأرض، فهو في السماء، والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلم، فيجب بناء صرح للوصول إليه.
وأبطل الرازي هذه الشبهة، لأن طريق العلم بالأشياء ثلاثة: الحس، الخبر، والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد هو الحس، انتفاء المطلوب، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بين لفرعون أن الطريق إلى معرفته تعالى إنما هو الحجة والدليل، كما قال: ﴿رّبَكٍمً ورّبَ آبّائٌكٍمٍ الأّوَّلٌينّ﴾ (الشعراء: 26)، وقوله تعالى: ﴿رّبَ المّشًرٌقٌ والمغًرٌبٌ﴾ (الشعراء: 28)، إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل (1).
ولقد توهم فرعون أن الله في السماء، فهذا دين «المشبهة »، ولعله كان على دينهم، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه، لا لأجل أنه قد سمعه من موسى عليه السلام، وربما فهم خطأ من قول موسى عليه السلام: «رب السماوات والأرض »، أنه رب السموات بمعنى كونه فيها، كما يقال: رب الدار، بمعنى كونه ساكناً فيها، وأما عقيدتنا فهي كما أخبر الله تعالى: ﴿وهٍوّ الذٌي فٌي السَّمّاءٌ إلّهِ وفٌي الأّرًضٌ إلّهِ هٍوّ الحّكٌيمٍ العّلٌيمٍ﴾ (الزخرف.: 84)
-3 ويتلخص أمر فرعون في أن الشيطان زين له عمله وهو الشرك والتكذيب، فصده عن سبيل الحق والرشاد، وأصبح كيده واحتياله في دمار وخسران وضلال (2).
الهامشان
(1) الرازي، التفسير الكبير، 27 / 65 – 66.
(2) وهبة الزحيلي، التفسير المنير، 24 /124.
من كنوز العلم
الحافظ الهيثمي.. ومنهجه في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد
حيات محمد
اسمه وكنيته ونسبه: علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صلح نور الدين أبو الحسن الهيثمي القاهري الشافعي الحافظ ويعرف بالهيثمي.
مولده: ولد في رجب عام 735 ه/ 1335 م.
نشأته: نشأ فقرأ القرآن ثم صحب الزين العراقي ولم يفارقه سفراً وحضراً حتى مات، بحيث حج معه جميع حجاته ورحل معه سائر رحلاته ورافقه في جميع مسموعه، ولم يكن الزين يعتمد في شيء من أموره إلا عليه حتى أنه أرسله مع ولده الولي لما ارتحل بنفسه إلى دمشق، وزوجه ابنته خديجة ورزق منها عدة أولاد، كتب الكثير من تصانيف الشيخ بل قرأ عليه أكثرها، وتخرج به في الحديث بل درّبه في إفراد زوائد كتب، كالمعاجم الثلاثة للطبراني والمسانيد لأحمد والبزّار وأبي يعلى على الكتب الستة، وابتدأ أوّلاً بزوائد أحمد فجاء في مجلدين وكلّ واحد من الخمسة في تصنيف مستقلّ إلا الطبراني الأوسط والصغير فهما في تصنيف، ثمّ جمع الجميع في كتاب واحد محذوف الأسانيد سمّاه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
له كتب أخرى في الزوائد سيأتي ذكرها تحت العنوان «مؤلّفات الهيثمي» رحته العلمية: رحلاته مع الزّين العراقي سائر رحلاته ورافقه في جميع مسموعه بمصر، والقاهرة، والحرمين وبيت المقدس، ودمشق، وبعلبك، وحلب، وحماة، وحمص، وطرابلس، وغيرها.
شيوخه: تتلمذ الحافظ الهيثمي في الحديث على كبار مشايخ عصره، وكان شيوخه الأئمة في الحديث، ومن أهم شيوخه:
-1- قاضى القضاة بدر الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن الخشاب.
-2- أحمد بن محمد بن الحسن الرصدي.
-3- أحمد بن عبدالرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود المرداوي.
-4- عبدالله بن علي بن محمد الباجي.
-5- تقي الدين أبو محمد عبدالله بن محمد بن إبراهيم بن نصر بن فهد المقدسي.
-6- عبدالرحيم بن الحسن بن ي عبدالرحمن الزين أبو الفضل العراقي.
-7- محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم بن بركات الدمشقي الأنصاري.
-8- محمد بن إسماعيل بن عمر بن المسلم بن حسن بن نصر بن يحيى الدمشقي.
-9- محمد بن علي بن عبدالعزيز بن مصطفي قطب الدين القطرواني.
-10- محمد بن على بن يوسف الحراوي.
-11- محمد بن محمد بن إبراهيم السكندري.
مؤلفاته: ألف الحافظ الهيثمي مؤلفات حديثية متعددة، منها:
-1- غاية المقصد في زوائد أحمد.
-2- البحر الزخارفي زوائد البزار.
-3- المقصد الأعلى في زوائد أبي يعلى.
-4- مجمع البحرين في زوائد المعجمين.
-5- البدر المنير في زوائد المعجم الكبير.
-6- ثمّ جمع الكتب المذكورة محذوفة الإسناد مع الكلام عليها بالصحة والضعف في مؤلف واحد وسماه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد .
-7-موارد الظمآن لزوائد ابن حبان.
-8- بغية الباحث عن زوائد الحارث.
-9- رتب ثقات ابن حبان على الحروف ترتيباً جيّداً على ما فيها من الخلل.
-10- رتّب ثقات العجلي على الحروف.
-11- رتّب أحاديث الحلية لأبي نعيم على الأبواب، ومات عنه مسوّدة، فبيضه وأكمله ابن حجر في مجلدين.
-12- رتّب أحاديث الغيلانيات، اوالخلعيات، وفوائد أبي تمام والإفراد للدارقطني على الأبواب في مجلدين.
أولادُنا.. والأدَبُ الحَسَن (4)
الجنين في بطن أمه
إيمان مغازي الشرقاوي
- من حقوق الطفل قبل الميلاد اختيار الأم الصالحة والأب الصالح والأسرة الصالحة.
- من حق الجنين على أبويه اتخاذ كافة السبل الوقائية لحمايته من الأذى.
- الجنين يرث وهو في بطن أمه ولا يوزَّع الميراث إلا بعد ولادته.
ها هي تتحسس بطنها برفق وحنان، تنظر إليها وكلها شوق لهذا المولود الساكن داخلها، يحدوها الأمل لخروجه إلى الدنيا سليماً معافى.. إنها غاية في الحرص على هذا الوليد الذي لم تره عيناها بعد، وتتمنى لو تفديه بنفسها، ألمْ تتحمل وَهْن حمله شهوراً؟
ألم يحرمها بعض ما تحب من المطعم والمشرب والملبس؟ ألم يضيق عليها في ممارسة بعض هواياتها؟ ألم تتنازل طواعية عن بعض ما لها حتى لا تُسبب له أدنى أذى؟!
هذا وهو مازال جنيناً في بطنها، فماذا لو رأته وهو ينظر إليها وتلاقت أعينهما ومسّ جلده جلدها، والتصق بها ونام على صدرها، وشاركها طعامها ووقتها وحياتها؟! لا شك أنه شعور رائع تتمناه كل امرأة وتحب تذوُّقه، ولا تملّ الشعور به مع تكراره.
هكذا هي الأمومة الصادقة، تبدأ قبل الحمل تعلّماً وفقهاً واستعداداً لمسؤوليتها العظيمة، وتبدأ عملياً منذ لحظة الحمل الأولى، حين تكون بطن الأم لهذا الطفل وعاء، وحجرها له مهاداً، وجسدها له غطاء، وطعامها له غذاء.
إنهما شريكان في رحلة الحياة التي جمعت بين جسديهما، المشاعر فيها واحدة، والأفراح والأحزان مشتركة، وهي قسمة بينهما، فآلامها تؤلمه، وألمه داخل الرحم يؤلمها، كما أن راحتها تريحه، وتعبها يقلقه ويتعبه، إنها معجزة الخَلق تعيشها الأم حقاً، ويراها الأب يقيناً وصدقاً، ويتأثر بها الجنين إيجاباً وسلباً.
جسدان وروحان في قالب واحد، ويظل متعلقاً بها ما شاء الله له، يسير معها أينما سارت، ويجالسها وتجالسه تسعة أشهر تقل أو تزيد، حتى تحين لحظة الانفصال الجسدي عنها بمعجزة الولادة، ويعاني كلاهما، الأمّ والطفل، آلام هذا الانفصال الجسدي المعجَز، وتتحمل الأم وهي تقاسي أكبر الألم، ومع ذلك قد ترفض دواء مخدراً مظنة إيذائه، ولسان حالها يقول: فلتؤذَ هي بعض الوقت، المهم ألا يمسه هو سوء ولا يناله مكروه.
قبل الميلاد
وكما سخر الله لهذا الجنسن قلب أمه وأبيه حفظ له حقه حفظاً عجيباً ورائعاً لا نظير له في أي دين أو عُرف أو قانون، وجعله حقاً مؤكداً له وهو لم يزل في عالم الغيب جنيناً في بطن أمه، ولا عجب في ذلك فالإسلام هو الدين الخاتم الصالح لكل زمان ومكان، الوسط العدل الذي يسع الناس جميعاً بعدله ورحمته.
ومن حقوق الطفل قبل الميلاد:
اختيار الأم الصالحة والأب الصالح والأسرة الصالحة له: قال النبي ﷺ:
تخيروا لنطفكم، فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم (صححه الألباني، صحيح الجامع)، حيث سيتولد عن هذه الأسرة لهذا المولود القادم أب وأمّ وأخوال وخالات وأعمام وعمات وجدود وجدات، وأقارب وأرحام، وكل من هؤلاء له أثره وتأثيره في نشأة هذا الطفل، ولا سيما الوالدين، فلا أحد ينكر أثرهما على خلقه ودينه وتربيته وأدبه، وقد قال النبي ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه..» (رواه البخاري)؛ لذا فقد حث النبي ﷺ على اختيار الزوجة الصالحة التي يعينها صلاحها على أن تكون أمّاً صالحة للولد، فقال: «تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لمالِها ولحَسَبِها وجَمالِها ولدينها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ» (رواه البخاري)، وقال: «الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِ الدُّنيا المرأةُ الصَّالحةُ» (رواه مسلم)، كما حث على اختيار الزوج الصالح لبناتنا فقال: «إذا جاءكُم من ترضونَ دينَهُ وخلُقهُ فأنْكحوهُ »رواه الترمذي، فالدين والخلق يأخذ بيده إلى الأدب الحسن وحسن التربية والرفق فيها، كما يأخذ بيد الزوجة.
الدعاء من الزوجين له: وقد لفت النبي ﷺ نظر الزوجين منذ اللحظة الأولى للمعاشرة الزوجية إلى حفظ الولد وهو مايزال نطفة وماء دافقاً في طريقه لقراره المكين في رحم أمه، فقال للزوج مذكّراً: «أما إنَّ أحدَكم إذا أتى أهلَه، وقال: بسمِ اللهِ، اللهمَّ جَنِّبْنا الشيطانَ وجَنِّبِ الشيطانَ ما رزَقْتَنا فرُزِقا ولَداً لم يَضُرَّه الشيطانُ » (رواه البخاري.)
وندب إليهما استحباب طلب المولود كثمرة من ثمرات هذا القرب الفطري، قال تعالى: ﴿فّالآنّ بّاشٌرٍوهٍنَّ وابًتّغٍوا مّا كّتّبّ اللَّهٍ لّكٍمً﴾ (البقرة: 187) ؛ قال ابن عباس وغيره: معناه وابتغوا الولد. تفسير القرطبي.
نفس مكرمة لها حرمتها: فحين جاءتِ المرأة الغامديةُ النبي ﷺ وقالت: إني قد زنيتُ فطهِّرْني، وكانت حبلى، قال لها: «فاذهبي حتى تَلِدِي »رواه مسلم.
وقد حرص الشرع على حماية الجنين ومنع إجهاضه في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقة جداً، يقرر ذلك الطب والشرع معاً، فلا يجوز إسقاطه لأجل أنه أنثى، أو نكاية في أحد الزوجين لخلاف حاصل بينهما، ولا بسبب الفقر أو كثرة العيال، ولا خوفاً من المستقبل كما يدّعي البعض، والله تعالى يقول: ﴿ولا تّقًتٍلٍوا أّوًلادّكٍم مَنً إمًلاقُ نَّحًنٍ نّرًزٍقٍكٍمً وإيَّاهٍمً﴾ (الأنعام: 151) ، ويقول تعالى: ﴿ولا تّقًتٍلٍوا أّوًلادّكٍم خّشًيّةّ إمًلاقُ نَّحًنٍ نّرًزٍقٍهٍمً وإيَّاكٍمً إنَّ قّتًلّهٍمً كّانّ خٌطًئْا كّبٌيرْا﴾ (الإسراء: 31)، والإملاق الفقر، فكفل الله للأولاد ولآبائهم الرزق في الحاضر والمستقبل، وهذه الآيات دلالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده.
المحافظة على سلامته أثناء الحمل به
ومن حق الجنين على أبويه اتخاذ كافة السبل الوقائية لحمايته من الأذى، فلا تتعرض الأم الحامل لتعاطي الأدوية التي تضره أو الأعمال الثقيلة التي تؤذيه، ولا يفرض عليها العمل لإعالة نفسها وأطفالها فتضعف ويضعف معها جنينها، والنفقة إنما هي واجبة على زوجها أو ولي أمرها، ولو كانت مطلقة، قال تعالى: ﴿وإن كٍنَّ أٍوًلاتٌ حّمًلُ فّأّنفٌقٍوا عّلّيًهٌنَّ حّتىَّ يضّعنً حّملًهّنٍ﴾ (الطلاق: 6)؛ لأن الغذاء لا يصل إليه إلا بسببها.
وليس لها أن تمارس الرياضات العنيفة التي تضره، أو النظام الغذائي القاسي الريجيم الذي يضعفه، أو تعاطي التدخين والمواد المخدرة وما شابهه، والقاعدة الشرعية في ذلك «لا ضرر ولا ضرار» الألباني، صحيح الجامع، ولذلك أبيح لها الفطر في رمضان.
كذلك توفير الجو الهادئ والإيماني؛ حيث ثبت علمياً أن الجنين يسمع ويتأثر بالأصوات وهو في بطن أمه، ويتعرف على صوتها بعد ولادته ويأنس إليه، وينبغي الاهتمام بالكشف الدوري على الأم في شهور الحمل للاطمئنان على حالته، واتخاذ التدابير الواقية لحمايته، والحفاظ على صحتها وحالتها النفسية، واختيار الطبيبة المتخصصة عند الولادة، حتى يخرج سليماً معافى بإذن الله تعالى.
ومن أجل صحة أفضل للجنين وأمه وأخذاً بأسباب سلامة الطفل يقول د. أحمد عيسى:
إن على الأم أن تحرص على العلاج من أي مرض يصيبها قبل أو أثناء الحمل بما يقرره لها الطبيب المختص حتى تلد مولوداً سليماً بإذن الله عز وجل، ويفضل أن يكون الحمل قبل سن الأربعين، وألا يتكرر الحمل ومازال لديها طفل رضيع، فالله تعالى يقول: ﴿فٌصّالٍهٍ فٌي عّامّيٌن﴾ (لقمان: 14) ، والحمل السريع دون هذه الفترة الزمنية قد يؤثر على صحة الجنين نظراً لتعب الأم والمشقة الحاصلة عليها، وأيضاً يؤثر على أخيه أو أخته من قبله ويحرمه من الرضاعة الطبيعية ومن حضن أمه الحامل.
وأكد أهمية تناول الأم الحامل الغذاء الصحي المتوازن لضمان سلامتها وسلامة طفلها القادم، وأن تتجنب السفر الطويل في أسابيع الحمل الأخيرة خاصة بالطائرة خشية أن تلد مبكراً فيها، فيتعرض الطفل لأخطار صحية خطيرة، كذلك لا تسافر إلى الأماكن التي بها أوبئة مرضية أو ازدحام شديد، أو حروب وعدم استقرار.. كل هذا أخذاً بأسباب القوة والصحة والسلامة، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .
حق الجنين في الميراث: ومن أعظم الحقوق لهذا الطفل حماية ماله من قبل أن يولد، أي وهو مازال جنيناً في بطن أمه، «فإنه يرث ولا يوزَّع الميراث إلا بعد ولادته، لكن إن طلب الورثة القسمة فيتم التقسيم قبل الولادة ويوقف للحمل الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين ثم ينتظر إن ولد ميتاً فلا يرث، وإن استهل صارخاً أخذ نصيبه ورد الباقي على الورث. شرح كتاب الفرائض، الميراث، من زاد المستقنع، للشيخ حمد الحمد خطوة.
حق الجنين إذا مات: وإذا قدر الله لهذا الجنين انتهاء أجله فمات، فإنه يغسل ويصلى عليه ويدفن، قال النبي ﷺ: «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (صححه الألباني، صحيح أبي داود)، وقال الإمام أحمد يرحمه الله: إذا أتى له أربعة أشهر غُسّل وصُلِّي عليه.
فسبحان الله.. الرحمن الرحيم.. خلق هذا الجنين وصوره في الأرحام وكفل له رزقه داخل بطن أمه، وحفظ له ماله قبل أن يخرج إلى الدنيا، وهو لم يرَ المال ولم يتعرف عليه بعد، وكرَّمه حياً وميتاً، فسبحان الله أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.