العنوان المجتمع الثقافي (1608)
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الجمعة 09-يوليو-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1608
نشر في الصفحة 50
الجمعة 09-يوليو-2004
في الأدب الإسلامي: «خطوات في الليل» ورواية السيرة الذاتية الإسلامية «1من4»
د.حلمي محمد القاعود
هذه رواية الشاعر، تحفل بالتصوير الشعري لفظًا ومعنى وتضمينًا، وهي تطرح رؤيتها القرار. وتصورها للفكرة التي تعالجها، فالشعر وراءنا وأمامنا، يتسلل إلينا من سطور الرواية وينفحنا بعطر الشاعرية ومذاقها وهو يبني أسس الحكاية ومفرداتها، أو وهو ينشئ حواراتها ومفارقاتها، وكأنه لم يرد أن يتخلى عن «الشاعرية»، وهو ينتقل من جنس أدبي إلى جنس آخر، فأعطى لروايته ميزة فنية ملحوظة في الوقت الذي أصر فيه على أن يقنعنا - فنيًا - بأصالتها ، وبنائها على نسق مغاير لمعظم الأنساق السائدة في بناء الرواية.
«خطوات الليل» هي الرواية الأولى والوحيدةللشاعر محمد الحسناوي، وإن كان قد كتب بعض المجموعات القصصية منها: الحلبة والمرأة بين القصر والقلعة، وكان الناس قد عرفوه شاعرًا، فأخرج بعض المجموعات الشعرية منها : عودة الغائب، في غيابة الجب وهو يكتب الشعر بشكليه العمودي المقفى، وشعر التفعيلة. وروايته «خطوات الليل»، تبدو لي نوعًا من رواية السيرة الذاتية حيث تتطابق ملامح بطلها الرئيس مع ملامح المؤلف وتجربته الإنسانية في واقع الحياة، وميزة هذا النوع أنه يمكن الكاتب من تناول الأحداث والأشخاص بصورة تبعد عنه الحرج المباشر.
على أي حال فإنني أستأذن القارئ الكريم في اقتباس بعض السطور من مقدمة الرواية التي كتبها عبدالله عيسى السلامة، لتعطينا بعض الخطوط الرئيسة للرواية قبل أن نتناول بعض جوانبها الفنية فقد قال: إن القارئ «يفيد منها - أي من الرواية - بطرائق شتى» فالباحث عن المعرفة الممزوجة بمتعة فنية قصصية: معرفة ما جرى ويجري... معرفة بعض مسارات الحركة والفكر لشرائح من الدعاة على مستوى الفرد والمجموعة معرفة ما يجري في الأقبية والسجون لرجال الفكر... معرفة طعم الزنزانة وطعم الغربة، أو طعم البعد عن الأهل والوطن.
ثم معرفة أحلام الداعية: أحلام اليقظة. وأحلام النوم، ومعرفة أنماط من الصراعات والمفارقات والسياسة... ومعرفة كيف يفكر ابن الخمسين: الإنسان والرجل والوالد، والداعية والمفكر والأديب والمنفى والسجن.. ثم معرفة أسلوب جديد في الكتابة الروائية.. هذا وغيره يمكن أن يعرفه قارئ «خطوات الليل». وتذكرني هذه الرواية بأخرى كتبها نجيب الكيلاني -رحمه الله- حول تجربة المعتقل الشخصية التي شهدها في الحقبة الناصرية حيث سجلها في روايته «رحلة إلى الله».. وفيها نرى أبشع أنواع التعذيب والوحشية والمطاردة للإنسان المسلم، وتجاوز القيم والأعراف الإنسانية في سبيل القضاء على أصحاب فكر مغاير لما عليه أهل السلطان.
لقد حاول «الحسناوي» أن يضيف إلى الكيلاني معالجة أخرى، تختلف شكلًا، وإن اتفقت مضمونًا، وهو ما يكشف عن عيوب خطيرة في المجتمع، وعناصر سلبية تعرضه للهزائم العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية أمام أعداء الأمة والمتربصين بها. إن رواية «خطوات الليل» تصور بأسلوبها الخاص، محنة أعداد غفيرة من أبناء الوطن في بلد عربي، اضطروا للهرب من بلدهم والوقوع في قبضة الشرطة التي تتبع بلدًا عربيًا آخر، ومن خلال وجودهم في زنازين السجن بهذا البلد نتعرف على ما جرى ويجري في البلد الأول، وندرك حجم المأساة التي أصابت الأمة ومازالت تدفع ثمنها مضاعفًا حتى اليوم.
لا تخضع الرواية للتقسيم الروائي المألوف، فصول أو فقرات مرقمة أو نحو ذلك. ولكنها تبدأ بوثائق رسمية تتلوها مذكرات ثم أيام وليالي تجرى من خلالها الوقائع مما يجعلالقارئ يقتنع بواقعية الرواية. بداية الرواية محضر شرطة يتضمن مداهمة بعض البيوت في بلد ما، واعتقال من فيها، ومصادرة كتب وأوراق وصحف ومجلات وجوازات سفر ومحاضر جلسات.... إلخ، ثم تقارير حول الموضوع وتقويم له يتم رفعها إلى الجهات المختصة لاتخاذ القرار.
واستخدام التقارير الرسمية أو المحررات الرسمية له تأثيره الواضح على البناء الروائي حيث يجعل من الحوار الروائي أساسًا مهمًا من أسس هذا البناء في العديد من صفحات الرواية وفصولها غير التقليدية، فالمحضر الذي تحرره الشرطة مثلًا، لابد أن يتضمن في أغلبه الأعم حوارًا بين الشرطي والشخص الذي يفترض أنه متهم، وهكذا يبرز الحوار بطلًا رئيسًا من أبطال الرواية إلى جانب أبطال آخرين من الشخصيات الروائية أو الوسائل الفنية التي استفاد بها الكاتب في بناء روايته.
ولعل المكان في الرواية يمثل أول ملمح من ملامح بنائها الفني، وهو على امتدادها عبارة عن زنزانة لها رقم وتتعدد الزنازين من رقم «1» إلى رقم «45» والزنزانة بطبيعة الحال ضيقة مظلمة كريهة الرائحة باردة، لا شيء فيها يشير إلى الأمل، اللهم إلا تلك «الكوة» الضيقة في أعلاها حيث يتسلل منها عندما تعلو الشمس في الأفق بعض الخيوط الواهنة من الضوء ما تلبث أن تتلاشى عندما تتهيأ الشمس للانحدار المكان بصفة عامة يمثل حالة من القهر، فهو سجن، وهو مخبأ، وهو موضع تحقير ومطاردة ومنفى وغربة وميدان مذابح وقصف إلا في لحظات قليلة حين يكون أبطال الرواية أو شخوصها أحرارًا في الحقيقة أو الخيال يعيشون في بيت ترفرف عليه علائم السعادة في أسرة متضامنة أو متنزه يحلم فيه رجل مع امرأته بالمستقبل الجميل، وإن كانت تخيم على هذا المستقبل نذر القهر والغموض، أو مسجد يضيء بالأمل في وسط حالك بالظلام والسواد وقد يثير المكان مفارقة عجيبة ومؤثرة، فقد يكون رمزًا لأمجاد الماضي بما فيه من آثار وتراث، ثم يتحول إلى سجن شهير يجمع فيه معارضو النظام، وتتم فيه عمليات تصفيتهم وذبحهم بطريقة وحشية.
المكان هنا مرتكز لحركة الإنسان، بحيث يجري بينه وبين الإنسان عملية تأثر متبادل.. يصبح كل منهما جزءًا من الآخر، في حالتي الحرية والسجن والسرور والحزن والأمل واليأس، إنه مكان متسع باتساع الحياة وثرائها. وصراع الأحياء فيها، هو مكان حميم يفرض وجوده حتى في أشد لحظات الأشخاص يأسًا وحرجًا ومعاناة، يصبح فاعلًا في حياة المقيم به وفي تصوراته وحالاته النفسية والوجدانية. والمكان أيضًا وسيلة لإبراز مفارقات طريفة، ففي حوار بين معتقل إسلامي ومعتقل شيوعي نجد أن الأخير لا يعرف شيئًا عن أشهر مدينة في وطنه بعد العاصمة، بل إن معلوماته عن مدن بلاده محدودة للغاية في الوقت الذي يعرف فيه كل شيء تقريبًا عن دولة «كوبا» الشيوعية ويعلل ذلك بأنه زارها في مهمة حزبية، وما زال يحتفظ بالسيجاره الكوبي ليزهو به أمام صاحب البيت والتجار والغرباء!.
وتجتهد الرواية في وصف المكان وصفًا تفصيليًا، وتقدم أحيانًا بعض الجزئيات على النحو الذي سنشير إليه فيما بعد. ولكن المكان يتحول في بعض المواقف إلى كابوس تشخصه الرواية وتجسمه ليمثل صورة كتيبة تبرز بشاعة السلطة ووحشيتها في مواجهة المعارضين. وفي المقطع التالي بعض ملامح هذه الحالة:
«أصوات الموسيقى تعكر سكون الليل الرائق أجنحة الحمام المجفلة تضرب أطراف الأبواب والنوافذ المضاءة بحثًا عن ملجأ»...
يا نقيب اسمعني جيدًا. أنت صاح طبعًا يا ابن... في أخر صف المهاجع الكائنة على الجدار الشمالي الغربي، هناك هن.... ك... يقرب الزاوية الغربية تفوه.. تقع غرفة «الورشة» نعم الورشة. سوف نخصصها لجمع السجناء، تسمع السجناء الذين سوف ننفذ فيهم حكم الإعدام.. طبعًا، إيش شغلنا هنا؟ الإعدام.
أحمر كل شيء في الغرفة بدأ الدم ينقط من الصور من الخزانات صارت ترددات الموسيقى أشبه بموجات نحیب حاد.
هناك.. في الفسحة التي تقع أمام الجدار الجنوبي الغربي ما أدري الغربي الجنوبي، التي تصل بين الباحثين الخامسة والسادسة لعنة الله على المهاجع والباحات... هناك سوف تنصب خشبات المشانق اسمع... انتبه. احذر. إن المعتقلين في المهجع المجاور رقم (۳۱) وبقية المهاجع المطلة على الباحة السادسة يمكن أن يتلصصوا خلسة ليروا عمليات الإعدام.. إلخ».. المكان في معظم الرواية مصدر إزعاج وقهر، وهو كابوس خانق، لأنه مرادف لسلب الحياة أو الحرية.
واحة الشعر
شعر على العنزي
كفاح.. من عمق الجراح
ها أنا يا قدس أشكـــو من جديد ها أنا والجرح تتلوه الجراح
ما رأيت العز في سرد القصيد إنما العز بأنغام الســــــلاح
هارب من واقع مر نکیــــــد غارق في الهم مكسور الجناح
فت لحمي أنه الطفل الوليــــد دق عظمي سمع أصوات النياح
كسرت ظهري صبايا كالورود بين ترويح وعرض مستباح
رفرفت رايات أحفـــاد القرود وطغى في القدس أبناء السفاح
لعنة الله عليكم يا يهــــــــود لعنة لا يرتجى منها صلاح
ما أمر العيش في ذل العبيـد ما أشد الخطب تحت الاجتياح
إنما أوي إلى ركن شديــــد وعد حق جاء في الكتب الصحاح
سيشع النور في ليل الجحود وستعلو فيك رايات الفلاح
إنما النصر مع الصبر أكيد أعظم الظلمة ما قبل الصباح
لست في الميدان يا أقصى وحيد ها هم الأبطال في درب الكفاح
طلقوا السراء والعيش الرغيد ودعوا النوم وطعم الارتياح
يتلقون رصاصات الجنــود بصدور مثخنات بالجراح
ولسان الحال: هذا ما نريــــــد ما ألذ الموت في طعن الرماح
أسهم التحرير باتت في صعود والجهاد الحر ينمو باكتساح
فجروا الأشلاء في تلك الحشود أرعبوا الباغين في كل البطاح
كل شبر.. كل غصن.. كل عود كل إسرائيل في حكم المباح
لا نقاش.. لا حوار.. لا ردود لا ســــلام لا كلام لا سماح
لا بنود.. لا وعـود لا عهـــود الصدام اليـــوم جد لا مزاح
فارفعي رأسك يا أم الشهيد واملئي القلب سرورًا وانشراح
إنه في جنة الخلد سعیـــــد فاز بالرضوان والحور الملاح
ليست العتبى على ذاك البعيد هل ترى أطفى من الكفر البواح
إنما لومي على قوم رقــــود من ولاة الأمر في كل البطاح
أنصفونا يا أولي الأمر السديد واتركوا عنا سلام الإنبطاح
قد سئمنا نسجكم تلك الوعود ذهبت -والله- أدراج الرياح
خطب ملأى بحشو لا يفيد ما ترى إلا نعيقًا أو نباح
لا ينال المجد في قصر مشيد إنما المجد بساحات الكفاح
كم تنازلتم لإرضاء اليهود وتهود تم بدعوى الانفتاح
ثم قلتم قدسنا حتمًا يعود تعلنون القول خوف الافتضاح
أمتي لا تيأسي صبر جميل انقضى الليل ونور الفجر لاح
ذا صلاح الدين أنجبت فلن تعجزي أن تنجبي ألف صلاح
إصدارات مختارة… نحو فقه جديد للأقليات
حمدي عبد العزيز
فرضت قضايا الأقليات نفسها على الأجندة البحثية العربية منذ العقد الأخير من القرن العشرين، وتميز التعامل معها بوجود ثلاثة أشکال: الأول: يعتمد خطاب السبق بأن الإسلام كان أول من وفر حرية الاعتقاد. والثاني: خطاب دفاعي عن الإسلام ضد الادعاءات بأن الأقليات تعاني من التمييز في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية. والثالث: ينطلق من المرجعية الغربية في تناوله لتلك القضايا، وبالتالي فإن مثل هذا التعامل لا يتسم بقدرته على تحقيق مقاصد الشريعة من خلال الفهم الشامل للقضية ومعالجة أبعادها بطريقة موضوعية تتحرى العدل والقسط.
وهذا الكتاب، وصاحبه أستاذ للقانون الدولي العام والقانون الدستوري له العديد من المؤلفات العلمية المتميزة، يرسم خطوطًا عريضة لاتجاه فقهي في موضوع الأقليات ظهرت إرهاصاته في القرن الماضي في كتابات محمد أبو زهرة، والمودودي، وعبد الكريم زيدان، وسيد قطب، ومحمد الغزالي، ويوسف القرضاوي ومحمد عمارة وراشد الغنوشي، وطارق البشري وغيرهم.
وهذا الاتجاه لا ينطلق فقط من الواقع من أجل كشف العداء للإسلام، ومدى ضحالة قيم حقوق الإنسان وسيادة القانون في الضمير الغربي، وإنما أيضا طرح اجتهادات تنقل العقل المسلم من الرغبة في اللحاق بالغرب إلى الوعي بنفاسة وأصالة القيم الإسلامية وتقديم مفاهيم دار العهد والمواطنة. ويحتوي الكتاب على ثمانية مباحث تتناول تعريف الأقليات والمشكلات الموضوعية والإجرائية الفقهية والممارسات التاريخية والضغوط الدولية ثم يستعرض المرجعية الشرعية الإسلامية من خلال النظرة إلى الآخر، والعلاقة معه.
التعريف: كغيره من المصطلحات يوجد اختلاف حول تعريف مصطلح الأقلية نظرًا التنوع أوضاع الأقليات في العالم، ويسوق الكتاب تعريفًا إجرائيا للأقلية بأنها: «مجموعة قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية تختلف عن المجموعات الأخرى الموجودة داخل دولة ذات سيادة هذه المجموعة يقل عددها عن بقية السكان الذين يمثلون الأغلبية ويرغب أعضاؤها في الحفاظ على خصائصها المتميزة عرقيًا أو ثقافيًا، وتكون في وضع غير مهيمن في الغالب. وإذا كان الشائع أن الأقليات يتم تصنيفها وفق معايير مثل: الدين واللغة وعدد السكان والعرق...إلخ. فإن التمييز ضدها قد يتجاوز وجود معيار واحد، ويرجع إلى عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية أدت -حسب أحد تقديرات الأمم المتحدة- إلى وجود أقليات تعاني من حريات دينية وفكرية يصل تعدادها إلى ٢.٢ مليار، فيما أدت هذه العوامل المتشابكة نفسها إلى وجود أقليات أخرى تتمتع بحريات ونفوذ اقتصادي كما في لبنان ومصر.
المشكلات التي تعاني منها الأقليات: تواجه الأقليات في إطار ممارستها لحقها في الوجود، ومنع التمييز وتقرير المصير بعض المشكلات وهي تنقسم إلى:
۱ - مشکلات موضوعية وتتمثل في الاندماج والتميز، ومنع التمييز، فمن جهة نجد أن الأغلبية تحرص على اندماج الأقلية، وتختار الأخيرة الاندماج بصورة كلية أو جزئية لكن يظل هناك رافضون من الطرفين لصيغة الوفاق مما يمثل مصدرًا للمشكلات التي تنشط في حال وجدت الظروف الملائمة، ومن جهة أخرى إذا كانت الدساتير تنص على منع التمييز وحرية العقيدة، وتقرنها بحرية العبادة، فإن الواقع يشير إلى غياب المساواة في فرص العمل على سبيل المثال، وعدم قدرة بعض الأقليات على تطبيق شريعتها، فيما يخص الأحوال الشخصية مثل الجاليات المسلمة في الغرب التي يحرمعليها تعدد الزوجات أو الطلاق.
۲ - مشكلات إجرائية: مثل الشروط الرسمية التي تحد من ممارسة الحقوق وتضيق نطاق تطبيقها، والشروط الفعلية كالقول بأن الأقلية المعترف بها يقتصر نشاطها على النواحي الروحية وعدم معارضة العادات الاجتماعية، وعدم تهديد أمن المجتمع ومصالح الدولة... إلخ، كما تحدث انتهاكات لحقوق الأقلية باشتراط الحصول على إذن مسبق للقيام بنشاط ديني، وتجاهل الصفة الدينية لهم، واتخاذ مواقف سلبية ضدهم من وسائل الإعلام، كما يحدث باستمرار مع الأقليات المسلمة في آسيا.
المرجعيات: ويتوقف المؤلف عند عدد من المحددات من أجل فحص مدى حجيتها وصلاحيتها كمرجعية، وذلك قبل تناول المرجعية الإسلامية.
١ - المرجعية الدولية: وتظهر في عدد من المواثيق والاتفاقات مثل: ميثاق الأمم المتحدة الذي اكتفى بالنص على المساواة، وعدم التمييز في المعاملة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي لم يدرج الاقتراح المجري بالتوقيع على معاهدة لحماية الأقليات، وأكد بدوره على ذات المبدأ بعدم التمييز.
وهناك أيضا الاتفاقية الأوروبية، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان والميثاق الإفريقي الحقوق الإنسان وجميعها تنص على نفس المبادئ عدا الاتفاقية الأوروبية التي اشتملت على آلية عملية هي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تعطي الفرد حق مقاضاة الدول.
لكن وجود هذه الإعلانات لم يمنع من ازدواجية في المعايير عند التعامل مع قضايا الأقليات؛ حيث استقلت تيمور الشرقية ولم تستقل كشمير وجنوب الفلبين، كما لم تعمم تجربة الاستقلال على القوميات الإسلامية بعد انقسام كل من الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا ورغم التوقيع على إعلان حقوق الأشخاص كمنتمين إلى أقليات قومية وإثنية ودينية ولغوية ۱۹۹۲، والذي استغرق إعداده في الأمم المتحدة ٢١ سنة، فإنه كغيره ليس له قوة إلزامية ويفتقر الآليات المتابعة ورصد الانتهاكات، وقد يكون الحل في تغيير المفاهيم والسلوك في المجتمعات التي توجد بها أغلبيات وأقليات وللحكومات ومنظمة يونسكو دور في هذا الشأن.
٢ - وهناك الضغوط الدولية، التي تتنافى مع المرجعية الدولية حيث لا يجوز التدخل في الشؤون الداخلية لكن دولًا كبرى تفرض سلطتها على غيرها، والمثال البارز ما أصدره الكونجرس الأمريكي ۱۹۹۸ من قانون يتيح للإدارة سلطة متابعة مدى احترام دول العالم كافة للحريات الدينية، وإصدار التقارير عن كل دولة في تسييس واضح لقضية حقوق الإنسان.
وهناك الكتابات الفكرية والفقهية التي تعبر عن اجتهادات بشرية في فترات معينة ليس لها إلزام شرعي مما يدعو إلى التعامل معها دون إهمال أو إضفاء قداسة عليها. ومن هذه الاجتهادات القول بمنع الأقلية المسيحية من ضرب النواقيس وإظهار الصلبان، وأن يمنعوا من ركوب الخيل.. إلخ. وهناك الممارسات التاريخية؛ حيث كانت هذه الاجتهادات تعبر عن ممارسة فعلية في فترات تتميز بوجود مظالم تجاه الأغلبية والأقلية في آن وكذلك عدم الوعي بالمرجعية الإسلامية من جانب الأغلبية وتزايد نفوذ الأقلية ووجود ارتباطات خارجية لها. المرجعية الشرعية: وتتمثل في موقف الشريعة الإسلامية التي تعد مرجعية حوالي ٦٥ دولة وقعت على الإعلانات الدولية بما يفرض عليها ضرورة الالتزام بها، كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ (المائدة:1).
النظرة إلى الآخر
وتتضمن الشريعة الإسلامية إطارًا شرعيًا يضبط موضوع الأقليات، ويتمثل في عدد من المحاور العملية أهمها: وحدة الأصل الإنساني، وكرامة الإنسان، ووحدة الدين، وتعدد الشرائع سنة التنوع الديني والعرقي، واللغوي، وحكمتها التعارف لا التنافر والتعاون لا التباغض. والتنافس في الخير ورفض كل أنواع التمييز على أن يكون معيار التمييز ربانيًا، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ (الحجرات: ۱۳)، وقد أكدت وثيقة المدينة على هذه المحاور، حيث جمعت المهاجرين والأنصار، ويهود المدينة في ولاء سياسي واحد قامت بتفصيل أحكامه، وهذا الولاء السياسي لا يرتب فقط واجبات وحقوق قانونية وإنما حقوقًا اجتماعية وشعورية متبادلة.
العلاقة مع الآخر
وإذا كانت هذه النظرة تعبر عن ضوابط في إطار العلاقة مع الآخر فقد وضعت الشريعة مظاهر عملية لهذه العلاقة منها : أن تقرر الأغلبية نظام حياة المجموع دون إخلال بحقوق الأقلية، وألا تخضع حقوق الأقلية لمبدأ المعاملة بالمثل مع الدول الخارجية: إذ إن حرمة المال والدعم مطلقة ووجوب المساواة وفق قاعدة لهم ما لنا وعليهم ما علينا، لكن يستثنى في ذلك منصب الولاية العظمى، والموضوعية وعدم التحيز في التعامل معهم بأن يكون الذمي في المعاملات كالمسلم بلغة الفقهاء ووجوب الحريات وفق قاعدة ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة : ٢٥٦)، وهي أمور ترجمتها العهدة العمرية لأهل القدس ١٥هـ.
نحو فقه جديد: ويشارك الكتاب في تأسيس قبول البدائل المعاصرة المتمثلة في التنظيم الدولي وقوانينه، وآلياته مع دعوة العلماء المسلمين إلى تطوير مشروع لهذا الفقه الجديد من خلال إدارة حوار علمي جاد داخل الدائرة الإسلامية وخارجها، ويرى أنه لا تعارض بين الاتجاه الدولي والرؤية الإسلامية، بل إنهما يتكاملان، إذ تقدم الرؤية الإسلامية الأساس النظري والمبادئ العملية التي تشكل المادة التي تترجمها المواثيق الدولية إلى التزامات قانونية يمكن أن تصلح أساسًا لمعاملة الأقليات غير الإسلامية في بلاد الإسلام والأقليات المسلمة خارج البلاد الإسلامية.
ويطرح عددًا من الحلول لمشكلات الأقليات تتراوح بين اتجاهي الانفصال أو الاندماج هي:
ا- خيار الاستقلال، حيث يتوصل إليه الطرفان بالتراضي كما حدث في تشيكوسلوفاكيا، أو باستفتاء شعبي مثل تيمور الشرقية، والأمثلة المرشحة لهذا الخيار كشمير وجنوب الفلبين.
2 - الفيدرالية على غرار الاتحاد السوفييتي السابق، والأمثلة المرشحة لها جنوب السودانوأكراد العراق.
3- الوضع الخاص لكل طائفة على غرار النموذج اللبناني حيث تتمتع باستقلالية في مسائل الأحوال الشخصية واقتسام السلطة لكنهنموذج من الصعب تكراره.
4- الاندماج النسبي حيث تمارس الأقلية مقتضيات المواطنة مع تميزها باستثناءات في مجالات العقيدة والعبادة والتعليم واللغة.
الكتاب: نحو فقه جديد للأقليات
لغويات سياسية
عبد الله عيسى السلامة
« لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء حتى اللغة.. واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة».
عد.. وحسب
لماذا يحسب من يمارس عُنفا ضد قوة من القوى المعادية للإسلام.. لماذا يحسب-هو أو عمله- مسيئًا للإسلام والمسلمين عامة، سواء أكان هذا الممارس فردًا أم جماعة! ولا يحسب من ينافق ويتزلّف للأعداء، ويزيفُ بعض المفهـومـات والمصطلحات الإسلامية.. مسيئًا للإسلام والمسلمين؟ لماذا لا يُعد مسيئًا للإسلام وللمسلمين، من يبيح عقائد المسلمين وأخلاقهم وإراداتهم للأعداء، وفي الوقت ذاته بعد مسيئًا للإسلام وللمسلمين، من يتصدى -فردًا أو جماعة- لدحض فرية خبيثة يلصقها رجل خبيث أو دولة خبيثة بالإسلام والمسلمين؟ أو من يتصدى للدفاع عن حرمات المسلمين وديارهم باذلًا نفسه وماله وأهله في سبيل ذلك؟
لماذا يعد متحضرًا وراقيًا ومتنورًا من يردد أفكارًا معادية للإسلام، ماسة بقيمه ومبادئه، مهما كان هجوم ذاك مجانبًا للموضوعية والعقلانية والذوق والأدب ويُعد من يتصدى لدحض هجومه، متخلفًا منغلقًا متطرفًا مهما كان دفاعه موضوعيًاعقليًا؟ إذا كانت الأعمال الفردية -الصادرة عن فرد أو مجموعة، لابد، بالضرورة أن تمس الأمة التي ينتمي إليها الفرد أو المجموعة.. فلماذا تنسحب هذه القاعدة على من يجتهدون في الدفاع عن الأمة ضد أعدائها، ولا تنسحب على من يذلون الأمة بأقوالهم وأفعالهم، ويبيحون كل شيء فيها لأعدائها؟ ثم: لماذا تنسحب هذه القاعدة على أمة واحدة هي أمة الإسلام، ولا تنسحب على الأمم الأخرى، التي لا تحمل إساءة الفرد فيها إلا على صاحبها؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل