العنوان المجتمع الثقافي- العدد (1508)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2002
مشاهدات 56
نشر في العدد 1508
نشر في الصفحة 50
السبت 06-يوليو-2002
تخطت شوقي ضيف للمرة الثالثة على التوالي:
قصص جوائز الآداب .. والدسائس التي تتحكم فيها
معايير الجوائز.. مناصرة العلمانية والحداثة والقطيعة مع التراث!
صلاح رشید
انتاب الوسط الثقافي في مصر والوطن العربي الذهول، بعد ظهور نتيجة جوائز الدولة التقديرية في الآداب لهذا العام، فقد ذهبت لمن لا يستأهلون، وتخطت قامات وهامات رجال الأدب والنقد والإبداع، وأصبح معيار الفوز بجوائز الأدب هو الميل للعلمانية، والدفاع عن الحداثة، ومناصرة قصيدة النثر والشعر الحر والعداء التام للأصالة والتراث، وهو ما ظهر جليًا في السنوات الخمس الأخيرة.
فقد فاز بالجائزة الدكتور عبد القادر القط «٨٥ عامًا»، أستاذ الأدب العربي بآداب عين شمس الذي رحل مؤخرًا، في حين تم تجاهل عطاء وإنتاج أستاذ الأجيال الدكتور شوقي ضيف «۹۲ عامًا» - رئيس مجمع الخالدين بالقاهرة للمرة الثالثة على التوالي، بلا سبب واضح، سوى أنه من تيار المحافظين المدافعين عن دوحـة الأدب والشعر الموزون، وعن الإبداع الملتزم، وعدم اعترافه بالشعر الحر ولا بقصيدة النثر، لذلك لم يغفر له القائمون على الجائزة ذلك التوجه، وتلك الحرارة التي تفيض بها كتاباته تأطيرًا، وتنظيرًا، وتأريخًا للأدب العربي الرصين.
وقد أصبح مألوفًا أن يفوز بالجائزة الصحفي أنيس منصور صاحب الكتابات عن الأشباح والأرواح، الذي لم يكتب أي دراسة أدبية، وأن يفوز بجائزة الدولة التقديرية في الأدب شاعر العامية عبد الرحمن الأبنودي، وهو ما يمثل هدمًا للغة العربية، واعترافًا بالشعر العامي على حساب شعر الفصحى، الذي لم يعد يشغل حيزًا في بال أو ذاكرة المجلس الأعلى للثقافة بمصر.. ويأتي هذا كأول اعتراف من المؤسسة الرسمية الثقافية بالزجل وشعر العامية.
ويؤكد الدكتور شوقي ضيف في تصريح خاص لـ«المجتمع» أنه لا يشعر بأية غضاضة أو حزن لعدم فوزه بالجائزة نظرًا للمعايير المغلوطة والمقاييس المنحرفة والاختيارات العشوائية والتقييمات الظالمة من قبل الجهات المشرفة عليها خاصة بعد ظهور الأصابع التي تتلاعب بالأدب والثقافة في مصر، وتحاول أن تفرض ثقافتها الغربية على المجتمع، عن طريق التحكم في جوائز الدولة، والضغط على من يخالفهم بعدم منحه إياها أو توجيه إنذار له لكي يغير من توجهاته الفكرية والثقافية إذا ما أراد أن يفوز بها، وإلا فإن التخطي هو نصيبه المحتم مشيرًا إلى أن العلمانيين والحداثيين باتوا يهيمنون على أمر الثقافة والأدب في مصر، عن طريق المنع أو المنح والترغيب أو الترهيب.
أما الدكتور عبد العزيز حمودة -أستاذ الأدب الإنجليزي بآداب القاهرة- فيؤكد أن الصحافة ووسائل الإعلام شنت حملة قوية ضد هذا الظلم الواضح، والتحيز الأعمى للأدب الرخيص، والكتابات غير المفهومة المليئة بالسم لقتل كل ما هو أصيل، ولذلك فإنه لابد من وقفة قوية في وجه الحداثيين الذين يتحكمون في الثقافة بمصر، لا سيما بعد فضح الحداثة على قارعة العالم، وثبوت تمويلها من قبل المخابرات الأمريكية بعد ظهور كتاب الباحثة الأمريكية ستوندرز بمصر هذا العام بعنوان «الحرب الباردة الثقافية.. قصة المخابرات المركزية الأمريكية مع الحداثة»، وورود أسماء كبار الحداثيين في الغرب الذين تلقوا رشاوى وأموالًا نظير الدعاية الرخيصة والفجة للحداثة، والقصص التي أزكمت الأنوف في المجلات والصحف العربية مثل «شعر» اللبنانية وحوار المصرية، اللتين كانتا معولًا في يد المخابرات الأمريكية.
أما الدكتور الطاهر أحمد مكي، فيرى أن هذه الظاهرة تعتبر شيئًا طبيعيًا، نتيجة إفرازات مرضية تصيب الحياة الثقافية، وتملأها بالمحسوبية والشللية والمجاملة، ولهذا، فاز بجوائز الدولة الكبرى أسماء لا ناقة لهم ولا جمل في الأدب والنقد، بل إن مسوغات ترشيحهم وفوزهم لا تتعدى كونهم من أصدقاء القائمين على لجان المجلس الأعلى للثقافة بمصر، ومن يميلون بتوجهاتهم إلى الغرب فقط، ومن يحاربون كل فن جميل وأصيل وهو ما رأيناه جليًا في السنوات الأخيرة، بل لا أغالي إن قلت إن السنوات المقبلة ربما تشهد ما هو أشد فجاجة وخطرًا مما نراه حاليًا، وساعتها سيكون الأدب الرفيع.. «بيضة الديك» التي لا نجد لها أثرًا ضمن جوائز الدولة بعد الحرب السافرة المعلنة من الحداثيين على الأصالة.
فيلم «الستار الأحمر» التونسي.. التحرر بمفهومه المنحل
عبد الباقي خليفة
أثار فيلم «الستار الأحمر»، للمخرجة التونسية رجاء لعماري ردود أفعال متباينة بعد عرضه في عدة دور سينما بتونس وتساءل الكثير من النقاد والمعلقين عن فحوى الرسالة التي أرادت لعماري إيصالها للمشاهد، واعتبروا الفيلم أحد الأعمال التي تحاول إبراز الظواهر الشاذة في المجتمع التونسي، أو بتعبير أحدهم الراسبة في قعر المجتمع والتي تمثل استثناء لا قاعدة حيث لاتزال أسس القيم في أعماق الناس وقد مثلت المخرجة «۳۰ سنة» بفيلمها «الستار الأحمر» إضافة لنزعة التحرر بمفهومها المنحل فبعد فيلم «عصفور السطح» للنوري بوزيد، وعدد من الأفلام التونسية التي تركز على محاولة إثبات ترسخ الرذيلة في تونس أو بتعبير أحدهم «نحن هكذا والفيلم لم يزد على إلقاء «الضوء على المستور»، بعد ذلك تظهر مخرجة من نفس النوع لتضيف إسقاطًا آخر وتقلب المجتمع التونسي رأسًا على عقب فيصبح القعر طافيًا بينما يظل أصفى ما في الضمير الجمعي للأمة تحت الركام.
قصة الفيلم: يعرض «الستار الأحمر»، قصة امرأة في الأربعين من عمرها بدون زوج يصيبها الضجر من الوحدة تبحث عن مخرج لأزمة وحدتها وتقودها خطاها إلى ملاهي الليل وهناك تمتهن الرقص ومنادمة الخمر ورجال الملاهي وينتهي بها المطاف إلى تزويج ابنتها من عشيقها حيث اتبعت البنت خطى أمها وأدمنت الليل بدورها. ويهدف الفيلم إلى دفع الأمهات إلى مصير بطلة الفيلم حتى تتحرر بناتهن!! حيث تفرح البنت بتغير سلوك أمها من المحافظة إلى (التحرر) بعد أن كانت تأمرها بعدم الخروج من البيت إلا لضرورة!
الفيلم مستوحي من مسلسل أمريكي معروف سقط فيه شاب في حب الأم وابنتها لكن المخرجة تقول إنه من بنات أفكارها! وتقول «إن القصة خيالية ولكنها مستندة إلى الواقع المليء بالظاهر والباطن، المحافظة الظاهريةوالانفلات في السر».
عملية استطلاع رأي قامت بها جهات محايدة أثبتت أن ٩٩% ممن شاهدوا الفيلم أعربوا عن صدمتهم، ونفوا أن يكون في عائلاتهم مثل ذلك النوع من الأمهات التي حاولت المخرجة إبرازه على أنه الواقع الموجود في تونس. وقالت طبيبة علم نفس: «اسألوني أنا كطبيبة أغلب اللواتي خرجن في الليل انتهى بهن المطاف إما في السجن أو المصحات العقلية.. لا تصدقوا أكذوبة التحرر المسموم».
المدافعون عن الفيلم رفضوا التحدث عن البعد الأخلاقي للفيلم وقال أحدهم إن «الحديث عن الأخلاق مخيف وقال إن المجتمع يريد أن يحاصرنا في قوالب أخلاقية» وهو الذي تحدث قبل ذلك بقليل قائلًا: «نحن هكذا»، فإذا كان مجتمعه هكذا، فأي مجتمع يريد أن يحاصره في قوالب أخلاقية كما قال بينما راح يمجد الراقصة الأم التي لم تنحن في أحد مشاهد الفيلم ولم تقبل أقدام رجل رفضها، وسمى ذلك قوة شخصية بينما الحقيقة . هي أن المجتمع يرفض فيه الرجل أن يتزوج من مومس بل من راقصة، والذين يقبلون بذلك أعدادهم قليلة ومحدودة وهم من نفس النوع وقالت ممثلة عربية شاركت في الفيلم إن «الراقصة الأم وجدت مكانًا للتعبير عن ذاتها وإنها حققت شيئًا في حياتها لأنها استطاعت أن ترقص وتمتهن الرقص في الكباريهات فهل هذه هي الصورة الجديرة بالمرأة العربية المسلمة، راقصة في الكباريهات وقد اختارت المخرجة معظم شخصياتها من داخل الملاهي، ورغم أن الراقصة التي تقمصت دور الأم ذكرت أن دورها في الفيلم لايزيد على كونه تصويرًا لحياتها العادية، إلا أن الممثلة التي أدت دور البنت قالت إنها ترفض في حياتها الخاصة أن تكون زوجة لعشيق أمها بل رفضت أن تكون من بنات الملاهي وقالت «أديت دورًا في فيلم. وفي حياتي الطبيعية لا أقبل ذلك».
خطورة رسالة الفيلم
وقد أثيرت في ندوة عقدت بتونس أخلاقية الفيلم والرسالة التي يؤديها. ورغم تركيز المنتقدين للفيلم على أنه دعوة للانفلات، وأنه لا يليق أن يعرض بشكل يصور المجتمع التونسي على أنه صناديق من الزبالة، إلا أنهم لم يتطرقوا للبعد التصديري للفيلم لما وراء الحدود، وخاصة للغرب حيث تسهر مؤسسات -لاسيما في فرنسا- على عرض صورة مدنسة للمجتمعات العربية لاسيما المغرب العربي، وإزالة الاعتقاد لدى كثير من الغربيين بأن لدى الشرق ما يقدمه للعالم في مجال الحياة الإنسانية والروحية فرغم التخلف في كثير من الأصعدة هناك في الشرق يسود اعتقاد لدى الغربيين الذين أقدم كثير منهم على اعتناق الإسلام بأن الشرق لايزال محافظًا على القيم والطهارة ويغبطونه عليها ويرون فيها خلاص العالم من التعفن النفسي والسلوكي. ومن هنا نفهم الاحتفاء الذي تبديه مؤسسات غربية بالمرتدين والعلمانيين الذي يتعرون أمام الغرب ويظهرون مجتمعاتهم كمجموعة من الهمج والساقطين والمبتذلين مجتمعات دعارة بدون قيم ولا أخلاق ولا مروءة ليكونوا وهم سواء.
واحة الشعر
يوسف الأحلام
شعر: د. أحمد حسبو
أجل، قد تراني بوجه نضرْ *** ولكن قلبي - أسى . ينفطرْ
فبئس الحياة إذا المرء عاش *** بليد الشعور بها لم يغرْ
شارون يغتال أحلام قومي *** يعربد فيها ولا ينزجرْ
فيا للضعاف من المسلمين *** بدنيا الظلوم الغشوم الأشرْ
ويا لليــــــتـــــــامي ويا للثكالى *** يفتشن بين الورى عن «عُمرْ»
ينادين فينا وما من مجيب *** ودمع العيون حوى ألف سرْ
أما فيكم اليوم من «خالد» *** و«معتصم» لا يبالي الخطرْ!!
فمسرى الرسول بكم مستجير *** بحق الأحاديث بعد السورْ
فمــــــــــاذا تقولون لله لما *** يسائل يوم الحساب العسرْ؟
فناموا ففي النوم حلم جميل *** وخلوا لنا نحنُ هم السهرْ !!
****
ستبقى المواسم نهب الجناد *** ب تسطو إذا غاب عنها القمرْ
إذا الطفل لم يلق من يفتديه *** فيا موت زرنا ولا تنتظرْ
ويارب عذرًا على ما اقترفنا *** حنانيك يارب يا مقتدرْ
نعوذ بوجهك من عيش ذل *** وعاقبة المنتهى في سقرْ
نعوذ بوجهك من أن نعاقر *** صمتًا، وندمن هذا الخورْ
نعوذ بوجهك من أن يحل *** عقـــــــــــــابك فينا ولا نذكرْ
نعوذ بوجهك من حال يأس *** وأنت مؤيدنا فانتصرْ
إذا الليل أبطأ فوق الروابي *** فمن رحم الليل طلق السحرْ
****
لخمسين عامًا نلوك الحروف *** ونصنع منها قرى مؤتمرْ!!
منحنا فلسطين مليون وعد *** لتحرير مسرى نبي البشرْ
ولكنها اليوم قد حررتنا *** على يد صبيتها بالحجـرْ
هو النصر آت على كف طفل *** له المجد ينسج صبح الظفرْ
فـــــبــــــوركت يوسف هذا الزمـــان *** تحقق حلمًا لنا منتظرْ
وتزرع فوق الوجوه ابتسامًا *** وتمسح عنها غبار الحفرْ
وتهطل في أرضنا غيث خير *** يطارد هذا الجـفاف العكرْ
وترجع أقصاك حرًا عزيزًا *** فليس سواك لـه مـدخـــــرْ
العلمانية في الغرب محايدة.. وفي العالم الإسلامي معاندة
قراءة في كتاب « التطرف العلماني في مواجهة الإسلام» للدكتور يوسف القرضاوي
أصدر المركز المغاربي للبحوث والترجمة في لندن كتاب التطرف العلماني في مواجهة الإسلام للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي، يقع الكتاب في ۲۰۷ صفحات من القطع الكبير.
يتحدث د. القرضاوي فيما قبل المقدمة كما عنون لها عن موضوع الكتاب الذي قال إنه جاء استجابة لتكليف من الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، بأن يكتب في موضوع الإسلام والعلمنة وكيف أنه تردد في ذلك بسبب وجود كتاب له بعنوان: «الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه»، يسرد وقائع مناظرة شهيرة حصلت بمصر مثل فيها مع الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- التيار الإسلامي وكان فؤاد زكريا ممثلًا عن التيار العلماني لكنه ركز في كتابه الذي بين أيدينا على العلمانية المتطرفة ذات المخالب والأنياب التي تفترس الإيمان والإنسان في بلدين «تجسدت فيهما هذه العلمانية الشرسة التي أسفرت عن وحشيتها وكشرت عن أنيابها».
لذا يؤكد الكاتب أن أشرس معارك الإسلام الفكرية اليوم هي معركته من العلمانية والعلمانيين، داعيًا رجال الفقه والعلم الشرعي إلى اليقظة حتى لا تستمر مقاليد الأمور أو أزمة الحياة -كما سماها- بيد العلمانيين الذين لم يكتفوا بتغريب الوطن الإسلامي، بل نادوا بتجفيف منابع الدين في كل مصادر التوجه والتثقيف.
وقد استطاع القرضاوي بأسلوبه السهل وحجته القوية أن يظهر تهافت المتهافتين من العلمانيين في عالمنا الإسلامي، ويعد كتاب التطرف العلماني في مواجهة الإسلام خلاصة لما كتبه في نقد العلمانية وبيان عوارها وفسادها، مع إضافات كثيرة قيمة لم يسبق أن احتواها كتاب من كتبه الرائدة في مجال الثقافة الإسلامية.
الصدام بين العلمانية والإسلام تريد العلمانية من الإسلام أن يقنع بركن أو زاوية له في بعض جوانب الحياة ولا يتجاوزها، ولا يتعداها، وهذا تفضل منها عليه، وهذا يأباه الإسلام، لأن الأصل أن تكون الحياة كلها له بلا مزاحم أو شريك. فعلى الإسلام كما ترى العلمانية أن يقنع بالحديث الديني في الإذاعة والتلفاز، وأن يقنع «بالصفحة الدينية» في الصحيفة في يوم الجمعة وأن يقنع «بحصة التربية الدينية» في برامج التعليم العام، وأن يقنع بالمسجد في مؤسسات المجتمع، وأن يقنع بوزارة الأوقاف في أجهزة الحكومة عليه أن يقنع بذلك، ولا يمد عينيه إلى ما هو أكثر من ذلك، بل عليه أن يزجي من الشكر أجزله للعلمانية التي أتاحت له أن يطل على هذه النوافذ، أو تلك الزوايا، والإسلام بطبيعته يرفض ذلك، يرفض أن يكون مجرد ركن في الحياة وهو موجه الحياة وصانعها، ويرفض أن يكون مجرد ضيف على العلمانية، وهو صاحب الدار. ومن هنا يصطدم الإسلام بالعلمانية.
الثابت والمتغير في الدين والحياة:
وتحت عنوان «ثبات الدين وتغير الحياة» يرد القرضاوي على شبهة العلمانيين القائلة بذلك. موضحًا أنه «ليس الدين كله ثابتًا ولا الحياة كلها متغيرة»، وعن الثابت والمتغير في الدين يقول: «فمن ثوابت الدين العقائد»، أما الدائرة القابلة للتجدد والمرونة في الدين فيصفها بأنها «الدائرة الأكبر والأوسع، وربما تصل إلى نسبة ٩٩% من أحكام الشريعة، وهي دائرة مرنة قابلة للتجدد والتطور ويدخل فيها الاجتهاد بأقسامه المختلفة الانتقائي والإنشائي والكلي والجزئي والمطلق والمقيد».
الدولة الإسلامية المنشودة: ويعرض القرضاوي صورة الدولة المسلمة التي ننشدها. حيث إن «الصورة التي ننشدها للدولة المسلمة غير الصورة المعتمة التي يصورها العلمانيون»، وعن طبيعة الدولة المنشودة يقول: «نريد دولة تقوم على العلم وترسي دعائم الحضارة وتقتبس من الآخرين أفضل ما عندهم من العلم نريدها أن تستخدم أحدث أساليب الإحصاء والتخطيط، وأفضل وسائل الإدارة والتنظيم، وآخر إنجازات العلم والتكنولوجيا، وأن تستفيد من ثورات عالم اليوم الإلكترونية والفضائية والمعلوماتية والاتصالات، حتى تتبوأ مكانتها بين الأمم، لتكون كما أرادها الله خير أمة أخرجت للناس»، ويمضي قائلًا: «أما الصورة القائمة التي رسمها العلمانيون... فهي صورة لا وجود لها إلا في أذهانهم». وأوضح أن الدولة الدينية بمعناها الكهنوتي لا وجود لها في الإسلام، بل إن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية ترعى الأمة، وتقيم العدل بين الناس، وتمكن لدين الله في الأرض، ويكون الأمر فيها شورى بين المسلمين وتلك هي الدولة الإسلامية في تكوينها ووسيلتها وهي تعتمد في تحقيق أهدافها على الدعوة والتثقيف والتربية والتكوين والإعداد والتدريب والمكافأة والتأديب والعمل بالمصالح المرسلة وعلاج الفساد وقال: «إن الإسلام يرحب بالمرونة والتطور في الوسائل، على حين يقرر الثبات في المقاصد والأهداف».
ويسخر القرضاوي من العلمانيين الذين ظنوا أنه بمجرد استيراد العلمانية ستحل مشكلة التخلف والتأخر قائلًا: «بهذه البساطة حل العلمانيون مشكلة التخلف الحضاري والضعف الاقتصادي والانحطاط العمراني والتكنولوجي ولو كانت النماذج التنموية كالحلل الجاهزة لسهل الأمر وهان الخطب... الواقع أن العلمانية فرضت على أمتنا بقرارات فوقية لم تخترها شعوب هذه الأمة... ولهذا لم يتحقق التقدم والنماء المطلوب».
ثم يتساءل: «لقد حكمت العلمانية بلادنا العربية والإسلامية قرابة قرن من الزمان، فماذا جنت من وراء ذلك؟، وتحدث عن خطر استيراد الأنظمة الجاهزة، مستشهدًا بكتاب برنارد لويس «الغرب والشرق حيث كانت النتيجة قيام نظام سياسي لا صله له بماضي البلد ولا بحاضره، ولا صلة له بحاجات مستقبله».
العلمانية في البلاد الإسلامية: يقول القرضاوي: «لم يعرف الإسلام طوال تاريخه هذا الانفصام المشؤوم أو النكد كما سماه الشهيد سيد قطب -رحمه الله- بين الدين والحياة -بما فيها من علم وثقافة وقضاء وتشريع»، وذكر أن الذين تسلموا الحكم في ديار المسلمين بعد عصر الاستعمار المباشر هم «تلاميذ الاستعمار الذين صنعهم على عينه وأرضعهم لبانه ونشأهم في أحضانه»، ولذلك كانت أنظمتهم «تزاحم الإسلام وتطارده وتحاصره»، وضرب على ذلك مثلًا بنموذجين هما النموذج التركي، والنموذج التونسي، وعن الأول يقول: «كان من جراء هذا التوجه إلغاء الخلافة الإسلامية، وإنشاء دستور علماني مائة في المائة ١٠٠٪، وإلغاء التشريع الإسلامي والاستعاضة عنه بتشريع أجنبي مستورد يحل الحرام، ويحرم الحلال، فيبيح الزنى، ويحرم تعدد الزوجات، ويبيح الخمر والقمار والخلاعة ويحرم الطلاق، كما يحرم اللباس الشرعي على المرأة المسلمة، ويبيح لها الزواج بغير المسلم كما يسوِّي بين الذكر والأنثى في الميراث. و«علْمن» التعليم والتربية وعلمن الثقافة والفكر وحارب الثقافة الإسلامية حربًا لا هوادة فيها وكان من أدواته الجبارة في ذلك كتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية، وكانت تكتب بالحروف العربية، فعزلت بذلك الأجيال الجديدة عزلًا تامًا عن تراثها الثقافي، وألغي الأوقاف والمشيخة الإسلامية، وكل ما يمت للإسلام بصلة، وحتى الأذان في المساجد منع أداءه باللغة العربية وألزم بأن يكون باللغة التركية وكان من ثمرات العلمانية المرة في تركيا أن أدت إلى ثورة الأكراد التي كبدت الدولة التركية عشرات المليارات من الدولارات وعشرات الآلاف من الضحايا».
وذكر أمثلة من التطرف العلماني في تركيا ومن ذلك قضية النائبة مروة قاوقجي بحجابها الذي هز أركان العلمانية التركية العتيدة وزلزل قوائمها.
ثم ينتقل للنموذج التونسي الذي بدأ مع الحبيب بورقيبة الذي كان معجبًا أشد الإعجاب بمصطفى كمال، قائلًا: «لقد تبنت تونس علمانية متطرفة أول أعدائها الإسلام بعقائده وشعائره، وقيمه وأخلاقه، وقد أعلنت بوضوح وصراحة أنها تسير على فلسفة تجفيف منابع هذا الإسلام في حياة الناس واستشهد القرضاوي بمجلة الأحوال الشخصية التونسية التي أنشئت في 13 أغسطس سنة ١٩٥٦ أي بعد خمسة أشهر فقط من إعلان الاستقلال المغشوش في ٢٠ مارس ١٩٥٦م، والتي بدأ العمل بها في يناير سنة ١٩٥٧م، وقد دعت إلى منع تعدد الزوجات، وما رافق ذلك من تهجم على الشرع الإسلامي، وسن قانون التبني المخالف للشريعة الإسلامية وإلغاء المحاكم الشرعية وإغلاق الديوان الشرعي وتوحيد القضاء وإغلاق جامع الزيتونة الأعظم وحظر التعليم الشرعي فيه بموجب أمر عام وحل كل الأوقاف والأحباس الشرعية ومصادرتها والاستيلاء عليها وإحالة ملكية العقارات من دور وضياع ومزارع لذوي الجاه والسلطان والمتزلفة وتحويل بعض المساجد الصغيرة إلى مستودعات ومخازن والدعوة إلى تحريم صوم رمضان على الشعب التونسي المسلم والطعن في القرآن ووصمه بالتناقض، وتوقيع الحكومة التونسية على معاهدة نيويورك المتعلقة بحرية الزواج، وتسويغ زواج المسلمة بغير المسلم، وتحريم اللباس الشرعي على المسلمات بمقتضى المنشور ۱۰۸ ثم عرض في نهاية الكتاب خطط تجفيف الينابيع وطرق مواجهة الحركة الإسلامية في تونس واستشهد بما قاله مدير منظمة العفو الدولية من أن تونس أصبحت المثال الأعلى ليس فقط في انتهاك حقوق الإنسان، بل أيضًا في التحايل لإخفاء ذلك الانتهاك والظهور بمظهر المحافظ على تلك الحقوق!.
عبد الباقي خليفة
قراءة في مجموعة «الشيخ والزعيم»
يحيى بشير حاج يحيى
قرأنا للناقد محمد حسن بريغش كثيرًا من النقد، منذ كتابه «في الأدب الإسلامي المعاصر»، الذي صدر منذ عشرين سنة، مرورًا بما كتبه عن قصص وروايات الدكتور نجيب الكيلاني، إلى جانب ما كتبه عن أدب الأطفال وخصائص الأدب الإسلامي وقد أتحفنا قبيل عام تقريبًا بعمل إبداعي حاول من خلاله إبراز نظراته النقدية، وآرائه في القصة وعناصرها الفنية، وقد ضمت هذه المجموعة عشر قصص تدور موضوعاتها حول الغربة عن الوطن وغربة الروح والدعوة إلى تكريم الإنسان الذي تسحقه المدنية الجانحة ففي «همام وطبيب القلب» دعوة إلى ألا تحتل الآلة مكان الإنسان حتى لو استطاعت أن تشخص المرض، فهناك أشياء كثيرة تحتاج إلى الإنسان ومشاعره ولا تستطيع الآلة تعويضها.
وفي (توقفت الآلة الصغيرة) معالجة لفكرة السباق مع الزمن، وهدر ساعات الحياة من أجل ساعات العمل التي تزيد فيها أحلام اليقظة وطول الأمل.
وأما «تماثيل من شمع» فينطبق عليها المثل القائل ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك بالدخل!! وهي تصوير لما تعاني منه الإدارات والمؤسسات من كثرة الموظفين وقلة الإنتاج وما يؤدي إليه الاهتمام بالمظاهر على حساب العمل!
وفي «مباحثات رسمية» قصة رمزية يحكيها الجد لأحفاده عن الثعلب والذئب بعد مشاهدته في التلفاز الطاغيتين يتزاوران، فينتقل الكيد بينهما من الظهور إلى الخفاء!.
وفي «الشجر لا يموت إلا واقفًا» مشاعر تبرز في موت أم بمرض القلب، ووقع هذا الفقد على الأهل والجيران والذكرى الحميدة التي تتركها الفقيدة!.
وفي «من أوراق الدكتور سعد» شخصية غامضة محيرة لا يعرف لها مفتاح تأتي زيارة أحدهم لها، فيتبين في أثناء الخلاف أن سعادته لا يحمل تلك الشهادات التي خولته لأن يكون في هذا المركز ؟؟
وفي «الإجازة والغربة» حنين إلى الجذور. وإبراز للماضي في حلة جميلة تبدو فيها ملامح النزعة الرومانسية في العودة إلى الريف من خلال غربة الروح التي يحس بها المغترب وما يعانيه سواء في خاصة نفسه، أم في تعامله مع الآخرين.
وفي «الشيخ والزعيم» تصوير لأحد الزعماء، وهو يسعى لمقابلة شيخ جليل زار بلاده، وإفادته من هذا اللقاء تذكر بعلماء السلف وحكامهم.
وأما «الحلم والثعبان» فرمزية تصور تجسيد الفكرة «السراج» وتجمع المخلصين حولها، وابتلاها بالمتسلقين الذين يجذبهم ضوء السراج، ثم لا يلبثون أن يطمسوا وجه الفكرة، ويحرفوها عن مسعاها القويم في هذه المجموعة لا يفرض الكاتب على نفسه اتباع الطريقة المعروفة في بناء القصة «فإذا كان القاص المسلم لا يستطيع تجاهل العناصر الفنية التي اصطلح عليها الناقدون والدارسون والأدباء لهذا الفن، فإنه في الوقت ذاته مدعو لأن يخوض غمار تجربته الإسلامية في القصة بحرية وجرأة، لأن هذه العناصر التي عرفها أصحاب هذا الفن ما هي ! إلا اصطلاحات تعارف عليها الأدباء والنقاد في وقت ما، وهي أيضًا عرضة للتبدل والتغير والتطور».
«دراسات في القصة الإسلامية المعاصرة للكاتب»، وهذه النظرة لها ما يبررها عند آخرين فالقصة القصيرة تمتلك أشكالًا لا يتأتي حصرها.. إن لها من تعدد الأشكال والصيغ ما يمكن أن يكون مساويًا لعدد هذه القصص التي كتبت بحيث تصبح محاولة السيطرة عليها ضربًا من المستحيل.. وافتراض شكل واحد أو مهيمن ضربًا من الادعاء والتعميم «تقليب الحطب على النار - في لغة السرد - لسعيد مصلح السريحي».
وهو يرسم شخصياته من الخارج حتى إذا أتم إظهارها، لجأ إلى استبطان ما بداخلها، لتظهر المواسمة بين مظهرها وجوهرها . وقد يتحول الحوار إلى نقاش فكري عقلاني ينضج الفكرة، ويصل بها إلى الحل الذي يوحد ما بين الرؤية الإنسانية، والقناعة العقلية كما في قصة «همام وطبيب القلب».
ومع بعض اللمسات الرومانسية في الحديث عن الاغتراب والمعاناة في شقيها المادي «الخارجي» والنفسي «الذاتي» تظهر لغة الكاتب شاعرية شفافة تشير إلى معاناة حقيقية من خلال تجربة ذاتية، أو التفاعل مع حادثة لها علاقة ما بأحاسيس الكاتب بشكل أو بآخر.
صدرت هذه المجموعة عن مؤسسة الرسالة ببيروت ط١. ١٤٢١هـ/٢٠٠١م في ١٩٧ صفحة من القطع المتوسط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل