; المجتمع الثقافي (العدد 1934) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1934)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1934

نشر في الصفحة 42

السبت 08-يناير-2011

الشاعر التركي د. عثمان زكي أوغلو: بدأت حبي للغة العربية والأدب العربي على أنوار القرآن الكريم

أنا تركي الأرومة عربي القلب واللسان والوجدان وأعتبر نفسي سفيرًا مفوضًا عن كل طرف لدى الطرف الآخر

أساتذتي هم: السباعي والزرقا والطنطاوي ومحمد الحامد.. وقد قمت بترجمة وتأليف عدة كتب ودواوين تعتبر جسرًا أمينًا بين الشعبين العظيمين العربي والتركي

العلامة د. حسين مجيب المصري وقف وحده نصف قرن كنموذج وحيد وفريد للأدب الإسلامي المقارن بين الشعوب العربية والتركية والفارسية

الشاعر الكبير «د. عثمان زكي أوغلو» الأستاذ بكلية ا«لإلهيات» بجامعة «مرمرة».. هو شاعر الترك العربي.. وشاعر العرب التركي.. وفي الحالين.. هو الشاعر الإسلامي الرقيق المجنح الذي يحمل عاطفة المسلم المنتمي لأمته، وروح المجاهد المرابط في ساحها، وعذوبة الفنان المسلم المنشود.. ولد عام ١٩٣٤م، وتخرج في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وفي حي «أقصراي» أي: «العمامة البيضاء».. في دار الإسلام العريقة إسطنبول التقيناه.. وحاورناه..

حوار: د. محمود خليل

 على اتساع خارطة الأدب الإسلامي.. يرى البعض أن الأدب التركي أدب مظلوم، وأن المساحة التي يحتلها على هذه الخارطة، لا تتناسب بحال، والعطاء الضخم الذي أعطاه الترك للحضارة والتاريخ الإسلامي.. كيف تنظرون إلى هذه القضية؟

- هذه حقيقة في حاجة إلى معالجة واعية ومنصفة، ولعله يكون من المحزن أن نعلم أن أول كتاب في المكتبة العربية عن الأدب التركي كان عام ١٩٥١م، وهو كتاب «تاريخ الأدب التركي» للعلامة الباحث الشاعر الرمز د. حسين مجيب المصري (١٩١٦ -،٢٠٠٤م). ونفس الأمر بالنسبة للمكتبة الفارسية.. التي يندر فيها أي وجود حقيقي أو شبه حقيقي للأدب التركي الدرجة أن كتاب «تاريخ الأدب التركي» الذي أشرنا إليه للعلامة د. المصري، قد ترجم هو نفسه إلى الفارسية، وربما لخلو هذا الركن في المكتبة الفارسية.

ويرجع الفضل الأول في العصر الحديث لهذا الرجل العملاق في التعريف بالأدب التركي في كل عصوره خاصة الإسلامي منه، وكذلك بالأدب الفارسي الإسلامي.. فهو الرائد الأول للأدب الإسلامي المقارن وهو أول عربي يحمل الدكتوراه في الأدب التركي..

 لكن النهوض بهذا الواجب.. ألا يعتبر واجب الأتراك قبل العرب؟

- هو واجب مشترك، وهو واجب إسلامي قبل أن يكون واجبًا أدبيًا: لأن شجرة الإسلام يجب علينا أن نتعرف على جميع فروعها، والترك والعرب يدخل عامتهم الإسلام، والإسلام في مسيرته الطويلة قد نصره الله تعالى بعدة قوى كبرى وخشنة ونجحت على المحك التاريخي بامتياز كقوة الترك والفرس والبربر وغيرهم من القوى التي أصبحت بالإسلام عضوًا أساسيًا في الجسد الإسلامي الحي، لذلك فالتعريف والمقاربة بين آداب هذه الشعوب يعتبر واجبًا إسلاميًا حتميًا على أهلها، وهو واجب يجب أن ينهض به الترك والعرب والفرس.. معًا.

 ومتى بدأت رحلتكم مع الأدب العربي الإسلامي؟ وما أهم ملامح هذه الرحلة؟

- كنت أعجمي اللسان، لا أفقه من العربية شيئًا سوى أنها لغة القرآن الكريم والتعبد حتى أن الكلمات العربية الكثيرة الداخلة في لغتي التركية الأم، كنت استخدمها في مختلف أوجه النشاط من حياتي اليومية دون أن أعلم أنها من أصل عربي.. وكان والدي الشيخ «توفيق أفندي» من أهل الدعوة الإسلامية، فحرص على تنشئتي تنشئة إسلامية - قدر الإمكان - فحفظني القرآن الكريم منذ نعومة أظفاري، حتى حفظته «عن ظهر قلب».. وأنا في الحادية عشرة من عمري، وأقيم لي حفل كبير للتهنئة بمسجد السلطان محمد الفاتح بإسطنبول، جريا على العادات التركية الأصيلة في تخريج الحفاظ ومنحهم الإجازة «الشهادة»، فكان أول ما استهواني من العربية هو قدسيتها الدينية، ثم انكشفت لي بعد ذلك خصائصها الجمالية، وآفاقها الرحبة، وغناها وعمقها الذي لا يمكن أن تشاركها فيه لغة أخرى على ظهر الأرض.. فبدأت حبي للعربية والأدب العربي على أنوار القرآن الكريم.

رحلتي مع العربية

 وعلى المستوى الإبداعي، ما أهم معالم هذا المشوار على طريق الأدب العربي الإسلامي؟

- قلت لكم: إن قدسية اللغة العربية، قد فجرت داخلي كل منابع الاحترام والتقدير والإكبار، واستنفرت لدي جميع القوى العقلية والفكرية، وأحيت داخلي ذائقة خاصة... وتعمقت هذه المعاني من خلال حلقات التدريس لكبار علماء الإسلام بإسطنبول فدرست علوم العربية والشريعة إلى أن رحلت إلى الشام عام ١٩٥٠م، والتحقت بمدارسها الشرعية حتى حصلت على شهادة الليسانس في الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة بجامعة دمشق، وأكملت دراساتي العليا، فحصلت على الماجستير ثم الدكتوراه من جامعة «مرمرة».. وأنا الآن أستاذ بكلية الإلهيات بجامعة مرمرة.. وخلال هذه الرحلة، قرأت لأعلام الأدب العربي المعاصرين من أمثال الرافعي والعقاد، وعلي الطنطاوي والغزالي وغيرهم.. وتتلمذت على أيدي مصطفى السباعي، والزرقا، ومعروف الدواليبي، ومحمد الحامد، ومن هؤلاء استقيت أدبًا وعلمًا وخلقًا ودينًا..

وبدأت ما يمكن أن يطلق عليه «إبداع» مبكرًا، في ميادين الترجمة والشعر، والعمل الإعلامي حيث كنت مذيعًا بالقسم التركي بإذاعة «دمشق» منذ عام ١٩٥٨م وحتى ١٩٦٦م أثناء وجودي ودراستي بالشام، مما وضعني على طريق التواصل والانخراط اليومي بشكل حيوي وفعال في قلب العربية.. تراثًا.. ولسانًا... وبيانًا...

 لكم نفحات حول المفهوم الصحيح المذهبية الأدب الإسلامي، ومذهبية مبدعه، وقد أخرجتم هذه النظرات شعرًا ونثراً.. هل لنا في نموذج منها؟

- مذهبية الأدب الإسلامي تنتمي إلى هذا الدين العظيم الذي سعدت البشرية في ظلاله حينا من الدهر، ولن تذوق السعادة الحقيقية مرة أخرى إلا في ظلاله، وكذلك تتشكل مذهبية المبدع المسلم وعقيدته الإبداعية.

أنا ابن دارة معروفًا بها نسبي وهل بدارة يا للناس من عار؟!

ولهذا فقد قلت في إحدى قصائدي

قالوا: فتى من بني الأتراك ينشدنا وليتهم من بني الإسلام قد قالوا

لو كنت أبغي سوى الإسلام من نسب لكان لي نسب في الناس مفضال

قومي كرام وأجدادي ممجدة دانت لسطوتهم في الحكم أجيال

لكن فؤادي من الإسلام مشربه وكل قلب له حال وإقبال

ولا أبالي بمن كانوا قد افتخروا بزيدهم.. أم بعمرو.. إن هموا زالوا

زالت مفاخرهم ولم أقل عبثًا فكل عز سوى الإسلام إذلال

عطاء وأمنيات

 قصيدتكم «حراب القدر» تنطق بهذه المعاني وتلك الأماني.. وقد أبدعتموها في ظروف قاسية.. ماذا عنها؟ وماذا وراءها؟

- هذه القصيدة لها في نفسي وقع خاص، وأعتقد أنه يجب أن يكون لها نفس الوقع الموجع في نفس كل عربي ومسلم، وذلك لأنني كتبتها في أعقاب نكسة ١٩٦٧م، وذلك يوم ٢٨/٧/١٩٦٧م والناس في منتهى الكرب والعجب مما جرى، ولا يكاد أحد على الإطلاق يفهم ما حدث اللهم إلا الطعمة الحاكمة، والعصابة المتسببة في هذا اللغز الذي كان وما يزال.. لغزًا بكل الأبعاد والمفاهيم.. ومن هذه القصيدة قلت:

نامت عيون الورى وحظي الكدر أرنو ويرنو إلى النجم والقمر

والكون يغفو وعين الدهر شاخصة إذا بنا حدقت.. يطاير الشرر

أشكو شجوني بلا صوت ولا جهش كيلا يحس بها واش وتنتشر

محاولًا عبثًا أن يذهبا حزني هيهات أن يجبرا.. فالعظم منكسر

وأمضي في هذه القصيدة إلى أن أقول:

سأرتدي كل ثوب للحداد معًا حتى أرى راية الإسلام تنتصر

وأنا أحمل هذه العاطفة لأنني تركي الأرومة، عربي القلب واللسان والوجدان، فأنا أتعبد لله باللغة العربية، وبها أقرأ القرآن والسنة.. كما أن زوجتي عربية من سورية، وقد رزقني الله منها ذرية صالحة.. هم: نورهان، وكمال، وجلال، كما أنني عشت بالقطر العربي السوري أزهى سنوات عمري العلمية والإبداعية.

 على طريق الأدب الإسلامي العالمي، الذي يقوم على مد الجسور وتعميق الجذور.. أين يقف الشاعر التركي المسلم د. عثمان زكي أوغلو؟

- الحمد لله.. أنا أعتبر نفسي سفيرًا فوق العادة، مفوضًا عن كل طرف لدى الطرف الآخر.. وبيتي عربي تركي بالمناصفة وكذلك أولادي.. وفي هذا الصدد قدمت عدة تراجم أراها ضرورية نظرًا للرابط المشترك الذي تمثله.. فقمت بترجمة «سنن الترمذي»، ووضعت« موسوعة تعليم العربية»، وترجمت عن التركية كتاب «عصر الرسول»، «عصر السعادة» للأستاذ عمر رضا دورون كما قدمت كتاب «نزاع حول الشريعة»، وقدمت كتاب «الأدب العربي» الذي أخذ مني عامين كاملين كما وضعت كتابًا عن «الحداثة».. أرد فيه على بعض الشباب، وأدفع غلواء العلمانية التي ينطلق منها «الحداثيون الجدد» المتقاطعون مع كل ثوابت القيم والوجود والإنسان.

الرابط المختصر :