العنوان المجتمع الثقافي (1469)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2001
مشاهدات 59
نشر في العدد 1469
نشر في الصفحة 50
السبت 22-سبتمبر-2001
قصة قصيرة
لمسات رهف
أم حسان الحلو (*)
ما يربو على الألف فتاة يقفن دامعات باكيات شاكيات متألمات، بأيديهن باقات ورد جميلة، وأكاليل زهور يانعة، وهدايا عطور وبطاقات.
ربما شككت يومًا بقدرة طالباتي في التمييز بين الصواب والخطأ، لكني لم أشك يومًا بعدم مقدرتهن على التسيير بين الفرح والألم كشكي في هذه الساعة!! هكذا أخبرت السيدة مجيدة «مديرة مدرسة الرياحين الثانوية» فأجابتها إحداهن:
- يبدو أن طالباتنا بحاجة إلى إجازة حداد! وقالت أخرى: أو إلى حفلة وداع!
ابتسمت السيدة مجيدة وقالت:
- وما الذي مزج حاجتهن لفرح الحفل مع حاجتهن لزمن الحداد؟
أجابت أخرى:
- هذا ما خبأه قرار نقل الآنسة «رهف» من مدرستنا!
التفتت السيدة مجيدة نحو الآنسة رهف ونظرت إليها نظرات محبة حزينة وقالت مداعبة:
- من فضلك يا عزيزتي.. يا «حبيبة الجماهير» هدئي من روع طالباتك!
ابتسمت الآنسة رهف وقامت برشاقة وسارت خطوات قاصدة «موقع إذاعة المدرسة» وقبل أن تمسك بمكبر الصوت امتدت يد السيدة مجيدة فأخذت المكبر ووقفت منتصبة القامة أمام طالباتها، ثم ركزت نظرها صوبهن آملة منهن أن ينضبطن كعادتهن كل صباح، لكنهن لم يأبهن للموقف لأنهن غارقات في همومهن، فحدثت نفسها قائلة:
- مصيبتي ليست أقل من مصيبتهن، إنما يجب علي أن اضبط الأمر.
رفعت صوتها.. تريد أن تصدر للطالبات بعض الأوامر، لكن صوتها تحشرج وترجرج مما ضاعف انفعال الطالبات، ثم تقدمت الآنسة رهف بوجهها القمري واستجمعت قواها، واستطاعت أن تقول عبارة يتيمة:
- الفراق يا بنياتي من سنن الحياة.. ثم اختنق صوتها وغاب.
وكان صباحًا حزينًا كسيفًا إذ عجزت جميع المدرسات عن جعل الطالبات يصغين السمع لحديثهن، وأشارت عقارب الساعة إلى أنه قد أزف الرحيل يا رهف فهيا لوداع طالباتك المحبات الحبيبات.
كانت كلما صافحت إحداهن تذكرت أفكارها وأهدافها ومستواها العلمي وأمنياتها، و... ثم حاولت أن توصي الوصية المناسبة للطالبة المناسبة وكانت كلماتها القليلة الرقيقة العميقة المختلطة بدموعها تزيد من أسف طالباتها على فراقها وحرصين على تنفيذ وصاياها، وكانت كل واحدة تقول لنفسها أمرًا، فمن قائلة: ستصبح مدرستنا بعدك جدرانًا صماء حاوية، وأخرى: لا أدري كيف أحب المدرسة بعد فراقك.
ثم أقبلت الطالبة «رجاء» التي بدت منفعلة أشد الانفعال وهي لا تكاد تقوى على المشي، لشد ما أحزن الأنسة رهف بكاء رجاء ونحيبها وتوجعها، وبيد أرجفها الحزن وهدها البكاء قدمت رجاء بطاقة دامعة للآنسة رهف كتبت عليها:
معلمتي الحبيبة.. أستاذتي الفاضلة.. وقدوتي الوقورة.
سلام عليك كلما بدا كوكب، سلام خالص صادق من قلب أسمى الله محبًا، ولم يكن من قبل كذلك، فقد كانت الطالبات تحبك، وكنت أخشاك.
وكن يقبلن عليك.. وكانت أعرض عنك، وكن مجتهدات مثابرات.. وكنت مهملة.
کنت كلما رأيتك أتوقع أن أسمع منك تجريحًا أو تأنيبًا لأني كنت أحاول استفزازك بكل الأساليب لإقناعك باليأس من إصلاحي.
لكن شيئًا مما كنت أتوقع لم يحدث منك، لا تصريحًا ولا تلميحًا، لأنك كنت تعلمين وتعملين وتنظرين وتعمدين وترحمين من قمة عليائك.
وكنت أنهل من فيض الطمأنينة عندما كنت تشرقين علينا كشمس الصباح الوادعة بابتسامة واثقة مشرقة، تبدد هموم القلب وتضيء عتمة الليل، والله لم أكن بحاجة إلى صدقة أكبر من حاجتي إلى هذه الصدقة التي أشار إليها الحديث الشريف «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، بل إنني لم أدرك مغزى ومعنى هذا الحديث الشريف إلا من خلال بسمتك الصباحية المشرقة التي كانت صدقة مضاعفة على أهل المدرسة جميعًا.
في البدء كنت أسمع منك الآية أو الحديث فلا أكثرت لذلك، إنما سلوكك هو الذي غرس مبادئك في قلوبنا.
ومرت الأيام، وربما مر عام عندما بدأ شعوري بالحياء منك يتنامى ويزداد.. فأصبحت أقوم بعمل «أي عمل» دون أن يخطر ببالي نظرة أحد سوى نظرتك الثاقبة.
وأصبحت أخشى أن تصطادني نظراتك أو تغتالني كلماتك، وحدث ما كنت أخشاه يوم أن ضبطتني خلف المدرسة، ومعي مجموعة من الطالبات نقهقه ونتحدث عن... كانت معالجتك رقيقة وكلماتك دقيقة، مما زادني خجلًا من نفسي واحتقارًا لها، وأقسمت أن أجاهد نفسي كيلا أعود إلى ما كنت عليه.
لقد كان لكلماتك أثر عجيب، لأنك ملأت فراغ قلمي ووقتي، حدثتني عن الله، وعن الحياء منه، فحللت عقدة قصتي قبل أن أعقد حياتي ولم أكن أعقل، فلقد كنت أوشك على الغرق، لأني ربما كنت حية تسعى، وكان هو ثعبانًا مبينًا، وحين امتدت يدك الطاهرة أخذة بيدي إلى الله، أحييتني بعد موات وأنعشتني بعد هلاك.
لقد أحببتك وأحببت الخير فيك فأحببت الخير کله ولزمت الدعاء المأثور:
اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يوصلنا إلى حبك.
فارتفعت وترفعت آملة «بالفرش المرفوعة» عند أصدق القائلين.
وبعد رحلتي معك أدركت أنني كنت أجري بعيدة عن السعادة ظنًا مني أني أغرف من بحارها، وأعرف على أجمل أوتارها، وكان لذلك بعض المظاهر.
كنت أظن أن سعادتي تتحقق باتباع خطوط «الموضة» ولما سكنت قلبي أيقنت أن سعادتي تكمن في اتباع أوامر الله بارتداء الزي الإسلامي الجميل.
وكنت أبحث عن سعادتي بسماع الأغاني الهابطة ومحاولة تقليد أصوات أصحابها، فقد كانت أحلامي محدودة مقصورة بأن أصبح مغنية أو ممثلة شهيرة، ولما سمعت آيات الله من فمك الطاهر أيقنت أن سعادتي لن تكون إلا بعد تدبر آيات الله وتفهمها والتغني بها.
وكنت أبحث عن سعادتي بجلوسي الساعات تلو الساعات كي ألتهم ما تعرضه الشاشة الصغيرة، ولما تجلت قدوتك الناصعة أمام ناظري تلاشت وتطايرت تلك الصور الداكنة التي كنت أحلم بها وأراها الآن «كوابيس الماضي».
معلمتي الحبيبة
يشهد الله أن أيامك معنا أحيت قلوب الكثيرات منا، ومن مثلك يا غاليتي يستطيع أن يغرس في صحراء القلوب والأفكار بذور ربيع أخضر يانع؟! بارك الله خطواتك أينما حللت وحيثما رحلت.. وعزاؤنا الدعاء الذي كنت ترددينه على مسامعنا:
اللهم ارحم جهلنا بلطيف تدبيرك
أخيرًا أستاذتي الكريمة..
اسمحي لي أن أطبع قبلة على يدك الطاهرة، اعترافًا بعلمك الجليل وعطائك الجزيل.
المحبة التي لن تنساك:
طالبك رجاء
طوت الأنسة رهف الرسالة بين أناملها ثم رفعت يديها داعية:
اللهم تقبل منا صالح أعمالنا وتجاوز عن سیئها يا أرحم الراحمين.
(*) عضو رابطة العالم الإسلامي.
إصدارات
الكتاب: إذاعة الصباح المدرسية
هذا الكتاب يقدمه مؤلفه للمعلمين والطلاب على اختلاف مراحلهم الدراسية تحت عنوان «إذاعة الصباح المدرسية»، نظرًا لما لهذه الإذاعة الصباحية من تأثير وتوجيه وتشجيع إذا ما استغلت استغلالًا جيدًا، واجتهد القائمون عليها في بث أفضل ما حصلوا عليه من معلومات وأفكار وطرائف، فمن حيث التشجيع تدرب الطالب على الإلقاء وتشوق المستمع من الطلبة إلى الإمساك بالميكروفون في يوم من الأيام إذا لاقي من مدرسه التوجيه اللازم والتشجيع الكافي.
ومن حيث المعلومات ترسخ في ذهن الطلبة بعض المعلومات وتصحح لهم معلومات أخرى ربما لا يتسنى تصحيحها في مجالات غير هذا المجال.
ومن حيث المفاهيم والأفكار تبلور بعض الأفكار والمفاهيم وتقربها إلى العقول الناشئة بوسائل وأدوات متعددة، منها المسابقات والأقوال والحكم، ومنها الحوارات القصيرة الهادفة، ومنها الأناشيد الجماعية، ومنها التركيز على الأخلاق والقيم مثل: الصدق – الوفاء - بر الوالدين - الشجاعة – والإقدام – الشهادة – الجهاد - الجيد والكرم - الإنفاق في سبيل الله... إلخ.
كل هذه الأهداف التي ترجو أن تحققها أو تسهم في تحقيقها الإذاعة المدرسية احتوتها صفحات هذا الكتاب بشيء من الإسهاب والتوضيح والأمثلة العملية، مما يرشحه ليكون منهجًا ملائمًا لإذاعة الصباح المدرسية حيث إنه لا يخطر بالبال فقرة مناسبة أو حكمة جميلة أو قول رشيد إلا وفي الكتاب ما يملأ هذه الثغرة ويشبع تلك الرغبة.
المؤلف: حيدر مصطفى
الناقد الإسلامي د. عودة الله منيع القيسي: أصحاب الفكر الآخر يرفضون الأعمال الإسلامية من منطلق فكري لا فني
• النقاد في معظمهم يميلون إلى الأحكام العامة، وقلما يلجأون إلى النقد الموضوعي الذي يهتم بتحليل النص
• نجيب محفوظ روائي كبير فنيًا.. لكنه منحاز في رواياته إلى نمط من أنماط الحضارة الغربية وإلى عقيدة من عقائدها
• الأديب المسلم لا ينكر جمال الفن في بعض أدب المجون والضلال ولكنه يرفضه فكريًا وعقديًا
حوار: محمد شلال الحناحنة
جاء لقاؤنا بالناقد الأردني الدكتور عودة الله القيسي الذي له حضور متميز في الساحة الثقافية من خلال ندوة أدبية له بعنوان: «منابع الشعر» عقدتها رابطة الأدب الإسلامي العالمية في مكتبها الإقليمي في العاصمة الأردنية.
والقيسي أستاذ جامعي لديه ثراء في اللغة، وفي نقد أدبها والغوص إلى مكنوناته كما لديه جرأة في الطرح، وقدرة متميزة في التحليل والمتابعة، وقد أثارت آراؤه الكثير من الحوارات والشجون التي أفضى لـ «المجتمع» ببعض منها حيث قلبت معه شيئًا من أوراقه الخاصة.
• ما رأيك بالقول إن النقد الأدبي التطبيقي ما زال متعثرًا أمام النص الإبداعي؟
أولًا: أقول: مضمون سؤالك صحيح فالنقاد – في معظمهم – يميلون إلى الأحكام العامة، وقلما يلجأون إلى النقد «الموضعي» الذي يهتم بتحليل النص إلى عباراته وجمله إلى جانب الإلمام بأفكاره العامة، وهم يميلون إلى الأحكام العامة لأنها أسهل، فالحكم العام لا يتطلب دليلًا تفصيليًا يحتاج إلى تحليل عقلي مقنع، يقول مثلًا: «القصيدة ذات عاطفة صادقة» ثم يصمت فلا يقول لك أدلته! ولا بد من أدلة من اللفظ وأدلة من المعنى وإلا فإن الحكم يظل كلامًا عامًا لا يعلم ولا يربي الذوق، ولكن الناقد المتمكن الذي حبي عقلًا محللًا وقرأ الروائع النقدية ومارس النقد طويلًا يستطيع أن يبين للقارئ من خلال التحليل السبب أو الأسباب التي دفعته لحكمه.
• هل لك أن تضرب مثلًا على صدق العاطفة الذي ذكرته آنفًا؟
الأشعار التي تدل على صدق العاطفة كثيرة جدًا، فكل الشعراء الكبار من امرئ القيس حتى أحمد شوقي في العصر الحاضر ثلاثة أرباع شعرهم تُبنى على عواطف صادقة لأن الألفاظ لا يلقيها العقل المبتوت الصلة بالوجدان، وإنما يسر بها الوجدان إلى العقل، والألفاظ التي تنبعث من الوجدان تدل على صدق العاطفة، لأن الوجدان «وليس العقل» هو موطن العاطفة الصادقة، والعقل الإنساني «المسطح» لا يستطيع أن يلقي بألفاظ ذات دلالات متعددة أو مستويات من الدلالة متعددة، وإنما الذي ينبعث عنه ذلك، إنما هو الوجدان «المعقد»، أما ترى إلى الناس قد تُفحم كثيرًا منهم بأن الإسلام هو أصح العقائد الموجودة بين البشر، ومع ذلك يبقى على دينه لا يغيره «إلا على سبيل الاستثناء»؟ وما ذاك إلا لأن الذي يحرك الإنسان ويبني قناعاته إنما هو الوجدان وليس العقل، ولذلك قال أبو العلاء المعري:
وما دان الفتى بحجى ولكن
يعلمه التدين أقربوه
ومعنى البيت أن الفتى «الإنسان عامة» لا يتدين عن طريق قناعته العقلية «والحجى: العقل» وإنما يتدين بدين ما عن طريق قناعاته الوجدانية، ونعلق على ذلك بقولنا: لأن الطفل والصبي لا يكون عقل كل منهما ناضجًا وإنما يكون فؤاده مستعدًا استعدادًا كافيًا لتقبل الإيحاء، إنه كالإسفنجة التي تمتص الماء الذي يسقط عليها، أو كالمرآة التي تستقبل كل صورة تسقط عليها، سواء أكانت جميلة أو قبيحة، أو كالشريط المسجل الذي ينطبع عليه الكلام الجيد كما ينطبع عليه الكلام الرديء.
• يزعمون أن كتابك «أنماط من الحضارة الغربية في روايات نجيب محفوظ» فيه الكثير من التعصب الذي يخرجه من النقد البناء، فكيف ترد على ذلك؟
أولًا: نجيب محفوظ قلد الرواية الغربية كغيره من الروائيين العرب، لأن الرواية فن غربي، تأثر به الروائيون العرب منذ العقد الثاني من القرن العشرين، ولعل أول رواية ظهرت في اللغة العربية إنما هي رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، وذلك في العقد الثاني من القرن الفائت، ثم تبع هيكلًا الروائيون الآخرون ومنهم نجيب محفوظ، فقد قلد في رواياته التاريخية «والتر سكوت»، وأفاد في رواياته التي تقوم على نظر فلسفي من تكنيك الرواية عند جيمس جويس وعند «فرجينيا وولف»، فقد استعمل تكنيك تيار الوعي الذي برع فيه هذان الروائيان في مثل رواياته «اللص والكلاب، والطريق والشحاذ».
ثانيًا: ولكن عندما تنتقل الإفادة من العموم إلى الخصوص، أي من تقليد الإطار العام إلى تقليد خصوصيات في غربي بعينه، في شكله وفي مضمونه، فإن الأمر يختلف، لأن ذلك لا يعد اهتداءً بصورة عامة لفن غربي لعدم وجود صورة له في الأدب العربي.. وإنما يصبح «اندغامًا» بهذا العمل الأدبي شكلًا ومضمونًا، ولن يكون هذا الاندغام إلا إذا كان الروائي «يتقبل» النموذج الحضاري الذي أفرز هذا العمل الأدبي، بما يتضمنه من مفاهيم وأنماط سلوك، وهذا ما كان عند نجيب محفوظ في روایته «میرامار» فقد قلد فيها «رباعية الإسكندرية» للروائي الأيرلندي الأصل «لورنس ديريل»، قلده في الشكل والمضمون بل وقلده في المكان، فكل من الروايتين تجري حوادثها في الإسكندرية.
ثالثًا: المفهوم اليوناني للقدر: معروف أن القدر في الإسلام لا يعوق حركة الإنسان ونشاطه لأنك لا تعرف قدرته إلا بعد وقوعه، مما يجعلك تفكر وتخطط وتعمل وأنت مطمئن أن هذا واجبك، أما النتائج فموكولة إلى الله تعالى، وينطبق على ذلك قول أبي تمام الشاعر العباسي المشهور:
لأمر عليهم أن تتم صدوره
وليس عليهم أن تتم العواقب
أما القدر اليوناني «والفرعوني كذلك» فإنه معطل للحركة محبط للإنسان، يمثل ذلك مسرحية «أوديب ملكًا» فقد تنبأ العراف لأبي أوديب بأنه سيولد لك ولد يمتلك ويتزوج أمه، وقد ولد أوديب وقرر الملك أن يقتله فأعطاه لأحد الرعاة ليلقيه على قمة جبل، ولكن الراعي أعطاه لراعٍ من مدينة أخرى «دولة أخرى» فأخذه الراعي إلى ملك مدينته فربي عنده، وبعد أن شب انتقل إلى مدينة أبيه من غير أن يعرف أنه أبوه، وفي الطريق التقى بأبيه فقتله، ودخل المدينة بعد أن قتل الحيوان المفترس الذي كان يجثم على باب المدينة، وتزوج الملكة أمه، مكافأة له على قتله لهذا الحيوان، إذن القدر اليوناني يحدد مستقبل الإنسان سلفًا.
وهذا ما فعله نجيب محفوظ في رواية «عبث الأقدار» التاريخية، فقد قتل الفرعون على يدي الغلام الذي تنبأ الكاهن بأنه سيقتل الفرعون.
أليس هذا انحيازًا من نجيب محفوظ إلى نمط من أنماط الحضارة الغربية القديمة أو إلى عقيدة من عقائدها؟
رابعًا: لقد تمثل نجيب محفوظ في روايته «السراب» عقدة أوديب وعقدة «أورست» وهما من إفراز الحضارة الغربية، وكان أول من أطلقهما كمصطلحين على ميل الولد الجنسي لأمه وكراهته لأبيه، وميل الفتاة الجنسي لأبيها وكراهتها لأمها «سيجموند فروید».
أليس هذا انحيازًا للحضارة الغربية وقيمها؟
خامسًا: الثنائية البرغسونية: برغسون يرى أن هناك «تعارضًا» بين الجسد والروح، وبين الجسد والشعور، وبين الجسد والنفس، على حين أن الإسلام يرى أن هناك «تعاونًا» بين هذه الثنائيات.. فالجسم القوي يمد الروح بطاقة تستطيع أن تمارس بها أشواقها، والروح القوية تعطي معنويات عالية تبث في الجسم النشاط الذي يساعده على القيام بنشاطاته.
ونجيب محفوظ تبنى فلسفة برغسون بعيدًا عن الفهم الإسلامي لهذه الثنائيات، وذلك في روايته «الطريق».. فصابر بطل الرواية كان له عشيقتان إحداهما «كريمة» وهي التي تمنحه الجنس بعد منتصف الليل، وثانيتهما «إلهام» وهي التي تسمو به إلى آفاق الروح وسمو الشعور، والأولى تمثل شهوة الجسد، والثانية تمثل سمو الروح، وأنت ترى أن لا لقاء بينهما عنده!
فلا لقاء بين الجسد والروح، كما يرى برغسون لا كما يرى الإسلام!
أبعد هذه الأدلة يزعم أحد أنني كنت أكتب بتعصب بحيث يخرج كتابي من مجال النقد البناء؟ أليست هذه أنماطًا من الحضارة الغربية تنافي قيم الحضارة الإسلامية؟
نجیب محفوظ روائي كبير، ومع ذلك.. فقد كان من المستحيل أن يحصل على جائزة «نوبل» لولا هذا التوجه الغربي، واستجلاء أنماط الحضارة الغربية، ولهذا كان من أول الأدباء المعترفين بالكيان الصهيوني الذي هو وليد الغرب، ويسير في سلوكه وتفكيره على أساس أنماط الحضارة الغربية، إنه قطعة «طفيلية» من الغرب زرعت في قلب العالم الإسلامي.
• أنت من كتاب الأدب الإسلامي في الأردن، لكن هناك من يقول إن رموز هذا الأدب ترفض الآخر ولا تتسع لإبداعه من منطلق فكري بعيد عن الجمال الفني الأدبي، ما حظ هذا القول من الصحة؟
أولًا: أصحاب الفكر الآخر يرفضون أعمالنا الأدبية من منطلق فكري لا فني، الأستاذ يوسف العظم من الشعراء المعروفين في الأردن، وشعره لا يقل في جماله عن هؤلاء الشعراء الذين حصلوا على جوائز تقديرًا لإبداعهم، ولكن لم يحصل على جائزة.. لا من منطلق جمالي وإنما من منطلق فكري شاهرًا رمحه، فلماذا لا نعامل هؤلاء الأدباء كما يعاملوننا؟
ثانيًا: الله تعالى هو الذي وجه الأديب المسلم أن يرفض الأدب الملحد مهما كان ذا فن رفيع، أما قال الله تعالي ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ﴾ (سورة الشعراء آية 224 إلى 226) ثم استثنى فقال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾ (سورة الشعراء آية 227).
هذا يعني أننا لا ننكر جمال الفن في بعض هذا الأدب، والدليل على ذلك أني اعترفت في الجواب السابق أن نجيب محفوظ روائي كبير «من ناحية فنية» ولكننا نرفض الفكر وأنماط السلوك القائمة عليهما معظم رواياته وأننا – الأدباء المسلمين – نعترف بأن أبا نواس الشاعر العباسي شاعر كبير من ناحية فنية فهو يستوي مع أبي تمام والبحتري وابن المعتز من ناحية فنية، ولكننا نرفض معظم شعره من ناحية فكرية بل قل عقائدية لأن معظم شعره معرض للفجور والفسق والمجون.
بل لا ننكر جمال الفن في مثل هذا الأدب، ولكننا نرفضه فكريًا وعقديًا كما وجهنا إلى ذلك قرآننا الكريم، ولا نقبل أن ينشأ عليه أبناء المسلمين، أما عندما يكبر الشخص ويتكون وجدانه فلا مانع من أن يطلع على هذا الأدب.. إن رغب في ذلك.. لأنه في هذا الحالة يكون «ناقدًا» وليس «متلقيًا»، والأوجه أن يبتعد المسلم العادي عن قراءة هذا الأدب.. فله في الجمال الفني للأدب الإسلامي ما يغنيه عما في هذا الأدب الضال من جمال فني، أما الأدباء والمفكرون فلهم أن يطلعوا على هذا الأدب وأن يبينوا عيوبه!
ثالثًا: من باب الاستنتاج الفقهي القريب المثال أن ما ينطبق على الشعر في الآيات الكريمة السابقة ينطبق على سائر الفنون.. من قصة ورواية ومقالة أدبية ومسرحية ورسم ونحت وتصوير وأناشيد وغيرها، فما جاء انبثاقًا من التصور الإسلامي قبلناه وشجعنا على الاستمتاع بجماله والإفادة من توجهاته، وما جاء مناقضًا للتصور الإسلامي بغضناه، ودعونا المسلمين إلى الابتعاد عن تصفح هذه الفنون ﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ (سورة الكافرون آية 6)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ﴾ (سورة آل عمران آية 73) ومن الإيمان لمن تبع ديننا الإسلامي الاطلاع على ما ينتجه الإسلاميون من أنواع الفنون، لأنها هي التي تقوم على هدى الله الذي هو الهدى، وما عداه فضلال وانحراف وبوار!!
• أین تضع مجموعتك القصصية «يوم الكرة الأرضية» في سلم القصة الإسلامية؟
أعتقد أنني بنيت قصصها كلها على أساس التصور الإسلامي، لأني لا أحمل في قلبي وعقلي إلا هذا التصور، والتصور الإسلامي هو تصور إنساني يستوعب أفراح الإنسان وشجونه المتصلة بالحياة والكون في ظلال التصور الإيماني القويم.
وبعد: فإن الحكم الأخير ليس لي وإنما هو للناقد الفني للأعمال القصصية، ولكن للناقد الإسلامي وليس للناقد المنحرف عن التصور الإسلامي الذي يعميه ضلاله عن قول الحقيقة.
وليس من طريق يوصل إلى خير الدارين، في الفن وفي الحياة إلا طريق الحق: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ (سورة يوسف آية 108).