العنوان المجتمع الثقافي العدد 1622
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004
مشاهدات 63
نشر في العدد 1622
نشر في الصفحة 44
السبت 09-أكتوبر-2004
كيف تُصنع الألقاب الزائفة؟!
لا تكاد تمر مناسبة، دون أن نسمع أو نقرأ اسم «لطفي السيد موصوفاً بأستاذ الجيل»، ومنظوماً ضمن سلسلة من الأعلام كالشيخ محمد عبده، وعرابي، ومصطفى كامل ومحمد فريد، وغيرهم، بل وبغير مناسبة أيضاً يقابلنا الحديث عن أستاذ الجيل بمثابرة عجيبة، لتثبيت هذا الوصف في أذهان المصريين!
فما وجه الحق في هذه الأستاذية؟ وبماذا يكون عالم أو مفكر أستاذاً لجيل؟ وبماذا نال لطفي السيد هذا اللقب؟
أحسب أن أستاذ الجيل لابد أن يكون صاحب فكر، ورجل علم، وبحث وتأليف وتأثير في النخب المثقفة والمربية والفاعلة في المجالات المختلفة من أمثال: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأبو الأعلى المودودي وحسن البنا، وبهذا المقياس لا يمكننا قبول أستاذية لطفي السيد بأي حال، فالرجل كان موظفاً حكومياً، من كاتب نيابة إلى وزير إلى مدير جامعة وليس له فكر، ولا بحث ولا نظر ولا مؤلفات وإنما هو صاحب آراء عادية في مسائل كانت مطروحة في أيامه.
ومن المؤسف أن آراءه تلك كانت خاطئة ومرفوضة ولا تزال هكذا حتى اليوم!
وفي جذور شخصية أحمد لطفي السيد تقابلنا نزعته النفعية المادية البرجماتية الفطرية التي تتحكم فيه وفي آرائه وتحيزاته وتفسر كل أعماله ومواقفه، فهو باشا ابن باشا، ومثله لا طاقة له بالجهاد ضد الإنجليز أو ضد الخديو، وليس لديه الاستعداد للتضحية بأي شيء وهو يخاف على نفسه وعلى مركزه وعلى أمواله، فالموقف الممكن لمثله هو الحياد بين القوتين اللتين تحكمتا في مصر في عصره: الاحتلال الإنجليزي، والخديو، وقد وصف هو سياسته تلك وسياسة حزبه. حزب الأمة، بأنها سياسة الحياد، مع «المحاسنة»، «والمجاملة»!
وقد نجح لطفي السيد في بلوغ أهدافه الشخصية النفعية فرضي عنه الخديو، كما رضي عنه كرومر، عميد المحتلين الإنجليز وقد سافر سنة ۱۸۹۳م إلى إستانبول، وكان الخديو عباس حلمي الثاني يزور وقتئذ العاصمة العثمانية «فكنا فيها نحن الاثنين (هو وإسماعيل صدقي)، كأنما تمثل الطلبة المصريين في الاحتفال بالخديو». (۱)
وليست غفلة أن يترك لطفي السيد هذه الحكاية دون إيضاح فمن ذا الذي اختاره ليمثل الطلبة؟ وماذا يقصد بلفظ: «كأنما!» هذه؟ إن هذا الغموض المتعمد هو تغطية للحقيقة التي تطل برأسها من ثنايا الخبر ألا وهي أن الخديو هو الذي اختاره، وهذا معناه أنه كان قد التحق بالركب الميمون قبل تخرجه من مدرسة الحقوق وبعد التخرج أرسله إلى سويسرا ليقيم هناك سنة في مهمة غامضة أيضاً، ثم ينتهي تطور العلاقات بينهما إلى ترتيب لقاء أسبوعي منتظم بينهما!
وفي علاقته بالإنجليز، بلغ الرضا ذروته حين أسس لطفي السيد، مع عدد من الباشوات، حزب الأمة سنة ١٩٠٧م: «بفضل مجهود اللورد كرومر». كما يقرر اللورد جورج لويد، وبفضله أيضاً أصدر: «الجريدة» (۲) وهذا يفسر لنا سياسة «المحاسنة» مع العدو والمحتل، وتلك التي اتخذتها الجريدة وشرحها لطفي السيد مديرها ورئيس تحريرها، وبلغت ذروتها في امتداح «كرومر» وتعديد مناقبه وأفضاله على مصر!!
ونفعيته الأنانية المادية هي التي أملت عليه معارضة مصطفى كامل ووصمه بالكفر، لأنه تشبث بالخلافة العثمانية، فقد كان الخديو، والإنجليز مع فكرة فصل مصر عن دولة الخلافة، ووجد لطفي السيد أن من مصلحته أن يساير القوتين المتحكمتين في البلاد، فأخذ يدعو إلى استقلال مصر عن دولة الخلافة، في حين كان مصطفى كامل يرى أن «إظهار الولاء لتركيا، والحرص على حسن العلاقة بينها وبين مصر، مظاهرة ضد الاحتلال البريطاني، تعلن لبريطانيا، وللعالم. أن مصر ترفض اعتبار هذا الاحتلال إجراء نهائياً» (۳).
ومضى لطفي السيد في عدائه لدولة الخلافة إلى درجة الإنكار التام لوجود شيء اسمه الوحدة الإسلامية، أو إمكان تحقيق أي نوع من الوحدة العربية، وهكذا تورط في مواقف شعوبية عنصرية ضيقة الأفق، ووجد نفسه وحيداً، ضد الشعب المصري كله.
فحين اندلعت الحرب بين دولة الخلافة وبين إيطاليا في ليبيا دعا لطفي السيد إلى الوقوف على الحياد، لأن «سيادة تركيا على ليبيا لا تجلب لمصر منفعة ولا ترفع عنها مضرة!» (٤). وفي هذا تتجلى نفعيته المادية الأنانية الضيقة. ومن فضل الله تعالى أن أحداً من المصريين لم يصغ لتلك الدعوة باعتراف لطفي السيد نفسه، وهب المصريون يجمعون الأموال ويشترون السلاح، ويحملونه إلى إخوانهم المجاهدين في ليبيا، وأراد لطفي السيد أن «يُنظر» لنزعته الأنانية النفعية، وما جرته عليه من مواقف شعوبية قبلية، فتورط في أقوال خاطئة دينياً وعلمياً!
ومن أخطر تلك الأخطاء إنكاره أن الجامعة الإسلامية أو الوحدة الإسلامية مقصد من المقاصد التي يسعى المسلمون لتحقيقها «فهذا لا دليل عليه مطلقاً، كما أنه لو حاول إيجادها لاستحال ذلك بالمرة على طلابه». ثم يقول: «علمنا التاريخ وطبائع البشر، أنه لا شيء يجمع الناس إلا المنافع» (٥) فالدين، والقومية، لا يصلحان أساساً لاجتماع الناس أو توحيدهم في أمة واحدة عند لطفي السيد، والحق أن هذا يناقض الواقع، فالأمة الإسلامية لم تنس الوحدة يوماً، وكذلك اللغة العربية، ومرد ذلك إلى ما جاء في القرآن الكريم من النهي عن الفرقة والدعوة إلى ما تحققه الوحدة من القوة. وقد عاش لطفي السيد حتى رأى سقوط أفكاره الشعوبية حين نشأت الجامعة العربية، وكان هو قد عارض أول محاولة لتوحيد سورية ومصر سنة ١٩١١م حين جاء شكري العسلي، وهو سوري والسيد ثابت وهو، لبناني، في عرض لضم سورية إلى مصر. (6)
هذه الأفكار الشعوبية، مع أفكاره العلمانية الداعية إلى جعل الفلسفة الأوروبية أساساً للنهضة المصرية الحديثة هي التي نالت إعجاب العلمانيين وكل القوى الكارهة للإسلام، والخلافة، والوحدة الإسلامية والوحدة العربية، وهذه الأفكار هي التي أهلته لذلك اللقب الفخيم الزائف! الذي يتردد على أسماعنا بمناسبة وبغير مناسبة، ولو أن لطفي السيد بحث وفحص وفكر، وألف أضعاف أضعاف ما فعل في نصرة الإسلام وثقافته لما نال وظيفة مدير الجامعة المصرية، ولما صار وثناً للعلمانيين اسمه: أستاذ الجيل! بل كان اليوم في طي النسيان مثل مصطفى صادق الرافعي، وعلى الطنطاوي، وعبد الوهاب عزام، ومحمد أحمد الغمرواي، وفريد وجدي، وغيرهم من الأساتذة الكبار الحقيقيين.
ولقد حفظ لطفي السيد القرآن الكريم في صغره، وتتلمذ مدة على يد جمال الدين الأفغاني، ودرس الشريعة الإسلامية في مدرسة الحقوق، ولكنه لم يتأثر بشيء من ذلك، الأمر الذي أدهش مؤرخًا مثل ألبرت حوراني، ولكنه لهذا السبب عينه منح لقب: «أستاذ الجيل»، في حين أنه لا يستحق أن يكون أستاذًا لأي جيل إسلامي أو علماني!
الهوامش
(1) قصة حياتي، أحمد لطفي السيد، ص28
(2) فتحي رضوان: مصطفى كامل، ص240
(3) السابق، ص245
(4) قصة حياتي: أحمد لطفي السيد ص126
(5) السابق، ص67
(6) السابق، ص133
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل