العنوان المجتمع الثقافي (1493)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1493
نشر في الصفحة 50
السبت 23-مارس-2002
قصة قصيرة
«بأي ذنب قتلت؟! »
علاء محمد الصفطاوي
جلس مع زوجه يتبادلان أطراف الحديث..... كانت نظراته تدل على حبه لها وتقديره إياها.. فهي بالفعل عظيمة... وقفت بجواره... تحملت معه أيامًا عصيبة... فما أظهرت ضجرًا ولا أبدت ألمًا.. فهي تعيش معه المأساة بأبعادها.
قال لها: أبشرك بالجنة.
تبسمت ثم قالت: هل أطلعت الغيب؟
قال: لا، ولكني أقول ذلك مصداقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة فرضها وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها ادخلي الجنة من أي أبوابها الثمانية شئت».
قالت: بشرك الله كما بشرتني.
مال ناحية اذنها وهمس فيها: ألم يئن الأوان لكي تنجبي لنا بنية جميلة؟
دعك من هذا الموضوع.... فأنت تعلم ضيق العيش... وقسوة الحرمان.
بتفاؤل ويقين: لا تحملي هم الرزق... الرزق بيد الله.
ونعم بالله ... هذه حقيقة.
أفهم من ذلك أنك وافقت على ما أريد؟
أنت تعلم أني لا أستطيع أن أرفض لك طلبًا.
قبل جبينها وهو يقول... نعم.... صدق رسول الله عندما قال: «الدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة».
ومرت الأيام.... وبدأت بشائر الحمل تظهر عليها.
نظرت لزوجها وقالت: سبحان الله... هذه المرة لا أشعر بالآلام التي كنت أشعر بها من قبل.
أبشري يا نور العين.
بماذا؟
ببنت جميلة تملأ البيت بهجة وسرورًا.
وما أدراك أنها بنت؟
يقولون إن حمل البنات أسهل من حمل البنين؟
ليس في كل الأحوال.
لدي إحساس قوي أنك ستلدين بنتًا.
أدعو الله أن يحقق لك ما تحلم به.
خرج الزوج إلى عمله الذي يدر عليه قروشًا قليلة... ولما حان وقت عودته.... لم يأت.... بدأ القلق يسيطر عليها.... زادت نبضات قلبها... كانت تنظر إلى عقارب الساعة من حين لآخر... شعرت بحركة غريبة تدور حولها... خرجت تستطلع الأمر... وجدت شيخًا شاب شعره وانحنى ظهره... سألته:
ماذا يحدث يا عم؟
صدام بيننا وبين يهود... إنها انتفاضة جديدة ... ثم عقب قائلًا: أمر مألوف.
باستغراب ولماذا؟ ألم يخبرونا أننا في زمن السلام وأننا ويهود أبناء عمومة... وأن زمن الحرب قد ولى وانتهى.
تبسم الشيخ ثم قال: لا تنخدعي يا بنيتي - فهي شعارات لا حقيقة لها على أرض الواقع .... ألا تعرفين يهود؟
(بغيظ) أعرفهم..... وأعرف تاريخ آبائهم وأجدادهم.... ولكن لماذا وقع الصدام هذه المرة؟
ألم تسمعي الأخبار... فقد قام السفاح شارون بتدنيس المسجد الأقصى الشريف.
شارون... ذلك الخنزير .... ألم يكف ما فعله في صبرا وشاتيلا؟
هؤلاء لن يهدأ لهم بال، ولن يستقر لهم قرار إلا إذا اجتثونا من فوق الأرض... ليحققوا حلمهم الكبير إسرائيل من النيل إلى الفرات، ولن يتحقق لهم ذلك - بإذن الله - قالها الشيخ ثم مشى.
نظرت إلى الشباب والأطفال وهم يتجهون يمنة ويسرة والحجارة في أيديهم.... رفعت بصرها إلى السماء ودعت ربها: اللهم نصرك الذي وعدت..... اللهم اجعل الحجارة في أيديهم حجارة من سجيل.
دخلت بيتها وقد أيقنت أن زوجها يشارك في الانتفاضة... وضعت يدها على بطنها... ثم أطرقت تفكر في الغد الآتي ثم قالت: هل سترى أيها الجنين أباك؟
سمعت صوت الباب وهو يفتح... وجدته أمامها.. أقبلت نحوه مسرعة.. أمسكت يده وقبلتها .. ثم قالت: أين كنت؟.. لقد تأخرت؟
كنت أشارك إخواني في الانتفاضة.
متى نتخلص من هذا الوباء؟ إنه كابوس مزعج.
عما قريب.. إن نصر الله آت.
لكن هل سنعيش حتى نرى الأقصى وقد حرر.
إن شاء الله.. انظري.. ها هم الشباب يحملون الحجارة يواجهون بها دبابات العدو.... لا يخافون الموت.... ألم تسمعي عن كتائب عز الدين القسام الذين أفزعوا اليهود وجعلوهم يعيشون في رعب هذا الجيل - يا زوجتي - هو جيل النصر المنشود إن شاء الله.
أدعو الله أن يطيل عمري حتى أرى ذلك اليوم... فهذا الكيان الغاصب سرطان في جسد الأمة.... ولن نرتاح إلا إذا استؤصل.
صدقت....
أظنك جائعًا.. دقائق وأجهز لك الطعام.
لا.. لا.. ارتاحي... سأقوم أنا بتجهيزه.... أعلم أنك في أيام الحمل الأخيرة.
لقد تعودت على تعب الحمل وآلامه...
همت أن تذهب للمطبخ، لكنه أقسم عليها أن تجلس مكانها.. ودخل المطبخ... وهو مشغول بإعداد الطعام... سمع أنات ألم خافتة.. أسرع نحو زوجته وجدها شاحبة الوجه... متلهفًا خاطبها:
ماذا بك؟
ردت عليه بصعوبة ألم ينتابني من حين لآخر.
هوني عليك.. إنها آلام الوضع.
أخذها إلى المستشفى... وهناك أخبروه أنها على وشك الولادة، وخارج غرفة الولادة كان يرفع أكف الضراعة إلى الله أن يكتب لزوجته السلامة..... فتح المصحف وبدأ يتلو.
مرت لحظات ثقيلة.. وفجأة سرى إلى سمعه صراخ وليد... تهللت الدنيا من حوله.. رقصت الفرحة في نفسه.
وخرج الطبيب والبشر يظهر على محياه.
خيرًا يا دكتور؟
أبشر ... وهبك الله بنتًا كالقمر المنير.
وزوجتي.
بخير والحمد لله.
سجد لله شكرًا ... أطال السجود ... وما كاد ينتهي من سجوده حتى سبقته قدماه إليها (ودموع الفرح ترطب وجنتيه): حمدًا لله على سلامتك.
سلمك الله من كل سوء.
نظر إلى المولودة وقال: الله أكبر... إنها في جمال أمها.
ولكن عينيها في جمال عينيك.
وبعبارات غلفها الحب.. وزينها السرور، قال لها: ماذا نسميها؟
قالت الزوجة طبعًا .. إيمان. سنسميها إيمان.
ملأت السعادة الغرفة.. وهما في غمرة سعادتهما، قبل جبينها وهو يهمس في أذنها: أتركك في رعاية الله.
إلى أين؟
أنت تعلمين.
الله معكم .. كان دعاؤها يخرج من بين شفتيها محفوفًا بكل ما في قلبها من الحب لزوجها ودينها ووطنها.
عادت إلى بيتها ... عاشت أيامًا قلقة....كان الخوف يغشاها: أيعود؟ أيستشهد؟ وفي ثقة وإيمان ولهفة تضم طفلتها إلى صدرها وقلبها يدعو لزوجها.
بلغت إيمان شهرها الرابع وملأت البيت بحبوها وصراخها وضحكاتها، كانت سعادتهما بها تملأ قلبيهما انشراحًا وصفاء.
وكعادته خرج الأب ليواجه خنازير اليهود.... في طريق عودته نظر من بعيد ... جحظت عيناه... سبقت اللهفة خطواته أين بيتي؟ أين بيتي...؟ وجد زوجته قد أصابها الذهول .... وهي تضم أولادها الثلاثة تحت جناحيها ... انكفأ يقلب أولاده .... ثم صرخ أين إيمان؟.. أين إيمان؟
عقد الحزن لسانها وانهمرت دموعها.
ثم أجابت بكلمات متثاقلة تبللها الدموع ويلفها الحزن العميق: استرد صاحب الوديعة وديعته.
صرخ ماتت.. ماتت إيمان.. خارت قواه..... جثا على ركبتيه...
وضع رأسه بين يديه.. بكى بكاء شديدًا.
رفع رأسه.... سألها: أين هي؟
في المستشفى.
أسرع ناحية المستشفى والغم يكاد يقتله، أدخلوه الغرفة التي وضعت فيها.... كشف الغطاء عن جسدها الطاهر وجدها قد أصيبت بجرح نافذ في بطنها.. احتضنها.. ظل يقبلها: إيمان. ابنتي.. لماذا قتلوك؟.. لماذا قتلوك؟
وهو في خضم همومه.... شعر بید تربت على كتفه تواسيه نظر خلفه وجد رجلًا يحمل مولودة خرجت لتوها من رحم أمها.
- سأله ابنتك.
- نعم إنها إيمان.
لا تيأسن
شعر: علي يعقوب سلامة
قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.
يا قلب مالك لم تعد تتألم تلقى المصائب ضاحكًا تتبسم
أترى تشابهت الأمور بفهمنا أم أنها في عصرنا لا تفهم
أتراك تدرك ما جرى أم أننا قد صار يجمعنا طريق مبهم
كم أرقت عيني ألف مصيبة وأراك رغم مصائبي تترنم
أرأيت قومي قد تفرق جمعهم كل له حزب يصول ويحكم
هذا يساري وهذا ضده وأخو العروبة بالعروبة يقسم
ولعل أكبر تهمة في عصرنا أن يزعم الواشون أنك مسلم
يا قلب إن الليل أرقني فهل لليل حبل بعد ذلك يُصرم
زعموا بأن الليل يأتي بعده فجر يُشتت ملكه ويهدم
لكن شعر الرأس أقبل فجره والليل ليل بالظلام ينعم
قال الفؤاد ولم يزل متعجبًا من يأس نفس خالها تتألم
أو لست تؤمن أن ربك واحد وهو الذي في كوننا يتحكم
وهو الذي إن شاء شاء لحكمة لا أنت تدركها ولا أنا أعلم
لا تيأسن إذا رأيت منازلًا هدمت وغابت عن سمانا الأنجم
لا تيأسن إذا رأيت مشانقًا نصبت وفارقت الرقاب جماجم
لا تيأسن فلست أول من بكي كلًا وجرحك وحده لا يكلم
أو لست تؤمن أننا قد نبتلي وكذاك كان محمد يتألم
أو لم يحاربه بنو أعمامه أو لم يهجر صحبه ويقاوموا
ودماؤه سالت لتحيا أمة بأبي وأمي أي شيء أعظم
أو لم يبت في الغار يدعو ربه ودموعة عن حاله تتكلم
أو ما رأيت الشعب حيث تحجرت في الكافرين نوابض ومكارم
ثم انجلى ليل الهموم وأقبلت أنوار صبح الخير لا تتلعثم
هي لحظة قلبت موازين الأمور فلا يرى للكافرين معالم
أين الذين تحزبوا وتجمعوا وتمردوا وتفرعنوا وتعظموا
لم يبق إلا المسلمون أعزة ولواؤهم للعالمين الأرحم
ولسوف يعلم من أشاد سجونهم كيف القيود أمامهم تتحطم
ولعل من يبكي على أحزانهم سيسر بعد، ولن يدوم الظالم
ولقد رأيت الشر يأتي بعده فجر يعيد ضياءنا ويلملم
فاصبر أخي حتى ترى رغم العدى نور الهدى قد جمعته عزائم
وإذا تعانقت السيوف بساحة فلسوف تلقى الصابئين هزائم