العنوان المجتمع الثقافي
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993
مشاهدات 56
نشر في العدد 1064
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 31-أغسطس-1993
اللسان العربي
باشا من «آل عثمان.. علم في لغة
القرآن»!!
بقلم: عبد الوارث سعيد
قبل الإسلام كان العرب يتيهون بلسانهم العربي
فخرًا على سائر الأمم، ومع ذلك لم يقبل على تعلمه أحد لهوان شأن العرب على الناس،
ولما جاء الإسلام وانتشر نوره خارج الجزيرة، دخل الناس فيه أفواجًا وأحبوا لغة
القرآن حبًّا ملك عليهم أفئدتهم، حتى نافسوا أبناءها في تملك ناصيتها، حتى في أخص
علومها اللغوية، وسجلت كتب طبقات اللغويين والنحاة أسماء المئات منهم، وتراجمهم في
كل عصر ومصر، ومنهم من حاز المقام الأرفع والأشهر في ذلك مثل سيبويه الفارسي
الأصل.
وموضوع هذه الحلقة «ابن كمال باشا» واحد من
هؤلاء، ولكن له ولظروفه مزية خاصة استوجبت التنويه به وبعمله في زمن شوهت فيه
الحقائق واضطربت الموازين واستهان العرب بلسانهم.
هذا العالم الفذ من علماء العربية «كان جده
أحد أمراء الدولة العثمانية، وأبوه من السادة المشهورين في الإسلام، صحب السلطان
بايزيد في كثير من رحلاته والسلطان سليم خان.. حين دخل القاهرة..»(1) ومع ذلك كان
إمامًا بارعًا في التفسير والفقه والحديث والنحو والتصريف والمعاني والبيان
والكلام والمنطق والأصول.
لقد اشتدت عداوة أوروبا للخلافة العثمانية
وحقدها عليها، بسبب فتوحاتها الإسلامية- وأهمها القسطنطينية- ونشرها الإسلام في
أوروبا، فعمدت منذ زمن سيطرتها على البلاد العربية، وإلى اليوم - إلى تشويه تاريخ
تلك الدولة وتصويرها بأنها كانت عدو للعرب وللغتهم، وأكد ذلك بعض حكامها من عملاء
أوروبا «من الماسونيين وهجناء اليهود» من أمثال مصطفى كمال «أتاتورك» بتبنيهم
دعوات التتريك والقومية الطورانية المتعالية على العرب، وتولى ذلك وروج له -مرة
أخرى- العنصريون العرب من النصارى والمتغربين، ووصل الأمر إلى حد أن اعتبرت
الخلافة العثمانية دولة استعمارية، يجب أن تسقط من تاريخ الإسلام، ولا فضل لها في
حضارته خاصة في مجال العلوم العربية، وبوجه أخص علوم اللسان العربي.
هنا يأتي دور شمس الدين أحمد بن سليمان بن
كمال باشا زاده (940هـ) ليعدل الصورة، ويبيض جانبًا من الصورة التي سودها الحقد.
جهود ابن كمال باشا في علوم العربية متنوعة
1 - كتب حوالي تسع رسائل في علوم اللغة، منها:
«التنبيه على خلط الجاهل والنبيه» وهي في التصحيح اللغوي، ورسالة في بيان مزية
اللسان الفارسي على سائر اللغات ما خلا العربية.
2- ومنها حوالي إحدى عشرة رسالة وكتابًا في
علمي الصرف والنحو، من أشهرها كتاب «أسرار النحو» يقع في حوالي 145 صفحة، ويضم -على
صغر حجمه- عرضًا موجزًا وافيًا مرتبًا لأبواب النحو العربي ومسائله. وكتاب «الفلاح
في شرح المراح» وهو شرح -في نحو مئتي صفحة- لكتاب «مراح الأرواح في علم الصرف».
3- كما أن من آثاره نحو ثلاث عشرة رسالة في
مسائل من علوم البلاغة العربية.
أضف إلى ذلك رسالتين في الأدب، ونحو مئة رسالة
في مختلف علوم الإسلام، وكلها مكتوبة باللغة العربية.
ومن المزايا التي برزت في كتابه «أسرار النحو»
كثرة استشهاده على أحكام النحو بآيات القرآن الكريم وبالقراءات القرآنية مما يدل
على علمه الدقيق بها.
وإذا كان الباحثون يذكرون أن العصر التركي كان
من أكثر عصور العربية جفافًا وانحطاطًا جريًا وراء قولة للمستشرق الألماني يوهان
هل بأنها «أحلك قرون التاريخ العربي، لا من الوجهة السياسية فحسب، بل من الوجهة
اللغوية كذلك»(2) فإن ما قام به ابن كمال باشا في خدمة العربية والمستوى المتميز
الذي ظهر به كتابه «أسرار النحو» يجعله قمة في عصره، وقمرًا في ليل الركود إن صحت
هذه التهمة على إطلاقها..
الهوامش:
1- ابن كمال باشا أسرار النحو تحقيق د. أحمد
حسن خان «دار الفكر، عمان، د.ت.» ص 6.
2- السابق ص 54-52.
إصدارات
عالم التيه والضياع
تأليف: د. نجيب الرفاعي
الكتاب: عالم التيه والضياع.. في المجتمعات
الأوروبية والأمريكية.
المؤلف: د. نجيب عبد الله الرفاعي.
الناشر: مكتبة المنار الإسلامية- الكويت -
هاتف 2615045 فاكس 2636854 ص.ب 43099 حولي- الرمز البريدي 22045.
الصفحات: 115 صفحة.
من طبيعة الإنسان أن يقتدي بمن هو أقوى منه،
وإن لم يقتد به فهو ينظر إليه نظرة الانبهار والإعجاب ويرسل إليه عواطف الحب
والمودة، وهذه المشاعر ربما يلمسها من يعيش مع شعوب دول الخليج العربي في نظرتهم
للأوروبيين والأمريكان، فهم ينظرون إليهم من زاوية الضعيف إلى القوي، فهم
المتقدمون علميًّا، المسيطرون على العالم، وفوق كل ذلك هم -بعد الله- كانوا سببًا
في تحرير دولة الكويت.
الكتاب الذي بين يديك -عزيزي القارئ- عبارة عن
مذكرات أو ذكريات عاشها المؤلف أيام دراسته الماجستير والدكتوراه في كل من أمريكا
وبريطانيا، حيث شعر بأن فظاعة الوهم الذي كنا نعيشه في بلداننا أن أمريكا هي
الأفضل- غير صحيح، فهي الأفضل في التكنولوجيا والتنظيم والعلوم الإدارية
والاقتصادية، ولكن هي الأسوأ في العلاقات الإنسانية والأسرية، ففيها على سبيل
المثال 18 مليون مدمن على الكحول، و38 مليون مدمن على المخدرات، فضلًا عن الجرائم
المروعة والشذوذ المتفشي، وتقلص حجم المشاعر الإنسانية عند أقرب الناس من آباء
وإخوة وأزواج.
وبعد فإن قراءة هذا الكتاب تعيد إلينا شيئًا
من التوازن الذي نفتقده في نظرتنا إلى الأشياء والأشخاص والمجتمعات..
تراجم
الشيخ محمد بن عبد الله بن فارس
إعداد: الأسرة التربوية بكلية
التربية الأساسية - الكويت
·
ولد
المربى الشيخ محمد بن عبد الله بن فارس سنة 1335 هـ (1820م) في روضة سدير من إقليم
نجد في الجزيرة العربية.
·
نشأ على
حب العلم واتجه في تعلمه اتجاهًا دينيًا، وعشق قراءة القرآن ومحاولة فهم إعجازه،
فقرأه على يد الشيخ عبدالعزيز نافع وحفظه، كما قرأ كتب التفسير والفقه والحديث،
وتتلمذ على عدد من علماء عصره في مكة والمدينة ونجد، والعراق حيث ارتحل إليهم،
فتفقه في المذاهب الأربعة وبرع في المذهب الحنبلي، كما تعلم النحو والصرف وباقي
علوم اللغة العربية ليتذوق حلاوة التعبير القرآني المعجز.
- صلى
في المسجد النبوي إمام في شهر رمضان في صلاة التراويح والقيام كما عمل
بالتجارة.
- من
الذين تتلمذ عليهم وأخذ عنهم الشيخ عبدالله بن جمعان، والشيخ أحمد بن مصعب
وأبو بكر الملا، والشيخ الفداغي، والشيخ عبدالجليل الطبطبائي، والشيخ عبدالعزيز
العتيقي.
- كان
محمد فارس يؤمن أن الدين يسر وليس عسرًا، ويحاول أن يطبق ذلك في تعامله مع
الناس حتى أحبوه واقتربوا منه ليفيدوا من علمه وأخلاقه وتواضعه.
- افتتح
كُتّابًا يعلم فيه القرآن والكتابة والحساب، كما كان يقرأ للمتعلمين كتب
الفقه والوعظ، ولا يدخر علمًا ولا يبخل به، ولا يحبس نصيحة ولا يكتم فتوى
يعرفها حتى صار ثقة بين الناس، وتولى كتابة الوثائق وكان يمهرها بختمه
فتعتمد، ويعمل بها في نجد والإحساء والبحرين والزبير.
- تتلمذ
عليه عدد من مربي الكويت الأفاضل منهم الشيخ عبدالله بن خلف الدحيان.
- كان
حنبلي المذهب، شديد الغيرة على دينه، بدأ بتطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر على نفسه وأهله قبل الناس، فكان قدوة لهم ومثلًا طيبًا يحتذونه
ويأخذون عنه.
- رزق
ذرية صالحة طيبة، وهو جد أسرة الفارس المعروفة في الكويت، التي أنجبت علماء
ومربين آخرين.
- عاش
عمرًا طويلًا وتوفاه الله ليلة عرفة ليلة الجمعة سنة 1336هـ (1909م) فافتقدت
الكويت علمًا من أعلامها وواحدًا من رموز التعليم الأجلاء فيها. رحمه الله
وجعل النعيم مأواه.
شعر
زمن يريد الصقور
شعر:
كريم خلف النويميس - السعودية - حائل
أتاك
بلومه جمع وقورُ تزلزل
منه آلامٌ وقورُ
رموني
بالتخاذل والتواني وإني
لاتهامهمو صبورُ
ولو
رفقوا لدافعنا ولكن بعنف
كلهم نحوي مشيرُ
يقولون
القضايا دامياتٌ وليس
لكم بساحتها حضورُ
جموع
المسلمين بكل أرضٍ ترى
نعمًا بلا راعٍ تدورُ
فما من
مسلمين اليوم إلا وطير
الذل فوقهمو تطيرُ
فما لك
لا تحس بما يعاني ألوف
المسلمين ألا تثورُ؟
فقد طال
السبات وليس إلا وإن
لمعته جهد يسيرُ
ألست ترى
حمى البلقان أضحى يخيم
في جوانبه الثبورُ؟
ونارًا
في سراييفو يعاني لظاها
الشيخ والطفل الصغيرُ
فما يلقى
السلام الفجر إلا وسرب
القاذفات له هديرُ
إذا ألقت
حمولتها وولت تكاد
الأرض تحتهمو تمورُ
فشعرك
رغم ما يجري قليلٌ فقلت
لهم وهل نفع الكثيرُ؟
لو أن
الشعر ينفع في زمانٍ ترعرع
جوره وثوى الضميرُ
وساد
الناس فيه شرع ظلمٍ صغار
الحوت يأكلها الكبيرُ
لصبح قوة
الصرب الأعادي قريض
لا يحول ولا يحورُ
وسرب
قصائد يمطرن نارًا لها
في كل ناحية سعيرُ
يجلل
عندها همام همٌ ويعجز
عن أوابرها جريرُ
ولو طرقت
مسامعه ابن بردٍ لغرّد
وهو مغلوب حسيرُ
ولكن
الزمان يريد صقرًا على
صعبٍ تحاذره الطيورُ
بنا يا
إخوة الإسلام هونٌ وتقصير
وليس بنا قصورُ
نرى
الأخوات تسبى ثم نمضي كأن
ما صار أو شيء يصيرُ
فكم من
غادة نادت جهارًا ودمع
العين منهمر غزيرُ
تنادي
وهي صامتة ودومًا لسان
الحال منطقه جهيرُ
أمام
نواظر المليار نُسبى أما
في جمعهم رجل غيور؟
ألا يا
ليتنا كنا جذاذًا وقبل
اليوم ضمتنا القبورُ
فإن لم
تسألوا عنا وفينا ثوى
اليوم العبوس القمطريرُ
فما
أمجادكم إلا خداعٌ وما
قواتكم إلا غرورُ
وإن لم
تسألوا عنا فإنا لنا
شرف بنخوتكم جديرُ
لقد كنا
نستره فأضحى عفافًا
مزقت عنه الستورُ
نقول
لسائل عنا وعنه كلاب
الصرب مثواه الأخيرُ
أيا
أختاه ذا المليار وهمٌ فأكثرهم
وإن بهروك زورُ
أيسمع
صوتك المنكوب سمعٌ تداوله
كمنجات وزيرُ؟
أيسمع
صوتك المغلوب فكرٌ وإن
طمست معالمه أجيرُ؟
أيسمع
صوتك المقهور عقلٌ تصفق
في جوانبه الخمورُ؟
بنا غيض
تضيق به القوافي وهذا
بعض ما تحوي الصدورُ
التأصيل الإسلامي للدراما.. ما القضية؟
يشعر
الآباء والمربون والدعاة بخطر الإعلام، وبعد أثره في حياة الناس كبارًا وصغارًا،
وتشير الإحصاءات إلى أن الفنون الدرامية هي أقوى المواد الإعلامية تأثيرًا في
تشكيل السلوك وبلورة الاتجاهات لدى الجماهير، فهي تتجاوز موانع الأمية المتفشية في
الشعوب المسلمة، ولا تتطلب خلفية ثقافية في المشاهد، ولذلك استطاعت أن تنازع
الأمهات تربية أطفالهن، وتنتزعهم من أحضانهن بقصصها الطريفة، وألوانها الجذابة،
وألحانها العذبة، وتتقلد بجدارة وظيفة المربية والحاضنة والمدرسة، وفي كثير من
الأحيان لم تُحسن القيام بوظائفها، وربما انقلبت إلى معول للفساد والهدم!
في انتظار الطوفان
وكان
التلفاز هو الذي بث الفنون الدرامية في البيوت والمخادع، بعد أن كانت قاصرة على
دور المسرح والسينما، وإذا كانت محطات الإرسال المحلية قد روضت، وأخضعت للمطالب
التربوية المحلية إلى حد ما، فإن السنوات الخمس القادمة سوف تشهد طوفانا من البث
التلفازي عبر الأقمار الصناعية، ولن يكون بوسع أحد السيطرة عليه أو تهذيبه، وإذا
لم تتوفر لدينا البدائل الدرامية القادرة على المنافسة والفوز، فإن شعوبنا المسلمة
سوف تتعرض لتأثيرات ثقافية وأخلاقية مدمرة. وسيكون أطفالنا الصغار هم أول ضحاياها(1)،
ويجب أن نتوقع ذيوع الجريمة المنظمة وغير المنظمة، وتدهور الأمن، وانتشار المخدرات
والتحلل من قيم العفة، واستشراء الفكر المادي، وما يؤدي إليه من أمراض نفسية
وعقلية، فضلًا عن غضب الله ومقته في الدنيا والآخرة.
نحن لا نبدأ من الصفر
إن
بوسعنا أن نقتحم ميادين الإنتاج الدرامي، واستثماره لصالح ثقافتنا الإسلامية،
ولدينا مقومات النجاح في ذلك، فلسنا نبدأ من الصفر- كما سيبين هذا المقال- لكننا
نلاحظ أننا لا نزال نتردد ونخطو خطوة ثم نتوقف، على الرغم من أننا قد تجاوزنا
مرحلة الفتوى بحل الدراما، وأخرجنا مسرحيات جيدة عرضت في كليات الشريعة وأصول
الدين، فضلًا عن المسارح الكبرى في مصر، وأذكر على سبيل المثال مسرحية الصداقة
التي أخرجت في قاعة المحاضرات بكلية الشريعة بالرياض، ولقيت ترحيبًا كبيرًا.
ويقول
البعض إن الحل يسير جدًّا، وهو: ألا تدخل التلفاز بيتك! ويرى آخرون أن من الممكن
انتقاء البرامج النافعة دون سواها، وينصحنا قوم بأن نحصن أولادنا ضد تلك الأخطار،
ويقول بعضهم إن علينا أن نربي في النشء القدرة على النقد، ليميزوا الخبيث من الطيب
في كل ما يشاهدون، ولكن التجربة التي يعرفها الآباء جيدًا تبين أن نسبة محدودة جدًا
من الأسر تستطيع أن تنجح في تحقيق أي حل من هذه الحلول، وأن الحل الإيجابي هو
تقديم الفنون الدرامية الملتزمة بثقافة الإسلام وشرائعه، إلى جانب التحصين التربوي
والعناية بملكات النقد والتوسع في الأنشطة الرياضية والأدبية التي تستأثر
باهتمامات الشباب المسلم.
لغتنا معنا
ولسوف
يكون حاجز اللغة عنصرًا إيجابيًا لصالحنا في منافسة الدراما الأجنبية، ولا بأس من
الاقتباس منها: «نأخذ البراعة الفنية وطرائق الأداء، وطرائق العرض، من أي مكان
نشاء... ولكننا في النهاية نكون أنفسنا، ونكون من ذواتنا وشخصياتنا»(2).
وهذه
المقالة محاولة منا لتأصيل الفنون الدرامية إسلاميًّا، وغايتنا من ورائها الكشف عن
مكونات الدراما، ومدى أصالة كل منها، وتبعًا لذلك الإسهام في وضع حد للتردد الذي
يحول بيننا وبين استثمارها في خدمة الدعوة والتربية الإسلامية، والله تعالى من
وراء القصد.
ما معنى الدراما؟
- والسؤال
الأول هو: ما معنى الدراما؟ وما أهم عناصرها؟ وما الذي يمكن تأصيله منها؟
وفي
الجواب نقول: إن المكونات الجوهرية للعمل الدرامي هي القصة والصراع والحركة، ويلي
هذه المكونات: الموسيقى التصويرية، والمنشدون «الجوقة». وربما كان علينا أن نذكر
منذ البداية أن بعض أنماط الدراما، مثل البرليسك «Burlesque» و«الفودفيل» تنطوي على عناصر الغناء والرقص وتثور عادة قضية
اشتغال النساء بالتمثيل نتيجة لذلك: فلا بد أن يمتد البحث في التأصيل إلى هذه
المسائل.
1- القصة
ونبدأ
بالقصة التي يتحتم أن تتوفر للعمل الدرامي، وهي قد تكون خيالية موغلة في الخيال،
وقد تكون واقعية، بمعنى أنها يمكن أن تقع لأي إنسان، وقد تكون تاريخية تحكي وقائع
معروفة في تاريخ الأمة، وفي كل الحالات توظف القصة في خدمة الأغراض النهائية
للمؤلف، وليس القصة بكل أنواعها غريبة عن تراثنا الإسلامي، وفي القرآن الكريم
ثلاثة ضروب من القصص، فيقول الأستاذ محمد قطب: «وقد استخدم القرآن -في أغراضه
الدينية البحتة - كل أنواع القصة: القصة التاريخية الواقعية المقصودة بأماكنها
وأشخاصها وحوادثها، والقصة الواقعية التي تعرض نموذجًا لحالة بشرية، فيستوي أن
تكون بأشخاصها الواقعيين أو بأي شخص يتمثل فيه ذلك النموذج والقصة المضروبة
التمثيل، والتي لا تمثل واقعة بذاتها، ولكنها يمكن أن تقع في أي عصر من العصور»(3).
أمثلة للقصص القرآني
ومثال
النوع الأول: قصص الأنبياء ومثال النوع الثاني: قصة ابني آدم، ومثال النوع الثالث:
قصة صاحب الجنتين، التي وردت في سورة الكهف. وقد ألف بعض النصارى العرب مسرحيات
قوامها قصة يوسف عليه السلام(4). وفي العام الماضي كتب القصة نفسها للتلفاز المصري
ثروت أباظة دون أن يحدد الأسماء، وعلماء المسلمين أفتوا بحرمة مثل هذا العمل، وليس
قصدنا هنا مخالفة تلك الفتوى، وإنما الكشف عن الأصل الذي يبين أن القصص الهادف
الملتزم بشريعة الله له أمثلته في التنزيل نفسه، ويجب -في ضوء ذلك- أن تتبدد
الشكوك التي تساور البعض حول قيمة القصة الدرامية، أو الرواية الأدبية، أو القصة
القصيرة، فهي أصيلة في ثقافتنا، ويجب أن نثريها بأعمال جديدة: شعرًا ونثرًا، وسردًا
وحوارًا.
2 - الصراع
ولابد أن
تنطوي القصة الدرامية على صراع من نوع ما. والصراع ضروب من التدافع، والتصادم،
والمنازعات بين الأفراد، والأفكار، والمصالح، والأهواء والشهوات، والواجبات أيضًا،
سواء في الملهاة أو المأساة(5). والأطراف المتصارعة تختلف من أمة إلى أخرى، ومن
عصر إلى عصر، بل إن شكل المسرح ووظيفته يحددهما المناخ الحضاري الخاص وأحوال
المجتمع(6).
ومعنى
هذا أن الصراع في فنوننا الدرامية لابد أن يكون بين الشهوات والأهواء من جهة، وبين
الواجبات الشرعية من جهة أخرى، بين المادية والتوحيد، بين التحلل والالتزام، وبين
الباطل والحق. ويقول الأستاذ محمد قطب: «إن صراع الجسد حقيقة، وغلبة النوازع
الفطرية على المبادئ والمثل حقيقة وضعف الإنسان ورضوخه لنزواته حقيقة، ولكن
ارتفاعه فوق الواقع حقيقة كذلك يلمسها كل إنسان في نفسه حين يحقق كيانه كإنسان»
والمطلوب في الدراما الإسلامية «أن يكون الضوء مركزًا على لحظات الارتفاع فوق
الواقع، لا على اللحظات الهابطة إلى عالم الضرورة». ثم يضيف قائلًا: «إن الصراع في
كل اتجاهاته هذه وتلك من أكبر الوقائع في الحياة البشرية والحكمة عليا أوجده الله
في الأرض ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 251)»(7).
أمثلة للتدافع
وقد يكون
الصراع الذي يعانيه البطل في الدراما الإسلامية بسبب عجزه عن الوفاء بواجبين
شرعيين متقابلين في موقف بعينه. مثال ذلك: واجب شهادة الحق حين يكون المجرم والد
الشاهد نفسه، أو أخاه أو ابنه، فهو يريد أن يكون بارًا بوالده، وأن يشهد شهادة
الحق، لكنه لو شهد شهادة الحق لثبتت التهمة ضد والده، ولهذا تتصارع في قلبه وعقله
مشاعر متباينة، وبوسع المؤلف المسلم أن يجد الكثير من مثل هذا الصراع، وأن يوظفه
في خدمة الدعوة إلى الله والمثال السابق مستلهم من قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ
عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135). ويقول
الشهيد سيد قطب رحمه الله: «إن مُنزل القرآن يعلم حقيقة المجاهدة الشاقة التي
تتكلفها إقامة العدل على هذا النحو، وفي النفس البشرية ضعفها المعروف وعواطفها
تجاه ذاتها وتجاه الأقارب... ويعلم أن التجرد من هذا كله يحتاج إلى جهاد شاق، جهاد
للصعود إلى هذه القمة على سفوح ملساء! لا تتعلق فيها النفس بشيء إلا بحبل الله»(8).
وهذا الجهاد النبيل ضد المصالح الذاتية أو العواطف الفردية هو صورة رفيعة للصراع
الدرامي في القصة الأدبية الإسلامية، وهو غير الصراع الطبقي الذي اعتبرته الشيوعية
البائدة عملًا جوهريًا في التطور الاجتماعي.
صدق في التصوير
إن الصدق
الإسلامي في تصوير الحياة البشرية يحتم ألا نرسم صورة مزيفة للحياة البشرية في
آدابنا وفنوننا: «صورة بيضاء من كل سوء، نقية من كل شائبة. سليمة من كل انحراف!
كلا فما هكذا يقرأ القرآن ذاته الذي يدعو للرفعة الدائمة، والمحاولة الدائبة
للتغلب على الضعف إنما يقول: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28) ويقول:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ...﴾ (آل عمران: 14) فهذا هو واقع
البشر، والفنون الإسلامية يجب أن تصور هذا الواقع بكل ما فيه من نقائص وضعف وخسة
وهبوط، ولكن على هذا الشرط: على أنها نقائص وضعف وخسة وهبوط، لا على أنها الأمر
الواقع الذي لا مفر منه ولا أمل في الارتفاع عليه!» (9).
لا يمكن إغفال التدافع
وإغفال
الصراع أو التدافع، يتنافى مع صدق الفن الإسلامي، الدرامي والروائي، ومع الواقعية
أيضًا. وليس ثمة مسوغات للتشكك في أصالة هذا العنصر الدرامي الجوهري، اللهم إلا
كراهية اللفظ نفسه لكثرة استعماله في الأدبيات الماركسية والدراما اليونانية
الوثنية، التي بُنيت على عقائدهم القديمة البالية في تعدد الآلهة، ودارت أحداثها
حول عراكهم وصراعهم الخرافي!
الحواشي:
1- د.
حسين فوزي النجار، الإعلام المعاصر ص 105 - 106.
2- محمد
قطب، منهج الفن الإسلامي، دار الشروق ص 4، ص 226.
3- نفسه،
ص 157.
4- د.
محمد يوسف نجم، المسرحية في الأدب العربي الحديث، دار الثقافة، بيروت، ط3 1400هـ/
1980، ص 391.
5- د.
محمد زكي العشماوي، دراسات في النقد المسرحي، ص 30 - 37.
6- المر
رايس، المسرح الحي، ترجمة د. داود حلمي السيد، دار نهضة مصر، بالقاهرة، سنة 1965 م
ص 38.
7- محمد
قطب، السابق، ص 28-27، ص 82.
8- سيد
قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق ج2 ص 74.
9- محمد
قطب، السابق، ص 55-62.