العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1262)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1262
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 12-أغسطس-1997
ومضة
في مقابل سياسة النفي والاستئصال، هناك عقلية الحوار، التي تعالج مشكلة اختلاف وجهات النظر، وتعدد الآراء، بقبول المنافسة في حلبة الأخذ والرد، وهذا القبول يقتضي الاعتراف بالآخر أولًا، والتسليم باحتمال أن يكون فيما يراه شيء من الصحة والفائدة، كما يتضمن الاستعداد لتقبل نتائج هذا الحوار سواء وافقت أو عارضت آراءنا، ثم الاستعداد لتقبل الرأي الآخر وتوطين النفس لإزالة الموانع والعوائق والترسبات التي تحول دون اقتناعنا بجدوى وجهة النظر التي كنا نخالفها، لا سيما وقد تجلت لنا أحقيتها، وانقشع الضباب الذي كان يغشي صورتها الناصعة في أذهاننا.
وهذه العقلية المنفتحة انعكاس طبيعي للثقة بالنفس، وليس انبهارًا معنويًا، أو ضعفًا شخصيًا وعلميًا، يسلم بالهزيمة من أول جولة في صراع الكلمة، وليس خضوعا للضغوط والمؤثرات والإغراءات بقدر ما هي تسليم للحق على أي لسان ظهر ومن أي طرف أتى، استنادًا إلى قاعدة: الحكمة ضالة المؤمن.
هذه العقلية الحوارية ... لترسيخها وضمان استمراريتها، يتحتم تأمين المناخ الملائم لنموها، وذلك بتبنيها واعتمادها وسيلة وحيدة من قبل كافة الأطراف، ولا يتأتى ذلك إلا بتحييد القوى الضاغطة التي تلجأ عادة إلى إقناع الخصوم بوسائل متعددة ليس من بينها إعطاء الفرصة لمناقشة الرأي، وقبوله أو رفضه بحرية وإرادة مستقلة، كأن تحاور الحكومة أسيرًا في أحد سجونها، أو أن تستميل إرسالية تبشيرية أحد الفقراء والقاصرين مستغلة ضعفه وجهله وحاجته، أو أن يحاور حزب يحكم ويسيطر على كل آليات التخويف والإغراء حزبًا آخر لا يملك شيئًا من أدوات القوة ويدين بوجوده لترخيص الحزب الحاكم... في مثل هذه الحالات والبيئات تتقلص فرص الجدال بالتي هي أحسن، حيث يسود الظلم، ويخيم الظلام على العقول ويعيش المستبدون هاجس ردة فعل المعذبين، والخوف من انتفاضة المحرومين لاستعادة حقوقهم المشروعة.
عروس البحر
شعر: محمد الأمين محمد الهادي
زرتها بعد غياب ست سنوات عنها .... ورغم الدمار الذي أصابها جراء تنافس الإخوة الأعداء للفوز بالتربع على عرشها أو مقعد شاهها، إلا أني وجدت أبناء الحركة الإسلامية بجهودهم في شتى المجالات.
يبلسمون جراحها ... ويخيفون أعداءها ... فعرفت أنهم فتى أحلام المستقبل لعروسنا «مقديشو»
عروس البحر ... عفوك...يا ملاكي على عينيك فلتبك البواكي
تغيرت المعالم فيك حتى كأنك لست أنت ولا سواك
فأين الدل... أين الحسن غض القوام كأنه قد الأراك
أراك كئيبة... وأرى شموعا تضاء فتنطفئ... والقلب شاك
بجنبك مقعد للشاه خاو يباعد عن جوانبه فتاك
فتى الأحلام مغترب بأرض يشم بها على بعد شذاك
وهل بقي الشذى بعد انهيار وقد أبكى الثرى ما قد دهاك
عروس البحر «مقديشو» أجيبي فقد أعيا لساني ما عراك
تنافس فيك كل خئون قلب حقير في السلام وفي العراك
قد اغتصبوك في جنح الليالي وفي وضح الضحى طلبوا رضاك
عروس البحر ... ما خاضوا حروبا سوى أن يستبدوا في رباك
فآثرت الجراح على امتلاك ولكن قد سموت على السماك
دمار.... وانهيار..... وانشطار وروحك لم تزل فوق الهلاك
أرى في الأفق فارسك المفدى يلوح باللواء وقد أتاك
ويقبل زاهيًا عبقًا أميرًا يحاذي خطوه أبدا خطاك
ويحمل في يديه زهور شوق حثيثًا في المسير إلى لقاك
أراه يحمل القرآن نورًا من الرحمن... مازجه سناك
محياه من الإيمان زاه يعف عن التشاكي والتباكي
ستندمل الجراح وإن أصابت جميع الجسم... أو نهكت قواك
ويمحو الدمع عن خد أسيل يواسي القلب مبتغيا رضاك
ثقي في الله إن الله عدل ولن يرضى بأن يقوى عداك
عدوك خاسر في كل حين وسوف يزيد مجدًا في علاك
زفافك قادم وفتاك أتٍ لذلك قد وقيت من الهلاك
إصدارات مختارة
تخطيط وعمارة المدن الإسلامية
صدر كتاب الأمة (٥٨) تحت عنوان «تخطيط وعمارة المدن الإسلامية».
وهذا الكتاب محاولة ضرورية على الطريق الثقافي الطويل لفتح بعض النوافذ وتوجيه الأنظار صوب قضية العمارة الإسلامية، خصائصها العمرانية، ووظيفتها الاجتماعية، وأهدافها التربوية ودورها في البناء الخلقي والتماسك الاجتماعي، ومنح الراحة والاطمئنان، وتحقيق الأنس النفسي واحتضان قيم الخير والفضيلة، وممارسة الضبط الاجتماعي بما تؤصله من تقاليد وأعراف خيرة
من عناوين الكتاب عمارة المدينة المنورة في عصر الرسول ﷺ -المدينة المنورة والخبرة التراكمية- فقه عمارة المدن الإسلامية - الحسبة وآثرها في المدينة الإسلامية.
واختتم الكتاب بملحق في اختيار المنازل الحضرية للاجتماع... يقدم رؤية من القرن الثامن وحتى القرن التاسع الهجري لقضايا العمران والاجتماع البشري لأبي عبد الله محمد بن الأزرق الأندلسي المتوفى سنة ٨٩٦هـ.
المؤلف: خالد محمد مصطفى عزب
الناشر: مركز البحوث والدراسات.
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
ص.ب ٨٩٣. الدوحة قطر
الوعي الإسلامي
مجلة إسلامية شهرية جامعة تصدر في مطلع كل شهر عربي عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت وصلنا العدد الجديد منها والذي يحمل الرقم ۳۷۹ لشهر ربيع الأول ١٤١٨هـ وقد حفل بالمواضيع الفكرية والمتنوعة، وتركزت افتتاحية العدد «حول السيرة النبوية ..... المعرفة والهداية» بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، كما جاء الموضوع الأول بعنوان «المسلمون أمة مبعوثة» للمناسبة نفسها وبالإضافة إلى البحوث الأدبية والعلمية هناك صفحات الفتاوى، ونافذة على العالم، وحديقة الوعي مما يشكل وجبة ثقافية كاملة ودسمة للقارئ الذي يبحث عن الحق ويتحرى الصواب.
المراسلات مجلة الوعي الإسلامي ص. ب ٢٣٦٦٧ الصفاة 13097 الكويت.
عمار
مجلة شهرية متخصصة في مجال البناء والتشييد والعمران، تضمن العدد الرابع عشر الصادر في أغسطس ۱۹۹۷م إلى جانب الأخبار الإنشائية والإعمارية، حديثًا مصورًا عن مشروع شاطئ ومنتزه أبو حليفة الذي يتم تجهيزه خلال شهر أغسطس من العام المقبل ويحتوي على:
1. كوبت ماجيك وهو مبنى مصمم على شكل قصر عربي زينت واجهته بالزخارف والنقوش العربية والقباب الذهبية الرائعة، ويعتبر مركز الخدمات الترفيهية وبؤرة النشاط في المشروع.
2. القرية التراثية والتي ستخصص للتحف والمشغولات الشرقية بأنواعها.
3. قرية الأطفال وتهدف إلى توفير مكان ترفيهي بحري للعائلات وقد أخذ بالاعتبار تأمين سلامة الأطفال من الغرق.
4. الحديقة العالمية
5. مضمار السباق.
6. البلاج.
المراسلات باسم رئيس التحرير على العنوان التالي:
الكويت الرميثية ص.ب ٢٢٦٨٦ رمز بريدي 25557.
حديقة الأناشيد
أول برنامج من نوعه باللغة العربية على الوسائط المتعددة، أنتج ليلبي حاجات الأطفال التربوية والعلمية والثقافية في جو من المتعة والمرح، تجتمع فيه الأصوات العذبة والرسوم الجذابة والحركات اللطيفة والمعاني الراقية في باقة جميلة من الأناشيد والألعاب والمسابقات والأنشطة المسلية باستخدام أحدث وسائل التكنولوجيا المتطورة في العالم.
يمكن الحصول على هذا البرنامج من «الكندي للإعلام» على العنوان التالي:
@1996 Alkindi Media
P.O. Box 1061
Falls Church, VA 22041
(703) 386-4032
U.S.A
أو من وكيله العام في الكويت.
مؤسسة الدريب تلفون ۲۹۱۸۸۱۸ فاكس ٣۹۲۸۷۷۰ الفحيحيل-الكويت.
حصاد الفكر
يستهل عامه السادس بالعدد (٦١) الذي تمحور حول قضية فلسطين، وبخاصة البعد الاقتصادي لها ويبرز الموضوع تحت عنوان «استراتيجية إسرائيل الاقتصادية للشرق الأوسط».
ينتقل للحديث عن البعد الجهادي الذي يحدد مستقبل القضية إلى حد ما ضمن دراسة مستفيضة سلطت الأضواء على «حماس: الفكر والممارسة السياسية».
وعن تطور السياسة الأمريكية تجاه قضية فلسطين تركزت دراسة «فلسطين والسياسة الأمريكية من ويلسون إلى كلينتون»
في الجانب الموازي نقرأ عن «آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي»، وفي الوقت الذي يبحث فيه العقلاء عن منافذ الدخول إلى عالم الديمقراطية الواقعي نجد آخرين يتخذون من شرط الديمقراطية.
المراسلات: مركز الإعلام العربي القاهرة - الهرم. ص.ب ۹۳. ت ٠٢٨٣٣٣٦١
المحاكمة
قصة قصيرة
بقلم: د. مجدي الطويل
وقابلت الأم ابنها بعد طول شوق وانتظار.. المسافة طويلة إليك، وإني لأطيرها حتى أني أشعر أن سيارتي تطير معي.. قالتها الأم وهي تحتضن ابنها الذي كان على ما يبدو من أحاسيسه أن لا يبادلها نفس الحرارة.. أهلاً بك يا أمي لقد وحشتني جدًا.. إن عندي كثيرًا من الأسئلة لألقيها عليك، إني اختزنها وأراجعه وأراجعها وأحيانًا أتصورك وأنت تردين عليها، وأحاورك في الإجابة وقاطعته الأم وهي مبتسمة ونادته باسمه برفق: يا أحمد يا حبيبي أنا لك اليوم بطوله حتى الغروب، وردد المقطع الأخير وهو حانق.. حتى الغروب.. حتى الغروب يا أمي، إلا أنال من مشاعرك إلا «حتى الغروب» بضع ساعات فقط بينما تعطين هذا الفن ليلك ونهارك.. أه يا أحمد لقد دخلت في الحوار أليس كذلك... نعم.. قالها بحزم وهو ينظر إلى أمه التي اكتسى وجهها أحاسيس قلقة مضطربة.. ها قد بدأنا من جديد.. إنه دائم التحدي لي ولعملي ولا يعترف به.. لا أدري لماذا يخوض في ذلك؟ لماذا لا يتمتع بالثروة بالحياة بالشباب؟ إني أضع تحت تصرفه ملايين، ولكنه قابع في هذا المكان لا يغادره أبدًا.. قابع في هذه المدينة لا يبرحها وكأنه يخشى أن يراني معه الناس.. لماذا يا أحمد... لماذا؟
أمي.. ليس من الصعب الإجابة على هذا السؤال.. قولي لي.. في فيلمك الأخير أمسك بك المختطف واحتضنك واعتصرك وخلع قطعة من ملابسك.. لمن فعل هذا؟ كف عن الحديث معي بهذه الطريقة.. إنه لم يفعل بي شيئًا من ذلك لقد فعل ما فعل بياسمين البنت التي أحبها وعندما لم ينلها اختطفها.. هذه قصة لا تمثل حياتي.. إنها مجرد قصة.. عمل.. فن.
يا أمي.. فمن الذي فعل بها المختطف ما فعل؟ ألم يكن هذا الجلد جلدها وهذه الشفة شفتها، وهذا الشعر شعرها، والصدر الذي ارتمى تحت صدره ألم يكن هذا الصدر؟
أنت لا تفهم شيئًا في الفن.. بعد هذه اللقطة أعود أنا الفنانة فاتن، كما كنت ويعود المختطف الفنان حميدو كما كان وينسى كل منا ما فعله في اللقطة، ويكون الحديث بيننا فنيًا خالصًا.. إننا ننقل هذه المشاعر إلى الناس ليكرهونها مثلما كرهتها.
وفي لقطات أخرى تنقلون مشاعر حلوة إلى الناس تجعلون الناس يحبونها ويشتهونها ويتمنونها.. يا أمي إنك لا تتورعين حتى عن لقطات في الفراش باسم الفن.. أي فن ذلك.. رجل وامرأة على فراش يلتف حولهما مخرج وفنانون آخرون يهيئونهم لأحاسيس داعرة فاجرة لتنقل للناس باسم عمل مقدس تسمونه الفن.. وتحت هذا المسمى تنسحق إنسانية الممثل والممثلة والفنانون، والناس الذين سيرونهم بعد ذلك، والآلاف من الشباب الذي سيفعل مثلما شاهد.. أي فن ذلك؟! أي عمل... أي نقود تكسبينها من وراء هذا العمل؟! إني أبغض هذا العمل الذي تتركينه يعبث بك.. رغم أني أحبك فأنت أمي التي أتمنى لها الجنة.. وأدعو لها في صلاتي ليل نهار، ولولا طمعي في ذلك ما كنت أنا هنا اليوم.. وما كان هذا الحديث..
يا بني.. قالتها ثم انفجرت باكية.. أنت تهذي وتخلط الأوراق خلطًا... أمك شريفة.. أقسم بالله أنه لا يلمسني أحد.. منذ وفاة والدك.. عشت لك ولفني.. كل قطعة فنية تخرج على الأفلام الخام هي قطعة من روحي وأحاسيسي أهديها للناس.. إنها لغة العصر تلك التي تبكي الناس وتفرحهم تدعوهم إلى الإلهام والطموح وتهبط بهم إلى الفجور والانحطاط.. ولكني أؤدي رسالة إلى الناس.. فكل أفلامي تقول في مجملها جملة شريفة تدعوهم إلى الأخلاق والشرف.. والذي تراه بين دفتي الفيلم لقطات تحمل السعادة والحزن والشهوة والدين والعمل والهم، والنشاط، والضياع والانحطاط.. كل صور المجتمع يراها الناس ليتعظوا بالقصة فلا تعود بنت لنفس الفعلة مرة أخرى، ولا يعود شاب لذلك العمل الذي يراه مرة أخرى.
ولكنك يا أمي تسحقين نفسك وترمين نفسك في النار رميًا.. من أجل هذا الهدف النبيل.. إن السارق يسرق ليُعلم أولاده فهل هذا عمل نبيل.. كيف تختلط الأمور عليكم هكذا.. هل سألتم أنفسكم عن شرعية العمل الذي تؤدونه هل هو عمل مشروع... عودي إلى الوراء يا أمي إن معظم من عمل بالفن هرب من عائلته، وتبرأت منه العائلة ومنهم ومنهن من أمات أباه أو أباها بحسرة.. اقرئي قصص من يسمون أنفسهم بالفنانات الأوائل.. هذا كله دخيل علينا وعلى الشريعة الإسلامية.. إن الأهداف النبيلة التي تريدين توصيلها للناس من الممكن توصيلها بالدعوة إلى الحياة الإسلامية الأصيلة بالوسيلة إلى الجنة... بالعمل الصالح.. بالصلاة والصوم والزكاة.. هل فكرت يا أمي في أداء العمرة أو الحج لتكوني في البيت أمام رب البيت عارية المشاعر كما خلقك الله أول مرة.. لتري نفسك دون أضواء وتمثيل ومخرج وفنانين يعبثون بك كما يشاؤون من أجل تجارة رخيصة وربح وفير من دماء الناس وشرفهم ودينهم؟ أنا على استعداد للذهاب معك... واختلي بنفسك هناك ولن أؤثر عليك... وبعدها نتناقش ونتحاور ربما للمرة الأخيرة.
ونظرت إليه.. يئست من الحوار معه.. أو من منطقه.. وفكرت لماذا لا توافقه وترى ماذا يحدث لن تخسر شيئًا، بل تكسب أجر العمرة.
وقالت له نعم.. دعنا نخطط لذلك... وهيا نوقف هذا الحديث.. كلمني ماذا تفعل هنا، وكيف تسير دراستك؟
وأخذ يجاوبها وهو يشعر في حلقه غصة لم تتركه منذ زمن طويل.. منذ أدرك أي حياة تعيشها أمه وأي حياة يجب أن يسلك.. كيف يرمي تراثًا رائعًا من القرآن والسنة وراء ظهره من أجل فن أمه.. فليذهب هذا الفن للجحيم.
ومرت الأيام..
وحدث والدته بالتليفون ليذكرها أن إجازة نصف العام قادمة وليذكرها بما اتفقا عليه، وقالت له إنها لم تنس.. وقد خططت لذلك... وذكرها أنها يجب أن تنوي عمرة للرحمن خالصة لوجه الله وألا تخبر أحدا بذلك قط حتى لا يطاردها بائعو الأخبار والصور، فعاهدته على ذلك.
وانطلقت بهما الطائرة على مجرى المطار.. ثم حلقت في السماء... وحلقت أفكارهما.. كل في فضائه.. وما هي إلا ساعات معدودة حتى كانت الكعبة الشريفة أمامهما.. واستقبلاها بالبكاء الشديد.. إلا أن أمه كانت غزيرة البكاء.. لا تدري كيف بكت كذلك.. إنها لا تستطيع إيقاف البكاء حتى باتت تلفت إليها الأنظار.. لقد تجمع كلام ابنها مع ما تعرفه عن حقائق أهل الفن المليئة بالمجون والعربدة والفجور باسم العمل المقدس في عقلها دفعة واحدة.. واستشعرت أن الصدق يكمن في حديث ابنها، وأن هذا الفن وما وصل إليه يسحق الفنانين والفنانات سحقًا.. يدمرهم ويحولهم إلى دمى يلعب بها التجار ويتاجرون بها كما يشاؤون تحت غطاء فني شيطاني.. يحمل معاني غريبة شاذة.. تذكرت يوم أعاد المخرج لقطة على الفراش عشر مرات.. حتى أنها لتشعر أنها بين أحضان زوجها، وهكذا شعر الممثل أيضًا.. حتى قامت من بين أحضانه في خجل شديد والمخرج يصفق لها على ماذا؟ وبكت... بكت.. بكت انهارت باكية.. وقضت العمرة.. ثم مكثت طوال اليوم في الحرم تنظر إلى الكعبة واجمة صامتة... إنها تشعر أنها تدمر عالم داخلها وتبني عالمًا آخر.. لقد شعرت بالفراغ بعد أن كانت لياليها وأيامها تحت الضوء.. ما بين استديو وحفلة واتفاق ومناقشة عقد ومذاكرة للدور، وحوار حول أبعاده، ولقاء صحفي يجلس فيه الصحفي تحت أقدامها وهي تتحدث إليه. أين هذا كله هنا؟! وأين هذا بعد سنوات عندما تعرف حقيقتها وتنفرد بها.. إنها إنسان في النهاية... لماذا خلق وما طريقه وتدفقت الأسئلة على رأسها الصغير حتى يكاد ينفجر.. وشعرت بأنها بحاجة إلى ابنها، ولكنه تركها.. كما وعدها.. وشعرت هي بالحاجة إليه. لقد فتح لها ابنها عالمًا آخر.. إنه عالم غامض يجب أن تقرأ عنه.
وأخذت من ابنها زادًا من هذه الكتب تسمع عنه لأول مرة.... وأمسكت بالمصحف.. تقرؤه إنها لا تفهم منه شيئًا.. ولا تستطيع قراءته.. وجلس معها أحمد يقرؤه لها ويُعلمها كيف ترتله.. إن به جمالًا ساحًرا.. إن له نفس أثر الكعبة والبيت والمسجد والصفا والمروة... إنه من عند الله سبحانه وتعالى، يجب أن أعرف هذا العالم.. وانكبت على القراءة في الحرم المكي والحرم المدني.. وبكت أمام قبر الرسول كثيًرا بعد أن قرأت عن جهاده الشريف في نشر هذه الدعوة.. وأحست أنها قد حاريت هذا الدين كثيراً.. وأن عليها أن تكفر عن كل هذا.. عليها أن تتوب وأن تطهر مالها.. ودعاها أحمد إلى ميراث أبيه الذي لم يبدده... فقد كان حلالًا والحمد لله.. وأيدت ذلك على الفور.. وانتهت الرحلة بسرعة أكبر من تحصيلها لكل شيء... وعادت إلى المطار بوجه غير الوجه الذي ذهبت به... وتحدثت الصحف عن حديث الساعة.. اختفاء الفنانة فاتن.. مصيبة فنية.. اعتزال الفنانة فاتن مصيبة إنسانية.. تحجب الفنانة فاتن.. ثم تحدثت الصحف وتحدثت وتحدثت.. ولكن الفنانة فاتن أصبحت التائبة فاتن تعيش مع ابنها في مدينة من مدن الصعيد.. مدينة زوجها وابنها.
رحلة في أعماق التاريخ
شاء الله أن أقابله وألتقي به فإذا الكآبة تعلو محياه، والحزن تطفر به عيونه سألته: من أنت؟ فوجهك مألوف لدي، أجابني بدمعة سكبها أنا تاريخ أمتك المسكينة، ومجدها التليد.. قلت وقد دهشت ما بك وأي حزن أنت فيه وأي وجه وجهك أين ابتسامتك أين إشراقتك؟ أين.. أين.. أين؟
قال بصوت يملؤه الحزن: سألتني فلابد أن أجيب... أخذ بيدي وفي طائرة الماضي حجز مقعدي، وحلقت بنا الطائرة تاركة وراءها يومي وغدي، لتصل إلى زمان غير زماني، وعصر غير عصري، رأيت في ذلك العصر وجوهًا نيرة متوضئة، وقلوباً يعمرها الإيمان، وعقولاً يسيرها الإسلام في كل خطوة من خطوات الحياة، ولك أن تتخيل جمال حياة سيرها الإسلام، فكأنما هي وردة متفتحة داعبتها قطرات الندى في صباح جميل... نعم لقد رأيت الإسلام كائناً يمشي على الأرض، رأيت فتوحات أمتي وعزها ومجدها يوم أن كانت تتربع على عرش البسيطة، وتسير حياة الناس وفق الفطرة الإلهية والإرادة الربانية، رأيت رجالاً ولكن غير رجال عصري وشباباً غير شباب جيلي، ونساء غير نساء زماني رأیت أقواما لم يكن فيهم من يضلل شعبه ويخون أمته ولم أر فيهم من يحارب دين ربه وشرعته، ولم أر فيهم من يلهث وراء المال أو الجنس ليشبع شهوته، ولم أر فيهم من خلعت جلباب الحياء ومزقت خمار الفضيلة لتمضي في درب الدنس والرذيلة.. ما رأيت إلا عصرًا تتدفق أخلاقه من نبع الإسلام الصافي لتنبت ذلك النبات الطيب الحسن الذي ينمو ويترعرع ليصبح واحة غناء يتفيأ الناس ظلالها، دخلت بعدها دوامة كبيرة من الأفكار مقارناً بين ماضي أمتي المشرق وحاضرها المحاصر بالظلام، ولم يخرجني من تلك الدوامة إلا صوت صاحبي «التاريخ» عندما قال: لقد حان موعد رحيلك إلى عصرك وزمانك، فهل عرفت الآن يا صديقي سبب حزني وهمي أطرقت قليلًا ثم عانقته وودعته والدموع رقراقة والقلب تفطر على حال أمتي.
ذلك هو عصر نبينا وحبيبنا وقدوتنا عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام الذين ساروا على نهجه وتبعوا طريقته فكانوا هم السادة والقادة ولهم على عدوهم الريادة.
كم تاقت نفوسنا أن نرى أحلامنا واقعًا نعيشه فتكون لنا الظل الوارف في حمأة غربة الدين، ومعينًا نرتشف منه، ولكن تظل تلك أمان تمنيناها حالت بيننا وبينها أياد عبثت بكرامة الأفراد ومقدرات الشعوب لتخرج الإنسان من إنسانيته، وتحيله إلى هواء وكم فارغ إلا من الآلام والأكدار.
محمد العيسى
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل