العنوان المجتمع الثقافي (1554)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 50
السبت 07-يونيو-2003
قبل الرحيل ... عليَّة الجعار تقول:
تمنيت أن أشتري مدفع آر بي جي لأحد المجاهدين في سبيل الله
محمود خليل
أثرت الشاعرة الإسلامية الراحلة علية الجعار، الحياة الأدبية والفنية الإسلامية بعطائها الغزير في مجالات الشعر والدراما والسيناريو والدعوة والثقافة الإسلامية، إلى جانب جهودها الدائبة في الأعمال الإغاثية والإنسانية في قضايا البوسنة وكوسوفا وفلسطين.. وغيرها من ميادين والعمل الإسلامي الرسمي والشعبي الموصول.
فقد ولدت الشاعرة الراحلة في أحد بيوت الدعوة، حيث كان والدها الأستاذ الشيخ محمد الجعار أستاذاً للفقه، والذي تقول عنه الراحلة الكريمة: «كان والدي أستاذي الأول، بالإضافة إلى الأستاذ الكبير البهي الخولي... حيث مثلا لي مدرسة تربوية متكاملة، لا أعدل بها مدرسة على وجه الأرض».
وكانت - رحمة الله عليها - تمثل ضلعاً أساسياً برابطة الأدب الإسلامي العالمية
بإسهاماتها الشعرية المميزة، وعكوفها على تجميع وتكوين فريق من الأديبات الداعيات، حيث أسندت إليها الرابطة هذه المهمة بدءاً من المؤتمر العالمي للأدب الإسلامي الذي عقد بإسطنبول في تركيا عام ١٩٩٦م.
قبيل رحيلها ... كنا في زيارتها بالمستشفى.. ومن مجموع ما دار بيننا من مناقشات.. كان هذا الحصاد.
● إلى من يرجع الفضل - بعد الله عز وجل - في هذه التربية المتكاملة وهذا التثقيف الإسلامي الأصيل؟
○ يرجع كما قلت لوالدي الذي أرشدني في بداية حياتي إلى أن أنهل من ينابيع الإسلام الصافية.. كما دلني على الكبار من رجالات الدعوة، فتربيت في أحضان الإسلام علماً وعملاً .. ولله الحمد، فقد تم اختياري في أسبوع
شباب الجامعات الأول عام ١٩٥٦م «الجامعية المثالية» .... وكنت قد كتبت أول نشيد الشباب الجامعات... وقدمته الجامعة في هذا العام.
ومن هنا .. فقد جاء التزامي والحمد لله... يسيراً طبيعياً دون تكلف أو تعسف.
●على الرغم من أن أجواء الجامعة في ذلك الحين... كان يغلب عليها الطابع الاشتراكي ...؟!
نعم.. وليته كان طابعاً فحسب، بل كان طغياناً ظالماً....ومن لم يكن اشتراكياً، كان يشك فيه من منافقي ذلك العهد، ومرت هذه الفترة المظلمة ليفيق الناس على الصبح الرهيب في نكسة ١٩٦٧م، ليكون ذلك الحصاد المر جزاء وفاقاً، لكل شعب ونظام يحاول أن يتربى في غير حضنه الطبيعي.. وهو الإسلام بالنسبة لنا ..ولكن... أحب أن أؤكد أن هذا الشعب متدين بفطرته.. مهما حاول المزيفون أن يزيفوا وجوده وشهوده. وبهذه المناسبة، أحذر الآن من« الطغيان العلماني» الذي يجر المنطقة إلى مصير أرهب وأصعب من الذي جرها إليه «الطغيان الاشتراكي» في ١٩٦٧م، ومن يريد أن يخدم دينه، ويحيا إسلامه، فلن تحول دونه حوائل أو تقف في وجهه صعاب مهما كانت.
● هناك جانب من حياتكم، ربما لا يكون معروفاً، بالقدر الكافي... وهو كتابتكم للسيناريو والحوار.. فماذا عن إسهاماتكم في هذا المجال؟
○ السيناريو فن قائم بذاته، يتطلب موهبة كبيرة تجمع في ثناياها القدرة على كتابة القصة، والمسرح، والتصوير، والتمثيل... إلى جانب المعرفة الكاملة بتقنيات الإخراج وفنياته الدقيقة.. وأنتهز الفرصة فأناشد كل صاحب قدرة أصيلة في هذا المجال أن يدفع بموهبته لسد هذه الثغرة الواسعة في حقل الأدب والفن الإسلامي... التي يملأها غيرنا بما عنده؛ لأننا لم نستطع أن نملأها بما عندنا.
وقد أسهمت بجهد المقل في هذا الميدان حيث قدمت مسلسلاً من ثلاثين حلقة للتلفاز المصري باسم «صور غريبة»، وهو عبارة عن حلقات منفصلة، تتناول كل حلقة منها موضوعاً منفصلاً، مع بروز خط درامي وفكري يجمع بينها جميعاً.
كما قدمت سباعية إسلامية عن «مصعب ابن عمير»، الداعية الشهيد، وقدمت كذلك «رياحين الإسلام»، لإحدى الشركات التلفازية الخاصة «٣٣ حلقة»، وقدمت كذلك «من نساء الإسلام»، وقد كتبت له السيناريو والحوار.
مع الفن الإسلامي
● ثمة عدد من الأسس الضرورية التي يجب على كاتب السيناريو والحوار التمثيلي أن يركن إليها، إلى جانب تمتعه بالرؤية الإسلامية الصحيحة، فكيف تنظرون إلى ضعف العديد من الأعمال الدرامية الإسلامية فنياً وإبداعياً؟
○ السيناريو.. فن قائم بذاته، يجب أن يتقن الكاتب المسلم كل جزئياته وأن يتضلع بحرفيته من موهبة فطرية رفيعة، والضعف الملحوظ على العديد من الأعمال الإسلامية يرجع في الأغلب منه إلى ركون الكاتب إلى شرف المضمون، ونبل الهدف... ومن ثم يقع البعض في وهدة المباشرة ... وأحياناً التكلف والصنعة.. فيخرج العمل ارتجالياً فجأً ... ومن هنا فإننا ننادي بالتالي:
١- التزود بالمهارات الحديثة، والدراسات الأكاديمية القائمة على كل حديث ومبتكر.. على الساحة المحلية والعالمية.
٢-- الاطلاع على التقنيات الإخراجية والتصويرية في هذا المجال، والتمرس بالأعمال المسرحية والدرامية، ليصل بنفسه إلى «الأنموذج» المستهدف فنياً، فضلاً عن تعبئته إسلامياً.
٣- احتراف تصوير وهضم النماذج البشرية المختلفة، وتمثل التاريخ والحضارة الإسلامية والإنسانية، لينأى السيناريست المسلم بنفسه عن التكلف والاصطناع.
. ● عشتم الكثير من القضايا الإسلامية في ميادين الأعمال الإغاثية والإنسانية كقضية البوسنة وكوسوفا ... وفلسطين وغيرها ... خاصة في أوساط الفنانات التائبات... فماذا عن هذه التجربة المثمرة؟
○ هذا وسط فياض بالخير، والإقبال على الله عز وجل، وقد لوحظ أن الكثيرات منهن تنطوي على طاقات هائلة من الخير، ولا ينقص البعض منهن سوى الفهم... ولن أنسى أبدأ توبة الأخت «مها صبري»، حيث قدمت لها قصيدتي من «لي سواك إله الكون يهديني» وقصيدة «يا من أحب وليس لي إلاه».... فإذا بي افاجأ بندمها الشديد على ما مضى من حياتها .. ثم تتابعت رحلتي معها سريعاً .. بأداء العمرة، ثم معاهدتنا للمصطفى ﷺ أمام منبره الشريف... وعاشت - رحمها الله - نحو ثماني سنوات، في فترة من أجمل فترات الهداية والرشاد والاستقامة ... حتى لحقت بربها..
وبهذه المناسبة... أرجو أن أزف تحياتي ودعواتي للرائدة العاملة المخلصة الحاجة «إفراج الحصري» ياسمين الخيام... والدكتورة سوزان عطية... والسيدة هالة الصافي... وغيرهن الكثير من فضليات السيدات العاملات في حقل الدعوة ... وأقول للإعلام الجامع: «اتقوا الله في هؤلاء.. ولا تجعلوا منهم مادة الإثارة الرخيصة»، وأحسب الكثيرات منهن من السابقات من ميادين التبرع والمناصرة والمقاطعة وأن أثرهن فاعل وحيوي ومؤثر إلى أبعد حد، خاصة في بعض الطبقات التي لا تصل أدوات الدعوة المختلفة إليها..
. ●والآن... بعد هذا الذي نراه من الجحيم المطوّق لأمتنا من البوسنة إلى ألبانيا إلى كوسوفا ثم أفغانستان والشيشان، فالعراق... ماذا تقولين لأخواتك من المسلمات الجريحات؟
ظلت لدي من أيام البوسنة أمنية عزيزة ... أن أشتري مدفع R.B.G لكي أجهز به أحد مجاهدي البوسنة عندما كنت هناك... ولكن للأسف كان ثمنه قد وصل إلى ٢٥ ألف دولار.... في حين أن ثمنه في مصر لا يزيد على «ألفي جنيه» مصري، ولو كنت أستطيع إرسال مثل هذا المدفع من مصر، ما تأخرت لحظة ... «فمن لم يغز ولم تحدثه نفسه بالغزو مات ميتة الجاهلية».
الأمريكية ... وهي الأكاديمية الأمريكية A.A.C.A ولقد رفضت تقدير جامعة للثقافة والآداب... حين قررت منحي الدكتوراه الفخرية، ورفضت أن يكون تقديري على أيدي أبناء هذا الجزء من العالم... والمرأة المسلمة أمامها مئات الميادين الجهادية من أعمال خيرية إسلامية، وتربية للنشء، ومقاطعة، ودعاء، ومشاركة شعبية في كل الأنشطة الداعمة لاستعادة هذه الأمة لعافيتها.
بغداد تبكي
شعر : علي يعقوب سلامة
بغدادُ تبكي، أما شاهدتَ عبرتها
أما سمعت عويلَ الليلِ والسحرِ
بغدادُ تبكي على تاريخها أسفاً
لم يبق من مجدها حرف على سطرٍ
بغدادُ تبكي وقد حُق البكاءُ لها
بناتُها بتن تحت القصفِ والمطرِ
دارَ الخلافةِ، غابت شمسُ دولتنا
لما لبسنا ثيابَ الكفر والأشرِ
أين الرشيد يحاكي غيمة هربت
خراجُها لم يزل في كفِّ منتظرِ
أينَ الخيول التي للفتح زاحفةٌ
تعانقُ الليلَ رغم الويلِ والسهرِ
تكالبَ الغرب يبغي أكلَ قصعتنا
ونحن في غفلة من شدة السكرِ
جاؤوا يجرّون حقد الروم في نهم
كأنهم جبلوا من نار مستعرِ
النفطُ أشعلَ في أحشائهم أملاً
فهم بآمالهم ماتوا على غررِ
لولا ذنوب بني عمِّي وما فعلوا
الأورق الوردُ في الصحرا من الحجرِ
لجاءنا النصرُ نصرُ الله وانفتحت
أبوابُ روما، وصار الكفرُ في خطرِ
لكنهم تركوا هدي النبي فهم
تاهوا بسيرهم صماً بلا بصرِ
أهل العراق، أفيقوا قبل مهلكنا
لا ينفع البعثُ يومَ الزحف في الظفرِ
لا ينفع البعثُ ديناً دون ملتنا
لا ينفع البعثُ دونَ الآي والسُّورِ
مرت علينا ليالي البعث بائسة
كنا ننقلُ من ضر إلى ضررِ
الله أكبرٌ من حزب يجمِّعنا
والدينُ يشملُ من تلقى من البَشَرِ
إن تنصروا الله يات النصر من سعةٍ
ويظهر الدينُ في البيداء والمدَرِ
الحياة الإسلامية
شعر: محمد حسن الأنصاري
رجال سطروا الأمجاد دهراً
وعزًا شيدوه بكل وادي
ودين رسّخوا الأقدام فيه
تغلغل في الحواضر والبوادي
وعلم توجوه تقى وبرا
وفضلاً قد كسا كل الأيادي
شباب في ذرا العليا تراهم
وشيب ترتجي صوت المنادي
وفقه قد حباه الله دهراً
ونظم قد حوى كل الرشاد
وليل لا ترى فيه نجوم
يجافي قومها عذب الرقاد
حدود طبقت في كل آن
فساوى عدلها كل العباد
وقسط لم يفرق بين جنس
وحلم بالعدا يوم التنادي
حياة طرَّزت ثوباً فريدًا
رعاها ربنا منذ المهاد
بين العلم والحفظ (1 من 2)
كان للحفظ فيما سبق دور كبير في نقل المعلومات من جيل إلى جيل في وقت لم تكن الكتابة فيه ميسرة كما هو اليوم
حدث لبس وخلط من غير عمد وقصد، بين الحفظ أي الاستظهار عن قلب - والعلم منذ أمد بعيد. وقد شمل هذا الخلط بين الحفظ والعلم. القرآن الكريم، حيث جعلوا حفظ «استظهار» كتاب الله هو العلم أو التعليم. لم يكن - في الماضي - للعلم معنى أبعد كثيرًا من الحفظ. لقد حسب الكثيرون أن حفظ النصوص والأقوال والمتون والحواشي... هو العلم. وإذا تعدى العلم الحفظ، فإلى الأسلوب المنطقي الأرسطي والكلامي والسفسطائي... حيث كان العلم في الماضي محصورًا في المجال التصوري العقلي بعيدًا كل البعد عن المجال الذي يعمل فيه العلم الحديث.
وقبل أن أذكر الفرق بين العلم والحفظ ومجال عمل كل منهما، أريد أن أنبه إلى الخطأ الذي وقعنا فيه عندما ركزنا على حفظ وتحفيظ القرآن، وجعلنا معنى الحفظ مطابقًا ومقابلًا للعلم والتعليم الذي جاء الثناء عليه من رسول الله ﷺ بقوله: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» فالحديث يمدح الرجل «الإنسان» الذي يتعلم ويعلم القرآن ويجعل فيه الخيرية على غيره بهذا العمل. إن نص الحديث يشير إلى من تعلم وعلم القرآن، وليس من حفظ القرآن.
لقد استخدمنا الحديث استخدامًا خاطئًا وحرفناه عن معناه الحقيقي إلى معنى الاستظهار «الحفظ» و مع أن الحديث واضح الدلالة فيما يعنيه، ولا أظن أنه يعني أبدًا الحفظ، إذ لا يقال: علمه حفظ القرآن، وإنما يقال: علمه القراءة وعلمه التجويد، وعلمه معنى الآية أو فقه الآيات الكريمات. فالحديث يعني ما دعا إليه من التعلم والتعليم ولا يعني الحفظ أو التحفيظ وكذا الحديث الآخر: «أشراف أمتي حملة القرآن» ويعنون به حفظة القرآن، حيث جعلوا الحفظ في الصدور هو حمل القرآن، وليس هذا بصحيح أيضًا، وإنما يعني الحمل هذا العمل بالقرآن وتبليغه للناس. لقد ذم القرآن الكريم بني إسرائيل أنهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها، وشبههم بالحمار يحمل أسفارًا ولا يستفيد منها ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ (الجُمُعَة : ٥).
ونجد مقابل ذلك أن القرآن الكريم قد مدح الربانيين وأثنى عليهم لأنهم يعلمون الكتاب ويدرسون من أجل تعليمه فقال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩﴾ (آل عِمۡرَان : ٧٩). فتعليم الكتاب والدراسة من أجل تعليم الكتاب هو الذي يجعل الإنسان ربانيًا.
في الاحتفالات التي تجريها معاهد تحفيظ القرآن، يكتبون بعض الأحاديث النبوية في أماكن بارزة أو على صدور الشبان اليافعين من مثل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، و «أشراف أمتي حملة القرآن»، فكأنهم بذلك يوحون إلى أن هؤلاء الذين حفظوا ويحفظون القرآن هم خيرنا ولست أريد من هذا أن أنزع الخيرية، عمن حفظوا ويحفظون كتاب الله ، وإنما أريد لفت النظر إلى ما تعنيه هذه الأحاديث للعمل بها، وإن الفرق الكبير بين الجانبين بين الحفظ والعلم إنني لا أريد إلغاء الحفظ لكتاب الله وإنما أريد أن أوجه انتباه الأساتذة المشرفين على التحفيظ إلى الجانب الآخر الذي أهمل تمامًا والذي دعت إليه الأحاديث وحرفناه عن معناه الأصلي. لقد قيل إن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، فالعلم هو الفقه في معرفة حقائق الأمور وتأويل ما تصير إليه.
أريد أن ألفت الانتباه إلى ضرورة التفريق بين الحفظ والعلم، فلكل منهما دوره المختلف عن الآخر، لقد كان للحفظ فيما سبق دور كبير في نقل المعلومات من جيل إلى جيل مشافهة عندما لم تكن الكتابة بعد قد عمت وتيسرت بصناعة الورق واكتشاف الطباعة، وقد تجلت هذه الأهمية «أهمية الحفظ» بشكل أوضح في نقل القرآن شفاهيًا «سماعًا»، دون تبدل أو تغير فيه وكما تلاه وقرأه الصحابة عن رسول الله ﷺ كان ذلك العصر لا يزال يعتمد على ذواكر الرجال، على الحفظ في الصدور، إذ على الرغم من تسجيل القرآن مكتوبًا في تلك الفترة، لم تكن تلك الكتابة كافية لتوثيق نقله بدقة لأنها لم تكن قادرة على تسجيل دقائق ألفاظه لا سيما وأنها لم تكن منقوطة ولا مشكولة، كان حفظه في الصدور يُعد مهمًا جدًا، بل هو الأهم من أجل «التوثيق اللفظي»، كما جاء عن الأوائل، إنه لم يكن بالإمكان حتى في جميع العصور السابقة وحتى عصرنا الحاضر، لم يكن بالإمكان حفظ القرآن منضبطًا بألفاظه عن طريق الكتابة فقط فكان لابد من تناقله سماعًا عن طريق الحفظة المتقنين، لذا فإن القول المتداول بين الناس والقراء والحفظة، وهو أن القرآن لا يؤخذ إلا مشافهة عن طريق الحفاظ المجازين، كما سمعوه عن سابقيهم في تسلسل متصل حتى بلوغ الصدر الأول من الصحابة، إن هذا القول حق. أما اليوم حيث توافرت الإمكانات المتعددة، والتقانات الحديثة التي يمكن بواسطتها حفظ القرآن ونقله إلى الآخرين مكتوبًا ومقروءًا «مسموعًا»، ومرئيًا كأنك تأخذه عن شيخ أمامك. بكل التفاصيل الدقيقة، دون أن تضيع أو تغيب واحدة من هذه التفاصيل، جعل موضوع التركيز على الحفظ يتراجع عن دوره الأول الذي كان يضطلع به، وتقل أهميته كثيرًا عما كانت في السابق، ومع كل ذلك فإننا نقول: إنه لا يمكن ولا يجوز الاستغناء عن الحفظ في صدور الرجال والنساء، لأسباب عديدة، لا أقلها أن هذا الحفظ عبادة وأي عبادة ترفع صاحبها إلى مقام علي وبه يتعبد الناس في صلاتهم، ولهذا كان لا بد للمسلمين والحفاظ بشكل خاص الذين يهتمون بحفظ وتحفيظ القرآن أيما اهتمام أن يعودوا إلى إيجاد التوازن في هذا الموضوع ويتوجهوا باهتمامهم الأكبر إلى تعلم وتعليم القرآن الذي أشارت إليه الأحاديث والآيات القرآنية، فهو الأهم والأنفع للناس لا سيما وهو دستور حياة المسلمين.
اثنان بالمائة فقط
وثمة ملاحظات أخرى حول حفظ القرآن أريد أن أنبه إليها منها أنه لا يمكن أن يحفظ القرآن بإتقان جيد، إلا قلة قليلة من الناس وهبهم الله ذاكرة قوية متميزة، يستطيعون بها أن يحفظوا القرآن الذي يتفلت من الذاكرة تفلتًا شديدًا إن لم يداوم الحافظ على مراجعته ومذاكرته بشكل دائم إن هذه القدرة على الحفظ لا يتمتع بها إلا عدد لا يتجاوز 2% فقط من الناس... كما تدل الإحصاءات العلمية - وهذا الوضع يعني كما يعرف المشرفون على التحفيظ - أن القسم الباقي وهم 98% لن يتمكنوا من الحفظ الكامل الدقيق للكتاب. وهم يتفاوتون فيما بينهم في القدرة على الحفظ، فمنهم من يستطيع أن يحفظ بضعة أجزاء من القرآن، ومنهم من يستطيع أن يحفظ أكثر من ذلك أو أقل، وفي النهاية يتوقف هؤلاء عن المتابعة، لأن قدرتهم أو ذاكرتهم تتوقف عند هذا الحد، وغالبًا ما نرى أن أمثال هؤلاء يصابون لا شعوريًا بالإحباط لعدم القدرة على المتابعة كأولئك المميزين بالحفظ الاثنان بالمائة مما يدفعهم إلى ترك الاستمرار ومتابعة الحفظ لشعورهم الداخلي بعدم الجدوى من الاستمرارية، إن أمثال هؤلاء وهم الأكثرية يمكن بل يجب تحويلهم إلى الأسلوب الآخر وهو تعلم القرآن، وتعليم القرآن باب واسع كبير لا يمكن أن ينتهي منه حتى ولا أولئك المتميزون بالذاكرة القوية، إن تعلم القرآن لا يشمل فقط التفسير التقليدي بل يشمل أبوابًا كثيرة أذكر بعض ما حضرني منها وهو:
1- جمع واستحضار الموضوعات التي يهتم بها القرآن بحسب أولوياتها أي بحسب عدد الآيات الواردة في الموضوع.
2- ترتيب اهتمامات القرآن بحسب الأولوية أيضًا.
3- دراسات في الآيات الإعجازية ... وكثيرة كثيرة مثل هذه الدراسات التي تتوسع دون أن تنتهي.
إن مثل هذا العمل يفتح عقل وذهن المتتبع القرآن ويصبغ روحه وفكره بروح القرآن لتصبح له الأولوية في عقله وفكره وروحه وحياته، ولعل هذا أهم من الحفظ لأنه يجعل القرآن حيًا معيشًا بين الناس.
الربط الذهني
لعل أصعب ما في عملية الحفظ للقرآن – كما يعلم ذلك الحفظة أنفسهم ومن يشرفون على التحفيظ - هو عملية الربط الذهني بين الآيات القرآنية، إن القدرة على الربط بين الآيات القرآنية بالانتقال السلس من آية لأخرى ضمن السورة الواحدة من بدايتها إلى نهايتها، صعبة لأسباب عدة، منها إمكان حدوث التداخل بين الآيات في السور المختلفة للتشابه فيما بينها، ومنها اختلاف السور في سهولة حفظها، فمنها السهل جدًا في الحفظ يساعد في ذلك «جرس» آياتها، أي إيقاعها، أو تسلسلها القصصي أو ... ومنها الصعب جدًا «يمكن المقارنة بين سورة الأنعام الصعبة الحفظ أو البقرة وسورة مريم مثلًا أو طه .....».
وهنا يحاول الحفظة من أجل التغلب على هذه الصعوبة إيجاد وسائل مختلفة لإحكام الربط بين الآيات، فقد تكون هذه الوسائل بصرية أو سمعية أو معنوية فهمية أو ... وهي تختلف من شخص لآخر، إن هذه العملية عملية الربط تستغرق من طاقة الحفاظ الشيء الكثير الذي قد يفوق طاقة الحفظ، وهنا نجد أنه من الأسهل بكثير أن يقوم الإنسان بعملية الحفظ «الكيفي» لبعض السور أو مقاطع منها، وأعني بالحفظ «الكيفي»، أن يحفظ الإنسان السورة أو السور من القرآن دون التأكيد على إحكام الربط بين الآيات، فنجد أن مثل هذا الإنسان يستطيع أن يتلو السورة كاملة بوجود شخص آخر ييسر له عملية الربط بأن يبدأه بتلاوة أول الآية أو ينهي له آخرها .
إن هذا الأسلوب من الحفظ سهل وله فوائد طيبة أيضًا منها :
- أن الحافظ للآيات أو السور بهذا الأسلوب يستطيع أن يستشهد بالآيات بسهولة أكثر بكثير ممن يحفظها الحفظ الدقيق المترابط، لأن مثل هذا الحفظ متحرر من مكان الآية وارتباطها بما قبلها أو بعدها، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن الطاقة اللازمة لمثل هذا الحفظ أقل بكثير جدًا من الطاقة اللازمة للحفظ بالطريقة الأولى التي تهتم وتعنى بالربط من أجل دقة الحفظ، أظن أن معظم طاقة الإنسان الذي يريد أن يحافظ على إبقاء حفظه متينًا قويًا غير متفلت أو ضعيف، ستضيع في عملية التأكيد على الحفظ والربط بين الآيات، وغالبًا ما لا يبقى لمثل هذا الإنسان طاقة أو قدرة للقيام بنشاطات أخرى علمية أو فكرية ..
قصة قصيرة:
قبل دقائق
ترجل بتأن وهدوء من الحافلة التي أقلته إلى مركز المدينة، تلفت يمنة ويسرة ثم راح يمشي كان يعرف المكان فقد درسه جيدا وليس بحاجة إلى تردد أو تذكر لكي يستدل عليه ولكن فكره كان مشغولًا بشيء آخر ما الذي أنا مقدم عليه؟ هل أنا ذاهب لأنتحر هل ما سأفعله يسمى انتحارًا، وهل سيعاقبني الله إن أنا نفذت ما أنوي فعله .. الله يقول: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ﴾ (النَّحۡل : ٤٣)
ولقد سألت أكثر من شيخ وكلهم أفتوني بأن ما سأفعله ليس انتحارًا، نعم ... نعم سأجعل من فتاواهم هذه حجة لي ما بيني وبين الله.
ثم إن هذا الفعل ليس انتحارًا ... فالانتحار هو قتل للنفس نتيجة يأس من الحياة، ويشهد الله أني لست يائسًا من الحياة، ولقد وضعت أهدافًا لنفسي منذ زمن فأنا أريد أن أبر والدتي وأعوضها، من بعد أن قتلوا أبي، كما أني أريد أن أساعدها في تربية إخوتي الصغار، بالإضافة إلى أني أريد أن أتخرج في الجامعة وأتزوج من أسماء.. أه يا أسماء.. ترى ماذا تفعلين الآن؟!
دخل المقهى وطلب فنجان شاي وراح يتفرس في الوجوه ها هنا مجموعة من الشباب يشربون البيرة ويضحكون بصوت عال يبدو أن ما يلقونه من نكات يستحق كل هذا الضحك الصاخب، وفي الطاولة المجاورة فتاة جميلة يبدو أن شريكها في الطاولة مفتون بها لدرجة كبيرة فعيونه مسمرة بعيونها ويده لا تمل من مداعبة خصلات شعرها، وهي تبتسم له، لعن الله قلة الحياء».
ولكن ما لي ولهم؟! لماذا أريد أن أقتلهم؟ يبدون مسالمين ولا ناقة لهم ولا جمل حسنًا سأنتهي من شرب الشاي ثم أعود ولن أنفذ العملية.
ارتفع صوت ضحك الشباب بشكل ملحوظ وها هو النادل يقترب منهم، يبدو أنه سيطلب منهم أن يخفضوا أصواتهم قليلًا.
ها هو يهمس في أذن أحدهم فيجيبه الشباب لا تقلق إن المسدس في وضعية الأمان علينا أن نلتحق بثكناتنا بعد وقت قصير، ثم إني قد ألقى عربيًا نجسًا فأطهره بهذا المسدس. أجابته عجوز، وهي تهم بدخول المقهى متجهة إلى إحدى الطاولات الفارغة بصحبة ابنتها إن العربي يبقى نجسًا حتى لو أصبته بقنبلة نووية، ويضحك الحاضرون وتتابع العجوز بعد أن جلست إلى طاولتها : لقد عاملتهم بنفسي عندما كنت مجندة في الجيش قبل عشرين سنة، هؤلاء مثل الجان والشياطين تقتلهم وتظن أنهم لن يجرؤوا على مجابهتك ثانية، ثم لا يمضي إلا وقت قصير حتى تسمع صيحات تكبيرهم وأزيز رصاصهم.
ويسمع رجلًا يكلم طفلًا في طاولة مجاورة عندما تكبر يا ولدي ستقتلهم كلهم ويهز كتفه مشجعًا.
لعنكم الله أيها القتلة، إن وجوهكم وأشكالكم الغريبة عن هذه البلاد لتؤكد أنكم ما جئتم من آخر الدنيا إلى هنا إلا لكي تقتلونا وتبيدونا عن آخرنا ولكن.. لن نمكنكم منا بإذن الله ....
مد يده وراح يتحسس زرًا في بطنه ثم ضغط عليه .
محمد هيثم نديم الجملي