; المجتمع الثقافي (1646) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1646)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 09-أبريل-2005

مشاهدات 74

نشر في العدد 1646

نشر في الصفحة 48

السبت 09-أبريل-2005


مداخلة حوارية نقدية مع الشاعر
عبد الرحمن العشماوي
في ديوانه: «عناقيد الضياء»
محمد شلال الحناحنة
الشاعر عبد الرحمن العشماوي من شعرائنا المتدفقين عطاء، فتركض القصائد في عروقه، هو راحل دائما إلى القيم السامية التي تفيض بأسرار نبضه وإيقاعه، ونرى الصباح يعزف أناشيده في غدوه ورواحه، يستنبت أحلام فجره في رياض الشعر، ويظل طليق الروح، وعدته يقينه على الله، لم ينس هموم أمته ومضة قلم، بل لم تزل تشجيه هنا أو هناك رعشة الألم، لم يزل يهاتف التاريخ سفينه، ويبذل في فضاءاتنا صفاء نفسه كي يسلم دينه!!.

قبل أيام قليلة وقفت معه ذات مساء، أقلب ديوانه، قال لي مبتسماً: من أين نبدأ الحوار يا
أخي؟
قلت وأنا أبادله الابتسامة:
•  دعنا نبدأ من مكة المكرمة، ومن وجهها المتألق مع تلبية الحجيج.. ترى كيف تهفو إليها؟ وكيف يهزك نداؤها؟!
- قال: لقد سافرت في المدائن كثيراً، لكنني ما رأيت منبعاً للخير مثلها، ولعلي أسمعك بعض
نبضي فيها:
يسافر طرفي في المدائن كلها * * * وروض الأماني الباسمات نضير
رأيت زوايا الكون أدركت عمقه * * * وفيه بشير صادق ونذير
فلاحت أمامي مكة الخير منبعًا * * * ومن حوله الكون الفسيح يدور
كأن الوجود الرحب شرقاً ومغرباً * * * أكفٌّ إلى البيت الحرام تشير
•  قلت له: زدنا عن صفاء القلوب هناك، وعن إشراقات الروح، ماذا لديك من بوح؟!
وقصاد بيت الله تصفو قلوبهم * * * وماء سواقي الذاكرين نمير
كأنَّ خطاهم في المشاعر أحرفٌ * * * تسطر منها للولاء سطور
ولاء لربِّ الكونِ لا ربَّ غيره  * * * خبير بأسرار القلوب بصير
يلبون والآفاق تصغي فتنتشي * * * جبال وتهفو للنداء صخور
تغرد في وجه الرمال بشاشة * * * ويشرق في وجه التلال سرور
ويخفق قلب الأخشبين سعادة * * * يبوح بها للذاكرين عبير 
ويصبح وجهُ الكون أبيض ناصعاً * * * وتنمو على كف الزمان زهور 
وتزهو ليالي العاكفين نجومها * * * رعية حسن، والهلال أمير
•  أنت من الشعراء الذين يكتبون بمداد مواجعهم! تُرى ما حالُ أمتُنا اليوم في ظل هذه المآسي والانكسارات والأحزان... ألمْ تسأل نفسك ماذا جرى؟!
قال بلى، ثم أجابني بحرقة وألم: 
وسألت نفسي، بل أثرت شجونها * * * ورأيت من لهب السؤال دخاناً: 
هل أحجم التاريخ هل ألقى بنا * * * في اليم، هل أغرى بنا النسيانا ؟! 
هل مات ذكر الفاتحين، فلم تعد * * * لابن الوليد يد تدير رحانا
وهل استدار الدهر حتى لم نعد  * * * نلقى المثنى أو نرى النعمانا
وهل انزوى في الغُمد سيف قتيبة * * * وهل انمحت من حده ذكرانا
•  قلت له: ذاك تاريخ قد مضى، وأراك تستنهض الماضي، فما جدوى ذلك الآن؟
قال: من لا ماضي له، لا حاضر له، اقرأ التاريخ لتدرك صدق رؤيتي:
اقرأ .....!
وتنهلُ الرؤى من كل ناحية 
وينهمر اليقين
وتختصر المفاوز والحقب
وتدور دائرة العرب
يتهيأ البدوي من صحرائه غيثاً
ويمطر في العراق
يتدفق البدوي من صحرائه نوراً
ويشرق في العراق
في الشام في الفسطاط، في اليمن السعيد ....
وفي المدى المرسوم في عنق البراق!
• لكن هذا العربي الذي تفتخر به، ملك الكون بقوة العقيدة الصافية، وقد أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة بعزيمة الرجال؟ فأين نحن من هذا؟! وماذا نملك مما لديه من صدق الأقوال والأفعال؟
رد عليَّ بصوت شفيف حزين قائلاً: دعك
يا أخي من الأعذار، فالمرجعية بين أيدينا:
يتشامخ البدوي
يغسل وجهه عينيه من آثار ليل الجاهلية
يتشامخ البدوي
يصبح أمة وسطاً تمد ذراعها للقادسية
يتشامخ البدوي
هذي مكة الغراء ترفع رأسها
وسط الزحام
هذي خيوط الفجر تنسج ثوب عزتها
وهذي بئر زمزم والمقام
هذي ملامح سيدها اليتيم
تصوغ للدنيا حكايتها الفريدة
هذي انطلاقتها الجديدة
هذا شذى «اليرموك» ينشد للعلا
أحلى نغمْ
هذي ربى «حطين» تحمل باقة الفرح المطرز
بالشممْ!
• لا شكّ أن مرجعية النصر بين أيدينا وحسن المكان وقدسيته تملأ النفوس، ورؤى تاريخنا الأصيل تضيء الطريق، ولكن أين العمل؟ ألا يحزنك ما نحن عليه في هذا العصر؟!
بلى يحزنني، ولكنك لم تكمل قصيدتي فكم أشجاني النغم.
هذي ....!
ويسكتني اشتعال الحزن في عصري ويلجمني اللهب
والأمة الغراء في وهج الظهيرة تغتصب
والقدس يصرخ يا عرب!! عرب عرب
شربوا كؤوس الوهم طافوا حول قبر أبي لهب
والمسجد الأقصى يردد في غضب:
لهب لهب!
شارون يشعل ناره
والمسلمون هم الحطب!
عرب عرب.. لهب لهب!
يا أحرف الشعر التي قُتلت على باب السكوت
مدي يديك إلى السماء وحركي شفة القنوت ...!
• سألته بمرارة: كيف سنحرك شفة القنوت، ونحن لم نزل نطوف حول قبر أبي لهب...؟! لقد انطفأ السراج... بالله عليك أخبرني ماذا لدينا من أمل؟!
أجابني بدهشة واستغراب شادياً:
عجباً أينطفئ السراج، وزيته * * * ما زال نهراً يشعل النيرانا؟! 
قف أيها التاريخ، إنَّا هاهنا * * * تمتد بالأمل الكبير يدانا 
انظر إلينا كي تشاهد جيلنا * * * يأبى لغير الخالق الإذعانا 
لترى شباب العرب حين تألقوا * * * رفعوا لنا بجهادهم أركانا 
لتشم في «نابلس» مسك دمائنا * * * ولكي ترى في «القدس» فجر هدانا
لترى «حماس» المجد ترفع رأسها * * * عزاً وتطلق للجواد عنانا 
لترى خروج المجد من عليائه * * * يلقي عن النصر الكبير بيانا
سل عنه سيف قتيبة وحصانه * * * فلقد تسر إذا سألت حصانا
ولقد تسر إذا سألت مهنداً * * * في كفه لا يعرف الخذلانا
أو ما ترى الأبطال في صلواتهم * * * يستنصرون الواحد الديانا.
 


واحة الشعر
لا ضير

شعر: رمضان زيدان

الله أنزل شرعة وكتابا * * * تبقى لكل العالمين مآبا
صدق الأمين فما يقول عن الهوى * * * هو قول صدق حجة وخطابا
هو قول فصل تقتديه نفوسنا * * * هو بالحقيقة يفتح الألبابا
هو نبض روح يستطيل ركابها * * * هو مجد قوم يستدل صوابا
إني أريت العدل ركنا قائماً * * * يحمي الضعاف ويسترد هضابا
يبني المودة في شغاف قلوبنا * * * للدين ري يحتوي الأحبابا
إني رأيت الحب نبعاً صافياً * * * والصف يقوى يستفيض شبابا
إني رأيتك زهرة يا أمتي * * * مهما تجنى الآثمون سبابا
إني رأيتك في خيالي درة * * * وقد يذيب عتاهة وحرابا
وأراك نهراً لا تجف عيونه * * * وأراك قمراً قد بدى وشهابا
لا ضير مما قد يحاك من العدا * * * طعنوا الظهور وجندوا المرتابا
من قال إنك قد فقدت صولة * * * كلا فأنت قد رفعت جنابا
ما لي أرى هذي الورود حكاية * * * نسجوا لها في العالمين حسابا
ما لي أرى هذا الضجيج من الورى * * * سفه يقود شراذماً وسرابا
لن يعتري الدين العظيم نواقص * * * كلا وإنا قاهر والأذنابا
يا من أتيت بالجهالة فرقة * * * إثم تجدد بالوبا أسرابا
الدين ليس بما حوى ألعوبة * * * الدين عانق فرقداً وسحابا
الدين ظل وارف هيا احتمي * * * الدين فكر يستقل كتابا 
لا تقتفي يا أخت نهجاً للشرى * * * كوني لأهلك دوحة وعُبابا 
كوني الأمومة تحتوي بحنانها * * * ولداً كريماً يستدل ثوابا
كوني إشارة خيرنا بين الورى * * * كوني ابتسامة فرحنا ورحابا
لا ترهبي يا أخت أنت قوية * * * وتلمسي نحو العلا إسهابا 
قومي إلى حصن العفاف تلفعي * * * فلديك تاريخ يفت صعابا
قومي إلى حوض العطاء وأوردي * * * بين الجداول قد نسجت ثيابا
هذا هو القرآن موردنا الذي * * * جعل الحياة رحابة ومتابا
هذا هو القرآن منهل عزنا * * * قومي إليه تجنبي الأوشابا
أختاه دين محمد يروى به * * * نبضات قلب تستحيل إيجابا


البحث التاريخي وأخلاقية المنهج

د: جابر قميحة

komeha@menanet.net

ما أكثر الأخطاء التي يقع فيها كتاب التاريخ!! ومن أخطائهم المنهجية: إهمال (الدقائق والتفصيلات)، والاكتفاء بالوقوف أمام الأحداث الكبيرة المتوهجة، وإصدار الأحكام تأسيسا عليها، والكاتب الذي يسلك مثل هذا المسلك لا يعدو في نظري. كونه مشاهداً أو متفرجا، يرى بالبصر، ولكنه معطل البصيرة، والبصيرة العلمية تعتمد على الاستنباط والتعمق، وربط الأسباب بالمسببات، والعلل بالمعلولات والأحداث الظاهرة الطافية على السطح بجذورها الضاربة في الأعماق.

بين القديم والحديث
وقبل أن نعرض لمزالق أخرى يقع فيها كثير من المؤرخين وكتبة التاريخ أجدني أمام سؤال يطرح نفسه، مؤداه أيهما أسهل تناولاً وأقل مزالق، وأوضح سبلاً: التاريخ القديم أم التاريخ الحديث؟ ولعلي أكون في جانب الصواب إذا رأيت أن دراسة التاريخ القديم أسهل - إلى حد كبير. من دراسة التاريخ الحديث، مع أن هذا الأخير أوفر مصادر، وقد يلتقي الباحث المصادر الحية من الشهود الذين عاصروا الأحداث، وأراني أستند في رؤيتي هذه إلى الأسباب التالية:
١- التاريخ القديم استكمل كل ملامحه وسماته، أو أغلبها، ومن ثم لا يعوز عهوده النضج والتكامل، إنه أشبه ما يكون بالوجبة الناضجة الجاهزة، أو الجسد المستعد للتشريح، بينما التاريخ الحديث لما يستكمل حلقاته، ولما تتجمع عناصره التي يتكون منها الموجود الناضج، وقد يكون ما نجزم بأنه نتائج حاسمة لا يعدو كونه مقدمات لنتائج لم تولد بعد.
٢ -التاريخ القديم لا يثير فينا - غالبا - حدة الانفعال البعد عهده وجذوره الضاربة في القدم فالناظر إليه وفيه لا تأخذه - في الغالب - الحماسات والانفعالات الحادة، وإن آثار التفاعل والتعاطف والاعتزاز أو الازدراء، بينما التاريخ الحديث ما زال يرتبط بكثير جدا من قضايانا الحساسة، ومن ثم يصعب التخلص تجاهه من عواطفنا المتوقدة، ويكون التجرد في دراسته وتقييمه عملاً من أشق الأعمال. 
3- أصبحت دراسة التاريخ العربي الحديث - ابتداء من الخمسينيات - خاضعة للتكييف السياسي المرتبط بنزعات أيديولوجية وسياسية وحزبية عاتية، واقترب هذا التكييف - الذي يتظاهر بالعلمية - من التزوير الذي يمحو الحسنات، ويبرز السيئات أو العكس، ويتغافل عن كثير من الحقائق لخدمة أهداف سياسية معينة.
4- من الأمثال الفرنسية «لن ترى الصورة إلا إذا كنت خارج إطارها»، وهذا يعني أن شدة الالتصاق والقرب قد تسمح برؤية جزئية واضحة، ولكنها تضبب الرؤية الكلية الشاملة فالمواجهة القريبة المباشرة تعطينا الصورة الواضحة للمساحة المنظورة، ولكنها تحرمنا الرؤية الشاملة لكل الأبعاد والمنعطفات والزوايا للمرئي المنظور، وكلما ازداد القرب قلت المساحة المرئية، وقد يصحب ذلك الغلط في التعريف والتقييم، كالذي خرج لاستطلاع رؤية هلال رمضان، وشهد بأنه يراه رأي العين، ولم يكن ما رأى غير شعرة بيضاء سقطت من رأسه على أطراف رموش إحدى عينيه.

مزالق ذات أخطار:
والكاتب الذي يتصدى للحكم على العصر والوقائع والشخصيات يتعرض - إذا لم يرزق روح التجرد والبصيرة النافذة - للوقوع في عدة مازق أو مزالق كل منها خطير ومجاف للتفكير المنهجي السديد، وهي - في النهاية - تقود إلى متاهات تبعده عن الحكم الصحيح السليم، ومن هذه المزالق:
1- الخلط بين الأسباب الظاهرية والأسباب الحقيقية لحادثة من الحوادث أو ظاهرة من الظواهر، فليس من اللازم أن يكون السبب الظاهري هو السبب الحقيقي، بل قد يكون السبب الحقيقي أخفى الأسباب على الإطلاق. ومن هذا القبيل الخلط بين الأسباب الرئيسة والأسباب الثانوية للحدث أو الظاهرة.
٢ - النقاط الحدث والتعامل معه معزولاً عن مجموعة الأحداث والوقائع التي ترسم ملامح الشخصية التاريخية، وتفتح عيوننا على معطيات العصر والبيئة.
3- الحكم على معطيات عصر وظواهره بمعايير عصر آخر، فمن الحقائق البدهية أن لكل عصر آلياته وأبعاده وعاداته وتقاليده، ومناهجه في العيش والتفكير.
والحكم على العصر بغير معاييره نزعة تفشت - يا للأسف - مع مطلع الخمسينيات، وتولى كبر ذلك أدعياء التجديد ودعاة التحديث، ومن النماذج الصارخة لهذه النزعة ما كتبه أحدهم. وهو يفسر اختلاف وجهات النظر بين بعض المسلمين في صدر الإسلام. إذ جعل هذا الاختلاف صراعا بين اليمين واليسار - فحكم على صحابي جليل هو أبوذر الغفاري بأنه كان يمثل اليسار الإسلامي أو البلوريتاريا الإسلامية، أما «عبد الرحمن بن عوف، فهو في نظر الكاتب يمثل «اليمين الرأسمالي»!.
4- وآفة الآفات ألا يقرأ الباحث التاريخ نفسه دون بل يكتفي بالقراءة عنا التاريخ ... وفرق شاسع بين من يقرأ تاريخ العصر أو الشخصية من المصادر الأصلية، ومن يكتفي ويقنع بآراء الآخرين عنهما. 
وتكون الخطورة أشد وأعتى إذا كانت هذه الآراء المشاهير لهم ثقلهم ومكانهم المرموق في الساحة الفكرية؛ مما قد يستهوي الباحث ويستغويه، فينساق إليها مردداً مسبحا دون الرجوع إلى المصادر الأصلية، ودون تحكيم العقل والبصيرة، وهؤلاء الذين يروجون أقوال المشاهير وآراءهم في العهود والأشخاص والوقائع - اعتمادا على شهرتهم دون تمحيص وتدقيق - يشبههم «أرنولد توينبي» بمروجي العملة الزائفة... همهم الأول والأخير أن تروج العملة، ولو أدى ذلك إلى إفلاس الاقتصاد القومي.

العميان والفيل المظلوم
هذه الآفات العلمية التي أصابت كثيراً من الأقلام والمفاهيم وتلك المزالق التي يهوي إليها كثير من الدارسين وتكون حصيلتها الأحكام القاصرة المغالطة التي حرمت النظرة الشمولية المحيطة بكل الجوانب والأجزاء والملامح تذكرني بقصة قرأتها في صغري خلاصتها أن جماعة من العميان أحاطوا بفيل، وشرعوا يتبارون في وصفه فوضع أولهم يده على خرطومه، وقال إن الفيل حيوان لا عظام فيه، وهو يتحرك إلى أعلى وأسفل ووصفه الأعمى الذي لمس نابه بأنه حيوان صلب مدبب أما الأعمى الذي أمسك برجله فقال الفيل حيوان غليظ قائم، وكانت هذه هي حصيلة المباراة التي ظلم فيها الفيل، كما ظلم ويظلم التاريخ والحق والحقيقة بأقلام عاجزة عمياء.
منهج أخلاقي: "ومنهج البحث في التاريخ بخاصة يجب أن يكون منهجا أخلاقيا قبل كل شيء معتمدًا على الصدق في الرواية، والصدق في التثبت، والصدق في التفسير، والصدق في التكييف مع توافر حسن النية في كل مرحلة من المراحل. ولا أغلو إذا قلت: إن تراثنا الإسلامي قد أرسى قواعد هذا المنهج العلمي الأخلاقي في نفوس المسلمين وضمائرهم، ويشدني ما جاء في الأثر من أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ، وقد أمسك بتلابيب رجل آخر، وهو يقول في غضب شديد وثورة يا رسول الله إن هذا الرجل سرق مني كذا وكذا، فرد عليه النبي ﷺ قائلاً: «لا تَقُل سرق وَلَكِنْ قُلْ أَخَذَ»، نعم لا تقل سرق، ولكن قل أخذ إنها كلمات مشرقة عجيبة تكثف في بساطة ووضوح المنهج الأخلاقي في ملء مناحي الحياة فمن معطيات هذه الكلمات العلوية قاعدة قانونية إنسانية، خلاصتها : ضرورة التثبت قبل الإدانة فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، والأصل هو البراءة، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
والعطاء الذي تمنحه هذه الكلمات يمتد حتى يصبح منهجا علميا» من ملامحه التأني والتعمق. والتمحيص، والترفع عن الشبهات والبعد عن كل ما لا يطمئن إليه القلب والعقل والضمير.
واستقاءً من هذا المنهج العذب حرص أسلافنا في كتابة التاريخ، وتدوين الحديث النبوي - على السند» أو «الإسناد»، أي «العنعنة»: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، وظهرت كتب الجرح والتعديل، وهي الكتب التي تبحث في أحوال الرواة والمحدثين وأخبارهم، وتضع معايير الأخذ منهم أو رفض ما قدموا، فتجيز من يطمأن إلى دينه وأخلاقه وحفظه، وترفض من يشك في يقينه وعقيدته، أو مروءته، أو سلوكه، أو حافظته.
وقد تأخذ الحيطة والأناة والحذر والتثبت العلمي عند بعض السلف صورة تدعو إلى الدهشة والإعجاب، وفي هذا المقام يروى أن أحمد بن حنبل رضي الله عنه. تجشم مشاق السفر إلى اليمن لأسابيع أو أشهر ليتحقق من صحة حديث نبوي، فلما عثر على العالم المحدث المطلوب رآه يضم إليه أطراف ثوبه، ويدعو بغلته النافرة إلى طعام في حجره، وحجره فارغ، فتراجع أحمد بن حنبل، ورفض أن يسأله عن الحديث الذي جاء من أجله لأنه كذب على بغلته بإيهامها أن في حجره طعاما: مما يشكك في. مصداقيته ومروءته!
تلك هي الوجهة الأخلاقية التي يجب أن يتسم بها منهج البحث في كل العلوم، وخصوصا التاريخ، حتى لا نكون أدعياء وعالة على تراثنا وتاريخنا البعيد والقريب، وحتى لا تتكرر في حياتنا قصة الفيل والعميان»، وتصبح منهجا له قواعده، وكتبه ورجاله وحواريوه.
 

منى محمد العمد
قصة شاب عربي في بلاد الروس

فتاة روسية في مقتبل العمر، جميلة تقف في السوق تتلفت كأنها تبحث عن شيء ما، حتى وقعت عيناها على شاب عربي جاء إلى بلادها يطلب العلم، ابتسمت ابتسامة من يعثر على ضالته أما هو فقد وقعت نظرتها إليه وقع سهم كاد أن يصيبه في مقتل، فأخذ يتبعها بنظراته اطمأنت الفتاة إلى أنها نجحت في مهمتها ومشت في طريقها، فقام يمشي في إثرها لا يلوي على شيء، وكانت بين الفينة والفينة تلتفت إليه كأنما تتأكد إلى أنه لا يزال خلفها، ثم تبتسم مطمئنة، أثار تصرفها استغرابه الشديد، فالفتاة تنظر إليه وعيناها تقطران براءة، لا، لا يمكن أن تكون من فتيات الهوى اللاتي يسمع عنهن من بعض قرناء السوء، لكنها تبتسم في وجهه !! قرر أن يتبعها وليكن ما يكون، حتى وصلت إلى منزلها، ودخلت، فما كان منه إلا أن دخل المنزل وراءها، فإذا بامرأة كهلة تقف في طريقه، وتخاطبه بلسان عربي مبين قائلة: أهكذا يفعل أحفاد رسول الله  ؟! يلاحقون بنات الناس إلى بيوتهن؟!
أسقط في يد الشاب فهذه مفاجأة لم تخطر له ببال، توقع أي شيء لكنه لم يتوقعها، ولم يكن المسكين يدري أن ما خفي عليه كان أعظم مما بدا له، تلفت حائراً في أنحاء البيت، لم يجد الفتاة.. تلعثم وهو يقول: لكنها.. هي.. هي التي ابتسمت في وجهي.. هي.. كانت تدعوني، ثم قال مستدركاً خجلاً أو ربما هكذا خيل إلي أنا ... أنا آسف، سامحيني يا سيدتي قالت المرأة نعم، لقد كانت تدعوك فعلا ازداد الشاب حيرة بينما تابعت المرأة تقول: أنا أمها وقد طلبت منها أن تستخدم كيد الأنثى في استدراج طالب عربي إلى منزلنا لنسأله هل معه نسخة من المصحف الشريف؟! جلس الشاب على الأريكة القريبة وهو يحاول إدراك ما تقوله هذه المرأة استطردت تقول: ألا تعلمون في بلادكم أننا محرومون من المصاحف فكل من يعثر معه على صفحة واحدة من المصحف يعدم دون محاكمة؟ أما أنتم فتعتبرون هنا سياحاً ويحق لكم ما لا يحق لنا، ولم نكن نستطيع أن نطلب منك المصحف في غير منزلنا مخافة العيون حولنا والآذان عاد الشاب يحرر اعتذاره ويعد صاحبة المنزل أن يأتيها بالمصحف الذي أهدته له والدته وهي تودعه قبيل سفره كم شعر يومها بضالته أمام هؤلاء العمالقة، وكم شعر بالخزي من نفسه، فهو حتى لم يفتح المصحف الذي أهدي إليه، بل تركه مع سقط المتاع، بينما يتحرق هؤلاء الناس لرؤية هذا الكتاب العظيم فيبذلون الغالي النفيس في سبيل ذلك، إنه درس لا ينسى.
هذه قصة رواها الشاب العربي كما حدثت معه.. تذكرتها وأنا أتصفح موقع الندوة العالمية للشباب الإسلامي على الشبكة العنكبوتية، فهناك قرأت خبر توزيع ألف نسخة من القرآن الكريم مترجمة معانيه إلى اللغة الروسية كمرحلة أولى من المشروع، وأن الندوة بصدد توزيع ثلاثة آلاف نسخة في المراحل المقبلة، وأشار الخبر إلى الفترة التي قضاها إخواننا المسلمون هناك - والتي بلغت سبعين عاماً - تحت نير الحكم الشيوعي الذي كان يعتبر وجود ورقة من القرآن الكريم مع أحد جرماً كافياً لمعاقبته بالإعدام. 
كما تذكرت أني رأيت قبل فترة ليست طويلة برنامجاً وثائقياً على إحدى القنوات الفضائية يبين كيف حافظت الشعوب الإسلامية في الولايات التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي قبل أن ينفرط عقده على هويتها ودينها ولغتها بالرغم من القوانين الظالمة التي حكمتهم بالحديد والنار، وكيف أنهم كانوا يتخذون الأقبية تحت بيوتهم فيصلون فيها ويعلمون أولادهم الصلاة والقرآن الكريم واللغة العربية وقواعدها، كل ذلك خوفاً من أعين الرقباء. 
إنها السنن، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (النور: ٥٥).
وقال الشاعر أبو القاسم الشابي في قصيدته الشهيرة:
إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياة * * * فلا بدَّ أنْ يستجيب القدرْ
ولا بدَّ لليلِ أنْ ينجلي * * * ولا بدَّ للقيدِ أنْ ينكسرْ

الرابط المختصر :