; المجتمع الثقافي: (العدد: 1775) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1775)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 43

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 44

السبت 03-نوفمبر-2007

محمد صالح الشمري

قراءة في ديوان:

من يطفئ الشمس؟

للشاعر حيدر غدير

تتبدى لك الأناقة من الغلاف الأول؛ حيث اللوحة الجميلة.. وخط الثلث «سيد الخطوط» الذي لا يعترف أهل هذا الفن بانتماء أي خطاط إلى صنعتهم ما لم يتقن هذا النوع مهما علا كعبه في بقية الخطوط ومهما أجاد فيها وقدم.. حيث يرصع هذا الخط اسم الديوان بكل التحدي والسمو: من يطفئ الشمس؟!!

ثم يلج بك هذا المدخل الجميل بسلاسة ومتعة إلى مئة وتسع وثلاثين جوهرة منظومة بشعاع من أشعة تلك الشمس العصية على الانطفاء..

وعلى الرغم من أن الشاعر طوّف في ديوانه على مواضيع عديدة متباينة ومتباعدة -معظمها شخصي إذا جاز التعبير- إلَّا أن انتماءه وتكوينه الفكري والنفسي والثقافي.. ساقه إلى جعل قصيدة تتحدث عن «الأمة» عنوانًا لهذا الديوان ولم يترك له هذا التكوين أي خيار آخر.. وهذا واحد من أبرز وجوه «الالتزام» الذي يميِّز الشعراء الملتزمين مهما شرَّقوا وغرَّبوا في قصائدهم ومواضيعها.

ولأن الشاعرية لدى شاعرنا «حيدر غدير» أصيلة وفطرية ولها سطوة على كيانه.. دفعته إلى اختيار رسالتيه «الماجستير والدكتوراه» في قمم من ذرى وادي النيل الملهم وسفوح لبنان الساحرة: البارودي وحافظ وشوقي وعمر أبو ريشة.. وهنا يظهر، لأي ناقد، أمران واضحا الدلالة:

الأول: أن شاعرنا اختار شعراء ولم يختر مفكرين أو علماء في الفقه أو النحو أو البلاغة أو.. أو... إلخ.

والثاني: أنه اختار قممًا سامقة في سماء الشعر من مصر ومن بلاد الشام... فهو «وحدوي» في أعماق أعماقه كما هو ذوّاقة في تلك الأعماق أيضًا.. فالبارودي وحافظ وشوقي هم ملوك الشعر، وإليهم ترد الجزالة والبلاغة والشاعرية في أدبنا الحديث.. وفي بلاد الشام مَن غير عمر أبو ريشة يماثل تلك المكانة السامية مَن؟!!

يقدم الشاعر هويته للقارئ من أول قصيدة بل من عنوان ديوانه لا إراديًا، كما أسلفنا، على الرغم من أن الديوان مترع بالقصائد الوجدانية الصوفية التي تتدفق بالإيمان: «حان الوداع، أسلمتُ للرحمن، في ليلة القدر... إلخ» إلا أنه اختار القصيدة التي تقول:

نحن الخلود ونحن المجد والظفر *** والشاهد الدهر والأفلاك والسِّيَرُ

ومعقل نحن للإسلام نحرسه *** ونفتدي صرحه الغالي ونصطبر

ونحن يحرسنا قبل الرماح هدى *** ونحن تكلؤنا قبل الظُّبا السور

في كل أرض لنا من مجدنا أثر *** وفيه ما يتمنى السمع والبصر

أمجادنا مثلنا خير ومرحمة *** بها المفاخر قبل الناس تفتخر

حتى يقول:

ونحن باقون تعلينا هويتنا *** وهي الرسالة لا ما زيَّف البشر

من يطفئ الشمس نحن الشمس خالدة *** أمَّا عدانا فآفل ثم ينحسر

أرأيت -عزيزي القارئ- إلى هذا الفخار والاعتزاز الذي يرى أيادي أمته ورسالتها في كل زمان ومكان وإنسان وحضارة.. وإلى هذه الشاعرية الفياضة التي تنهل من بحر لا حدود له..

ثم يأخذ -بعد هذا المدخل المهيب -بيد القارئ بل بقلبه ووجدانه في حديقة متنوعة الأزهار والعبير والشذا بين: وجدانيات ووفاء لمسقط رأسه وحبه الأول: 

دير الزور وفراتها الخالد -الذي هام به الشعراء على مر التاريخ.. وكذلك صفو المحبة للوالدة والأخ والعلماء والأصحاب.. إلخ كل ذلك بين جد وهزل يبعد عن النفس كل ملل وبكل المتعة والفائدة، فلا يكاد قارئ الديوان يبدؤه حتى يوغل فيه مسلوب الإرادة يغترف من بحره الدرر واللآلئ.

وقديمًا قالت العرب: إن الحنين إلى الديار دليل أصالة.. ولشاعرنا فيها رصيد لا ينضب فهو لا يكتفي بالحنين والمديح لمدينته وفراتها وحسب، بل هو يهيم بدمشق وحمص فعقله الباطن يشده، مرغمًا، إلى مدح كل ما له صلة بتلك المدينة وذلك النهر:

ففي قصيدة «عودة» نجده يقول:

عدت شيخًا تقودني أشواقي *** والأمانيُّ جذوتي ورفاقي

وأنا عاشق مرابع أهلي *** وهم الساكنون في أعماقي

وهم الساكنون عقلي وقلبي *** وهم الكحل ساكنًا أحداقي

وفي قصيدة «أيها النهر» يقول:

أنت بين القلوب والأحداق *** أيها النهر يا عصيّ التلاقي

ساكنٌ في بنيك حيث تولّوا *** في القريب الداني وفي الآفاق

شرقوا وغربوا وأنت نزيل *** ظاعنٌ في قلوبهم والتراقي

وفي قصيدة يا شام يقول:

يا شام أنت على الزمان وسام *** باق بقاء الخلد ليس يضام

وفي قصيدة يا حمص يقول:

يا حمص إني عاشقٌ مفتون *** بخصالك الحسنى وهنَّ فنون

أخيرًا فإن الشاعر لا يهدي باكورة إنتاجه إلى والدة أو زوجة أو ولد بل يهديها وبكل حلاوة القطفة الأولى.. إلى: «الأمة المسلمة التي لا تنطفئ شمسها مهما عتت الأرزاء وتكالبت الأعداء..».

يخيّل إلي أن هذا الديوان كان في البدء حديقة غنّاء رآها الشاعر وافتتن بها فتماهي فيها أو تماهت هي في وجدانه، فكانت هذا الديوان المتميز بحق الذي يشكل إضافة نوعية لديوان العرب الذي يضم كل ثمين.

واحة الشعر

شعر: عارف عاصي 

(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي

رمضان ولى

رمضان ولى فاتئد يا ساقي *** نفس المحب تتوق للإعتاقِ

كم خدَّرتنا شهوة ممجوجة *** ذُبنا بها بحثًا عن الترياقِ

كم لوُّعتنا في كؤوس صبابة *** كم أظلمت روح بلا إشراقِ

عشنا بكأسك متعة وهمية *** كُنًا الهيام بقلبنا الخفَّاقِ

رمضان غشّى روحنا نور التُّقى *** فمحى الخبيث وجاءنا بالباقي

ما إن تنفسْنا الحياة بفينه *** حتى انقضى بأريجه المهراقِ

والروح رقَّت في ربوع مروجه *** واليوم ويحي من قفار الساقي

يا حسن أغصان الحياة بروضه *** يا حسن نقش النور في الأعماقِ

أوما رأيت قلوبنا في ظله *** خفَّت كأزهار الربيع رقاقِ

وتناوبتنا فرحة ممزوجة *** بين الحنين العذب والإشفاقِ

والروح في طرب المحب تألفت *** ولقد تناءت عن قبيح شقاقِ

والكون رحب والحياة وضيئة *** والنفس تحوي الكون في الإغداقِ

رمضان ولَّى لا يزال لرجعه *** شوق بسمع العاشق التوَّاقِ

رمضان ويحي هل أعيش لمثله *** يا سعدَ من يحيا ليوم تلاقي

رمضان ولى فاتئد في سكب ما بثته *** غربان الهوى الأفَّاقِ

رمضان ولى يا شياطين الدُّنى *** نور الحقيقة أن من إملاقِ

وإذا السموم على الجراح تناثرت *** ويح العليل من الطبيب الراقي

رمضان ولى عن قلوب قد سمت *** أما النّفاق فكم هوى لنفاقِ

هذي الجراح وكم دعونا ربنا *** في برنها والقلب في إشفاقِ

جرح بغزَّة لم يزل يُذكي اللظى *** شعب تجدد والدّنى بسباقِ

والقدسُ في قيدٍ بئيس هدَّهًا *** همُّ عبوس كالح الأحداقِ

والدجلتان على الجراح تناوبت *** في مسمعي صوتُ لنزف عراقِ

هذي كلوم سقتها يا ساقي *** من وجدها تشكو رُبى الأخلاقِ

يا عازف الأحزان أسمعت الدُّنى *** لو أنها تصغي لشدوٍ واقي

أو ما ترانا قد تداركنا الذي *** قد فات منَّا بلهفة وعناقِ

سنعيش سالف عهدنا في لهونا *** لا روح لا استعلاء هيّا رفاقي

جفت كؤوس قد غمرت حروفها *** عشقًا ولهوًا في هوى دفاقِ

فأجبته إن الفضيلة غايتي *** عيشوا على سكر الخنا بوفاقِ

واحيوا شعارًا في الدُّنى كلماته *** وشم الأسى في لوعة الإحراقِ

رمضان ولّى هاتها يا ساقي *** مُشتاقة تهفو إلى مشتاق ِ

الرابط المختصر :