; المجتمع الثقافي- العدد 1813 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي- العدد 1813

الكاتب يحيي بشير حاج يحيي

تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008

مشاهدات 67

نشر في العدد 1813

نشر في الصفحة 44

السبت 02-أغسطس-2008

  • مسيو.. لابد أن تعتذر!

في مبنى فخم يطل على قناة السويس كان المسيو سولنت كبير المهندسين يسكن وقد بالغ في زخرفته، وتأنق في أثاثه وجعل له حديقة غنّاء ينسيه جمالها حدائق باريس؟! وقد اعتاد أن يتفرغ لتحسين مسكنه في أيام الإجازة... أمسك بالهاتف، وطلب من سكرتيره أن يرسل له نجارًا ماهرًا : لإصلاح ما يظنه قد تلف.

نظر سولنت من ثقب بالباب فرأى شابًا أسمر اللون، عريض المنكبين له لحية خفيفة، يحمل في إحدى يديه زنبيلًا يضم عِددًا، وأدوات.

قال سولنت بعد أن استطاع إفهام النجار حافظ ما يريد: كم تكلفة هذا العمل؟

قال حافظ: مائة وثلاثون قرشًا: فصاح المسيو بعربية فيها لكنة فرنسية أنت حرامي؟!

ثار الدم في رأس حافظ، ولكنه تمالك نفسه، وقال بهدوء: ولماذا؟

قال المسيو لأنك تأخذ أكثر من حقك. قال حافظ، وهو يحدق في وجه سولنت، ويرميه بنظرات تجمع بين الازدراء والإشفاق مسيو إنني لن أتقاضى شيئًا إذا كان ما طلبته أكثر من القدر المناسب.... انتظر حافظ عدة دقائق. وقد وصل أحد الموظفين الذي قدر العمل بمائتي قرش. هز المسيو رأسه وطلب من حافظ أن يبدأ العمل.

قال حافظ: سأفعل، لكنك أهنتني. فعليك أن تعتذر عما وصفتني به.

لم يكن سولنت يتوقع أن يسمع مثل هذا الكلام، فهو هنا الآمر الناهي فغضب واصطبغ وجهه بالحمرة، وقال في حدة ونزق: تريد أن أعتذر إليك؟! ومن أنت؟ لو طلب مني ملككم ذلك ما اعتذرت....

قال حافظ: وهذه غلطة أخرى يا مسيو سولنت... كان أدب الضيافة يفرض عليك ألا تقول مثل هذا الكلام؟!

أحس سولنت، وهو يغلي في داخله أن هذا النجار استطاع أن يضعه أمام تحدي الند للند .... فتركه، وأخذ يتمشى في البهو الفسيح، ويداه في جيب بنطلونه. أما حافظ فوضع عدته، وجلس على كرسي قريب متكئا على المنضدة... ومرت فترة من الصمت لا يتخللها سوى وقع أقدام المسيو الثائر الغاضب.

استدار سولنت، وأشار بإصبعه، وقد حاول أن يهدئ نفسه، وقال: افرض أنني لم أعتذر .. فماذا ستفعل؟

قال حافظ: لن أفعل شيئًا سوى أنني سأكتب تقريرًا إلى قنصلكم هنا وإلى سفارتكم، ثم إلى مجلس إدارة القناة بباريس، ثم إلى الجرائد الفرنسية، ثم أترقب قدوم أي عضو من الأعضاء فأشكوك إليه.

قال المسيو متحديًا ومستخفًا: وإذا لم يسمع لك أحد، ولم يرد عليك؟

قال حافظ: إذا لم أصل إلى حقي فإنني أستطيع أن أهينك في الشارع، وعلى ملأ من الناس، وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد ... ولن أتقدم بشكوى إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة.

أحس سولنت أنه أمام رجل غير اعتيادي على الرغم من بساطة مظهره؟! فقال، وقد خفضت نبرة صوته يبدو أنني أتكلم مع (أفاكاتو) محامي لا نجار !!

ثم انتفش، وشمخ برأسه، وقال: ألا تعلم أنني هنا كبير المهندسين في قناة السويس؟ فكيف تتصور أن أعتذر لك؟!

قال حافظ، وهو ينظر إلى سولنت من أعلى رأسه إلى أخمص قدمه: ألا يعلم المسيو أن قناة السويس في وطني، لا وطنك؟! وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة؟ وستنتهي، ثم تعود إلينا، فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا، فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟!

أحس سولنت أنه لم يربح في هذه الجولة أيضًا، ولكنه استمر في صلفه فعاد يمشي مرة أخرى وهو مضطرب... مرت فترة من الصمت، ثم التفت بسرعة وقد تغيرت ملامحه وطرق بيده على المنضدة في غضب عدة مرات، وهو يردد: أعتذر .

يا حافظ- سحبت كلمتي.

 لم يرد حافظ بشيء، ولكن قام بهدوء وقال: شكرًا يا مسيو سولنت... وبدأ يعمل حتى انتهى من عمله.

مد سولنت يده وأعطاه مائة وخمسين قرشا. فأخذ حافظ مائة وثلاثين ورد إليه الباقي.

قال سولنت: خذها (بقشيشًا).

 قال: حافظ: لا .. لا .. لا آخذ أكثر من حقي فأكون «حرامي» وركز بصره في عيني سولنت.

ارتبك سولنت وقال في دهشة: إنني مستغرب لماذا لا يكون كل الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت «فاميلي محمد» قال حافظ: كل المسلمين «فاميلي محمد» يا مسيو سولنت، ولكن الكثير منهم عاشروا الخواجات، وقلدوهم ففسدت أخلاقهم لم يرد المسيو بشيء، واكتفى وهو يمد يده مصافحًا قائلًا: شكرًا - كثر الله خيرك.

انطلق حافظ بأجرته وزنبيله الذي يضم عدة العمل، وكرامته التي لم يسمح لأحد أن يجرحها، حتى ولو كان سولنت كبير المهندسين في قناة السويس ..

 

  • قراءة في كتاب: «الحضارة الإسلامية وسطيتها وموقفها من الآخر»

ضمن سلسلة «دعوة الحق» التي تشرف عليها إدارة الثقافة بـ«رابطة العالم الإسلامي» صدر كتاب «الحضارة الإسلامية وسطيتها وموقفها من الآخر» للكاتب «السيد أحمد المخزنجي» الذي ناقش من خلال فصول كتابه الأربعة العديد من القضايا المتعلقة بالحضارة الإسلامية، وجعل القارئ يخرج بجملة انطباعات أهمها :

- أن ارتباط الحضارة بالدين سمة مميزة لحضارة الإسلام، لأن المنهج الحضاري الإسلامي لا يقف عند حدود العقل فحسب، وإنما يعتمد الوجدان والشعور في استيعابه للمنجزات الحضارية التي تعود بالنفع والفائدة على الإنسان في هذا العالم.

- أن الحديث عن وسطية الإسلام ليس حديثًا من قبيل التغني بأمجاد الماضي، ذلك لما تحمله حضارتنا في ذاتيتها من عناصر القوة، والأصالة المستمدة من سمات هذا الدين الحنيف الذي يحض على النظر والتأمل في ملكوت الله.

- لم تكن الفتوحات الإسلامية غزوًا ولا استغلالًا للأمم والشعوب، لكنها استهدفت إفساح المجال أمام الشعوب الأخرى لمعرفة هذا الدين وممارسة قيمه الخلقية، وهو ما دفعهم طائعين للدخول في دين الله أفواجًا.

- أن الحضارة الإسلامية أثرت وتأثرت بالحضارات السابقة في سابقة بلغت قمة التفاعل الحضاري الذي يثري كما يحافظ على خصائص كل حضارة بعد الاستفادة من كل إيجابياتها .

- أن انعكاس وسطية الإسلام على الثقافة العربية واضح وجلي، فقد أكسبها المرونة في حوارها مع الثقافات الأخرى. نظرًا لثقتها الكبيرة في مصادرها الإسلامية التي تساير التطور وتستوعبه وتسمح به في كل زمان ومكان.

- أن الأمة المسلمة ليست أسيرة تاريخ أو ماض بعينه ولكنها تمثل أنموذج الأسوة الحسنة المسددة بالوحي والمؤيدة بالسنة النبوية التي تجسد أحد المعايير التطبيقية لتقويم حركة التاريخ الإسلامي.

- من السمات المميزة لحضارتنا الإسلامية دورها في التوفيق بين مطالب الحياة الدنيا ومطالب الحياة الآخرة، مما يحقق الاطمئنان النفسي والوجداني ويثمر السعادة التي يتمتع بها الإنسان المسلم.

- أن الإسلام هو الذي أتاح لغير المسلمين الذين يعيشون في كنفه جوًّا من الحرية والتسامح والعدالة، مما جعلهم يقبلون على الإسهام في ذلك النشاط الحضاري بنفوس مطمئنة وعقول متفتحة لا يطمسها التعصب الأعمى ولا الهوى الجامح.

- من أهم متطلبات الحفاظ على تراثنا الحضاري الإسلامي إيجاد وعي عام للحفاظ عليه سواء من قبل الأفراد وهيئات المجتمع أو من قبل مؤسسات الدولة على اعتبار أن التراث هو كل ما شيده الأجداد.

- أن علينا أن ندرك أن أمتنا العربية والإسلامية تواجه تحديات كبيرة في سبيل الحفاظ على تراثها الحضاري الذي كادت تفقد فيه هويتها الإسلامية بسبب موجات التغريب والتغييرات الجذرية في البيئة العمرانية الإسلامية.

لا يفوتنا في الختام أن ننوه بأن المؤلف الذي سبق له أن نال جائزة الكويت الدولية لأبحاث الوقف قد فاز بالجائزة الدولية الأولى للبحث العلمي في المسابقة التي نظمتها وزارة العدل والشؤون الإسلامية في البحرين لعام ۲۰۰۷م عن موضوعه الذي قدمه بعنوان تعايش وطني بلا طائفية سبيل للوحدة الإسلامية.

الكتاب: الحضارة الإسلامية وسطيتها وموقفها من الآخر 

المؤلف: السيد أحمد المخزنجي 

الناشر : الإدارة العامة للثقافة والنشر برابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة . ص ب ٥٣٧

الرابط المختصر :