; المجتمع الثقافي (1362) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1362)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1999

مشاهدات 62

نشر في العدد 1362

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 10-أغسطس-1999

▪ حيرة المثقف بين المسؤولية والواقع

د. خضير جعفر

واحدة من أكبر مآسي المثقف ازدراؤه لذاته حينما يدرك أن تلك الذات الواعية تتجاذبها قوتان ويخترق خاصرتها خنجر تقسيم ينصف كينونتها بين ما يؤمن به ويتبناه، وبين ما تضطره إليه ظروف القهر والفاقة، فترهقه وتقهره وتغشاه، حينما تعتمل في ذهنه فكرة حرة يعتقد بضرورة إعلانها بل والصراخ بها لإسماعها للآخرين، فتقمعه هواجس انفجارها عليه في وسط لا يفهمه، ولا يقدر ظروفه أو لا يريد ذلك، فيما هو يعلم جيدًا أن شظايا ذلك الانفجار ستطول أفواه أطفاله، وتمنع عنها وصول القمة عيش أو شربة ماء في عالم تحكمه قوى المال وسوء الأحوال، وقوانين البطالة والغلاء والاستغلال، وبين أن يلجم المثقف لسانه ويكسر ريشة يراعه، فيحبس أفكاره في صدره، أو أن يغامر فيطلقها في فضاءات التعاطي فيسد بها أفواه فراخه، ويحرمهم لقمة العيش.

يحار هذا المثقف الحر بين أمرين أحلاهما مر، أولهما مسؤولية المجاهرة بالفكر الحر وثانيهما مهمة توفير العيش- ولو في حدوده الدنيا- لمن يتحمل مسؤولية إعالتهم، وما بين هذه وتلك يتجرع مرارة الخيار الصعب بين أن يعيش أو لا يعيش، وهو الخبير بمن يعيش لكي يأكل ومن يأكل لكي يعيش.

وكثيرون هم أولئك الذين أتاهم الله قدرًا من الوعي ومقدارًا من المعرفة فصدهما عن الظهور قلة ما في اليد، وثقل ما تنوء به الظهور، ولذلك ظلوا يكتوون بنيران معاناة ضغط معرفي يفرض نفسه على أرواحهم وضمائرهم وعلى أقلامهم وألسنتهم لتنطلق به مبشرة صادحة، ولكنهم يحجمون عن تحريك الأقلام والألسنة خشية دفع ضرائب قولة الحق، واستحقاقات الإفصاح بالكلمة الحرة الطيبة التي كثيرًا ما يخنقها القهر في الحناجر ويقهرها العسف في الصدور ولكنها تستعصي على الموت هناك لتظل أبدًا جمرة يكتوي بنيران كتمانها المثقف وهو الذي يعرف أكثر من غيره خطورة كتمان الشهادة وإن علل سكوته عن الحق بالخشية من سياط الجلد المادي المميت، ومثل أزمة كهذه يعاني منها المثقفون سوف تترك أثارها المدمرة على الأمة بأسرها وهي ترى أصحاب الأقلام وأرباب الكلام وفرسان المنابر والإعلام قد أرغموا على التخلي عن مسؤولياتهم في دهاليز القهر ودكاكين الاحتواء والاستقطاب، وبالتالي ابتلاء صناع الوعي الجماهيري بظواهر مرضية خطيرة بعض إفرازاتها الازدواجية وأسوأ ترشحاتها تمزق الذات بين الإيمان بشيء والتحدث- همسًا- بما يغايره، وكتابة شيء آخر قد يناقضهما.

وللإنصاف.. لا بد من الاعتراف بأن من حق هذه الفئة من الكتاب وقبل أن نؤاخذهم على كتاباتهم ما لم يكونوا بها مقتنعين أن نوفر لهم مناخات مناسبة تضمن لهم حماية الكلمة وتحرير المثقف من أزماته المالية والمعيشية العاصفة، وتخليصه من هواجس الإفقار ووساوس البطالة قبل أن نطالبه بالقفز على الواقع ليتحول- وبلا إمكانات- إلى «سوبرمان» يحترف التضحية ويمتهن الاستبسال في سوح المجاهرة دون أن نسيج شجاعته وإقدامه بالضمانات الكافية لإبقائه هو ومن يعول على قيد الحياة، وعندها سيكون من حقنا مطالبته بكتابة كل ما هو جريء بريء، أو التصريح والمجاهرة بكل ما هو جيد وجديد ومفيد، وإلا فما أسهل النقد على الناقد، وما أصعب مكابدة ومعاناة المثقف المجاهد.

▪ عاجل إلى الذاكرة.. الضحية مطلوب ضبط وإحضار المؤامرة الصهيونية على العالم الإسلامي

مرة ثالثة.. يكفر التلفاز المصري عما يرتكبه بعض برامجه ومسلسلاته من جرائم فكرية وأخلاقية.. وتاريخية في حق العقل المسلم، ويقدم عملًا دراميًّا يشحذ الذاكرة ويصحح الزيف، ويعلنها صريحة مباشرة واضحة «لا للتطبيع».

فبعد مسلسل «رياح الخوف» و«أحلام وردية» قدم التلفاز مؤخرًا «ضبط وإحضار» وهو حبكة مصرية- عربية مأخوذة عن القصة العالمية «الهارب»، والنسخة المصرية من الهارب والتي قدمها المسلسل لم تصبغ العمل الأصلى بالصبغة البيئية المصرية فقط، وإنما بصيغة تاريخية سياسية مباشرة.. فهروب د أنور عابدين- الطبيب الإنسان- من حكم الإعدام الذي ينتظره على جريمة لم يرتكبها هو الخيط الرابط للأحداث، والذي يكشف تدريجيًّا وبوضوح شديد عمن وراء جريمة القتل التي اتهم فيها هذا الطبيب وعن دوافعها وملابساتها.

فالقضية مؤامرة محكمة دبرها الموساد وعملاؤه في مصر ويمثلهم د فوزي السيد وهو جراح شهير أيضًا، التقى «مسيو إلياهو» في مؤتمر شرق أوسطى وعقدا صفقة مشبوهة لاستيراد أدوية فاسدة عن طريق إحدى شركات د فوزى لترويجها في مصر مقابل ۲۰ مليون دولار، وعندما عرف اثنان من الصيادلة الأمناء بالشركة ما يحدث اتصلا بالدكتور أنور شريك د فوزى وخطيب ابنته ليطلعاه على الأمر، ولكنهما قتلا في مكان اللقاء، واتهم د. أنور بقتلهما لتبدأ أحداث المسلسل التي تكشف تدريجيًّا عن دور الصهاينة القذر في مصر وتقنياتهم الحديثة في وضع خططهم، وتغيير ملامح وجوه عملائهم بعمليات جراحية حتى لا يتعرف عليهم البوليس وإدماجهم في مجتمعات رجال الأعمال ليكونوا اليد القذرة للموساد في حبك وتنفيذ الصفقات القاتلة، وترويج المخدرات في أوساط طلاب الجامعات.

أخيرًا لقد كان المسلسل طرقة لطيفة على باب الذاكرة العربية والإسلامية للتذكرة والتحذير من النسيان والغرق في أوهام «التطبيع» لأن المؤامرة مازالت مستمرة.

نور الهدى سعد- مركز الإعلام العربي

▪ كفى.. بلاد العرب!!

شعر: محمد شلال الحناحنة

كفى بك يا بلاد العرب***قومي فقد أضحى عدوي في غرور!

أمامي الكل ينهض غير أنا***نعيش على الهوامش في نفور!!

أمامي الصرب عاثوا***في حمى الإسلام غصبًا

أمامي قطعوا جسد الصغير!!*** وتلك دويلة البهتان قامت

تبث سمومها أفعى الشرور!!***تجوب الأرض في عرض وطول

تباري في ضلالات الفجور***فيا مَنْ لمتني في الشعر أهون

فلا تنكر على شجي شعوري!!***أرى مسرى الرسول

يكن حزنًا*** يحن إلى سويعات السرور!

أرى أني: أمد يدي لكوسوفا***تبادلني دمائي بل مصيري!!

أرى أني!***أمد يدي وفي الآفاق

أشواك وجمر***ولكن عَزْمَها مازال صخرًا وعاصفة الزئير!!

أرى أني: مع الأحرار في وطني

تنادي إلى العلياء! آه***فيا مجد النسور!!

▪ فقيد البيان «علي الطنطاوي»

شعر: حفيظ الدوسري

مات البيان فأين أين بياني***يا ليتها تجري به الحاني

الشيخ مات فودعي يا أمتي***شيخ البيان العالم الرباني

ماذا سأكتب والقصيدة ودعت***تبكي زمان الذل والإذعان

ماذا سأكتب هل يطاوعني فمي***والقلب شل بسرعة الخفقان

ماذا سأكتب والحروف تآكلت***والشعر من مرارة الأحزان

بالأمس مات فقيهنا في عصره***واليوم غاب بليغنا المتفاني

عاش الحياة مجاهدًا في نثره***وبدينه قد هام في الأوطان

باع الحياة مطلقًا لذاتها***وهوى الممات بطاعة الرحمن

قد كان يسحر بالبيان وربما***سحر الأديب بريشة الفنان

قد كان مثل النهر يجري سلسلًا***عذبًا يفوق النهر في الجريان

قد كانت الأقلام تعشق نثره***وتقول لا أحيا بلا وجداني

يا حسرة الأوراق ترثي نورها***وتبث شكواها عى الأكوان

وتقول ماذا هل سنحــيــا بعـده***أم هل نموت بنقمة الكتمان؟

أأبا البلاغة يا معيد بريقها***فقدتك وهي مهيضة الأركان

إن كان للآداب ركن شامخ***فلقد ثبت وكنت أنت الباني

يا رب حي ميت في عـــيــشــه***ولرب ميت عاش طول زماني

ما مات من كانت روائع علمه***في الناس ملء العين والآذان

▪ توبة.. وابتهال

شعر: محمد الأمين محمد الهادي

ربي أتيتك مثقل الخطواتِ***مُترنِحًا في الوحل والعثراتِ

لقد اقترفت من الذنوب كأنًا***لا رب يعلم أو يرى هفواتي

وسبحت في بحر الغواية لاهيًا***ما صنتُ نفسي عن حمى الحرمات

وحسوت من كأس المرارة والضنى***حتى ارتوت نفسي من الحسوات

أقضي الليالي تائهًا متحسرًا***حيران أبغي أن ألم شتاتي

أغفو وأصحو لا أرى غير الأسى***يدمي جراحي أو يحطم ذاتي

وأرى الأطايب لا تروق لذي ضنى***مثلي فأشكو مرسلًا زفراتي

تعبان من بعد الطريق من الأسى***أمشي وقد هد الزمان قناتي

كم ذا عصيتك أو شططت عن الهدى***ونسيت أن الخير في الصلوات

كم ذا تجاهلت المناهل كلها***وغرقت في حما من الشهوات

والآن إني قد أتيتك تائبًا***عن كل ما قدمت من نزوات

أشكو إليك ولا أعي ما أشتكي***لكنني أبغي الهدى لحياتي

قيثارتي عزفت بأنات الجوى***ترجوك أن تعفو عن الشطحات

العبد يهفو يا إلهي دائمًا***والرب يعفو.. يجبر العثرات

يا رب يا سر الحياة ونورها***يا مأمل الأحياء والأموات

أنت الذي تدري بما في القلب من***حب لذاتك يستبد بذاتي

يا خالقي يا بارئي ومصوري***من لي سواك مفرجًا كرباتي

أنا ما جحدتك بل حمدتك صاغرًا***بسكون ليلي أو خشوع صلاتي

فأنر فؤادي بالهداية والتقى***واكتب لي الفردوس بعد مماتي

▪ د. حسن حنفي.. لماذا تهربت من «مواجهات»

▪ هل يجوز أن تجعل النبي- صلى الله عليه وسلم- مجرد سياسي يتلاعب بالدين ونصوص الوحي؟

▪ ما معنى قولك إن كلام الله وكلام البشر قد تداخلا في أصل الوحي في القرآن؟

▪ أنت تعترف في بعض كتاباتك بأنك ماركسي تمهد لتسلم العلمانيين المجتمع.. وأنك وضعي.. فهلا أعلنت التوبة؟!

بقلم: د. سعيد الغامدي

من ضمن برامج قناة «اقرأ» برنامج «مواجهات» يؤتى فيه بأحد الكتاب أو المؤلفين، وبعد حوار مع معد البرنامج يترك للمشاهدين فرصة المحاورة مع ضيف البرنامج.

وفي ليلة 5 /2 /1420هـ، كان ضيف البرنامج الدكتور حسن حنفي، وقد أعلن عن ذلك وطلبت القناة كالعادة من الجمهور المداخلة والحوار ولكن الدكتور حسن رفض المداخلات، واشترط أن يكون الحوار مع معد البرنامج فقط ولا استعداد لديه لسماع حوارات أو مداخلات أخرى من المستمعين وكانت مفاجأة للجميع، إذ البرنامج مصمم على أساس الحوارات الخارجية والدكتور حسن من الذين ينادون بالحوار ويسمي المخالفين له بالانغلاق وعدم القدرة على إجراء الحوارات المفتوحة، جريًّا على عادة التيار الحداثي والليبرالي.

وكنتُ تلك الليلة أريد أن أتحدث مع دحسن حنفي ببعض الحقائق عن فكره ومناهجه، فلما انكفأ الفيلسوف على نفسه داخل الأستديو وامتنع عن قبول المداخلات أحببت أن أكتب ما كنت أريد أن يسمعه مني لتكون رسالة موجهة إليه وإلى المعجبين به:

▪ جانبان أريد أن أتحدث عنهما

الجانب الأول: يظهر بجلاء لقارئ كتبك ومقالاتك أنك تعيش وتمارس تذبذبًا فكريًّا وعقديًّا هائلًا، فبينما تبدو معتزليًّا في تحقيقك لكتاب المعتمد لأبي الحسين البصري، تظهر متداخلًا بعمق مع الشيعة الاثنى عشرية في تقديماتك وتعليقاتك لكتابي «الحكومة الإسلامية» و«جهاد النفس» للخميني.

وبينما أنت تظهر عصبية عاتية لتيار ما يسمى باليسار الإسلامي، تبدو في انسجام «ما» مع النصرانية في كتابك «نماذج من الفلسفة المسيحية».

وحينما تتحدث عن التراث تبدو كمعتقد بصحة دين الإسلام وفي اللحظة نفسها تشكك في الوحي وتدرسه دراسة تقوم على إلغاء أسبقية المعنى، وإقحام التعليلات التاريخية التي تجعل الوحي المعصوم تحت هيمنة التغيرات وتلغي حقيقة أن الوحي- الثابت النسبة إلى الله- يحتوي على الحق والحقيقة، تحت دعاوى «تاريخية النص» و«أسطورة محتوى النص».

وبناء على ذلك كانت دعوتك الصلعاء المنادية بالتحرر من سلطة النص تحت شعار التحرر من سلطة الأسطورة، وأنت في كل ذلك لست سوى مستعير لأفكار الملحد «سبينوزا» ذي الأصل اليهودي، وذلك حين انغمست معه في ترجمتك لكتابه الإلحادي «رسالة في اللاهوت والسياسة».

وتدعي في سلسلة من «العقيدة إلى الثورة» أن هذه السلسلة محاولة لإعادة بناء علم أصول الدين، وفي الوقت ذاته تطوح بنفسك في دياجير الوجودية في الأنا موجود، لسارتر الذي اعتنيت به.

ولا يقتصر التناقض والتذبذب على ما ذكر، بل إن القارئ ليلمسه بوضوح في الكتاب الواحد لك، فها أنت في كتاب «الدين والتحرر الثقافي» تبدو وكأنك تعترف بالإسلام دينًا حقيقيًّا هو منهج للحياة، وفجأة تقفز إلى الماركسية والوجودية لتبدي حماسك الفكري والمنهجي لهما، وخاصة فيما يتعلق بمناقضاتهما الموجهة للأديان. «انظر مثلًا ص ۲۳۸».

والسؤال الموجه إليك كدارس للفلسفة ومدرس لها ورئيس قسم: هل ترى أن هذه الضبابية، والتناقضات المنهجية والفكرية تتفق مع الضبط المنهجي؟

أم أنك ترى أن التذبذب والتناقض وانعدام المنهجية هي في حد ذاتها من المناهج التي يمكن ان تحتذى؟

أم أن هذه الظاهرة في كتبك ومقالاتك من الأساليب التي يمكن أن يداري بها المتفلسف الوان الهشاشة الفكرية، وحياة التشاكس والضنك المعرفي والسلوكي، كما أخبر الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طه:124).

أم أن هذه الظاهرة هي تكرار للمواقف الشكية السلبية التي عاشها متفلسفون سابقون عبر عنها أحدهم بقوله:

نهاية إقدام العقول عقال وجميع سعي العالمين ضلالولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا أم أن ظاهرة التذبذب هذه تتماشى مع الأسلوب الحداثي الذي عبر عنه أدونيس عند حديثه عن شكيات والحاديات جبران خليل جبران بقوله: «ومن الواضح أن جبران لا يحلل تحليلًا فلسفيًّا أو علميًّا القيم التي يهدمها وإنما يعرضها بشكل يجعلها مشبوهة، فمتهمة فمرفوضة، إنه يحاول بتعبير آخر أن يظهر خطأ التفسيرات التي تقدمها الأديان والأخلاق التقليدية للعالم والإنسان....» الثابت والمتحول 3/179-178.

هذا جانب من جوانب فكرك يمكن تسميته انعدام المنهجية أو التذبذب المنهجي.

أما الجانب الثاني: فإن لك كلامًا ينطوي على خطورة كبيرة، وسوف أذكر هنا بعض هذا الكلام من مشاركتك في ندوة «الحداثة والإسلام» التي عقدت في لندن وطبعتها دار الساقي في کتاب بالعنوان نفسه.

منها قولك ص ۲۸۷: «إن العالم مقسوم إلى قسمين: الله والعالم. فينعكس ذلك حتمًا في المجتمع على السلطان على الحاكم والمحكوم وسينعكس في الأسرة على الرجل والمرأة.. وما لم نقض على هذا التصور الثنائي للعالم، ورؤية العالم بين حاكم ومحكوم، وعلى المستوى الديني بين خالق ومخلوق، فلن تستطيع حركات تحرر المرأة أن تفعل شيئًا، ولن يستطيع المثقف العلماني أن يؤدي دوره ما لم نقض على هذا التصور هذا السؤال الأول في اليات التغيير».

فأنت هنا تقرر بوضوح أنه لا مجال للتحرر والعلمانية إلا بإبطال العقيدة المثبتة لربوبية الله تعالى، أو ما تسميه أنت في كلامك السابق «الثنائية التي تقسم العالم إلى خالق ومخلوق».

ويمكن أن أقول هنا- استطرادًا- هذه بعض جذور دعوات تحرر المرأة عرفها وأصلها المنظرون لها، وغيبت- مكرًا- عن المقلدين البسطاء والشهوانيين الهابطين.

وأنت في باب الوحي وهو عمدة دين الإسلام وأساس مصدره تقلد سبينوزا وتختط منهجه وتنتحله انتحالًا واضحًا، ويتضح ذلك في حميتك الجاهلية عن رواية «آيات شيطانية»، حيث تقول: «وما ورد بخصوص «الآيات الشيطانية» صحيح ومن بين أسباب النزول هو أن النبي محمدًا- صلى الله عليه وسلم- كان يحمل هم الوحدة الوطنية للقبائل العربية، وتكوين دولة في الجزيرة العربية، وكانت له مشكلات مع اليهود ومع النصارى واليهود بصورة خاصة، ومع المشركين أيضًا، فجاء المشركون بعرض جيد وأنا أتكلم عن الرسول كرجل سياسي وليس كتبي- وقالوا له نعم أيها الأخ ما المانع أن تذكر اللات والعزى لمدة سنة وقل إنهم ليسوا بآلهة ولكن لهم دور في الشفاعة عند الله، وهكذا نأتي معك ونعمل معك ما تشاء من تغيير النظام في الجزيرة العربية، وكان هوى الرسول مع هذا العرض، لأنه يحل له قضية المشركين وتقسيم العائلة والأسرة والعشيرة إلى فريقين، فقال بينه وبين نفسه، إن هذا العرض يشكل بالنسبة لي كزعيم سياسي شيئًا جيدًا لأنه يحقق لي مصالحة مؤقتة مع العدو، وماذا يعني لو أنني ذكرت اللات والعزى لمدة سنة واحدة، ثم أغير بعدئذ؟

ثم إن الوحي يتغير طبقًا للظروف.. فعندما نزلت الآية: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ﴾ (النجم: 20:19)، قال القدماء: إن الشيطان قد همس في قلب النبي «تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي»، وبالنسبة لنا، فإن الشيطان يعني المحدثين هوى النفس وبما أن العرض قد لقي هوى في نفس الرسول فقد خرج على لسانه ما كان يتمناه، ثم صححه الوحي وقالوا: لا، إنما وحينا نحن يتوقف على هذا، أما الزائد فلا نتبناه، وأنا أقول إن هذا صحيح، وهو ما يذكره المفسرون في أسباب النزول، متى دخلت في روع الرسول هاتان الآيتان؟ إنهم يسمونها الشيطان ونحن نقول من هوى النفس على أساس هذا العرض، فهي قضية صحيحة، وبالتالي فسلمان رشدي لم يقل شيئًا.. والأديب حر في أن يكتب ما يشاء، وحتى لو كان مؤرخًا أو كاتبًا للسيرة فلا ينتقد إلا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي أما أنه كافر وخرج، فهذا لا وجود له على الإطلاق هذا جزء من الحداثة الإسلام والحداثة ص ١٣٤– ١٣٥.

فأنت جعلت النبي- صلى الله عليه وسلم- مجرد سياسي يتلاعب بالدين ونصوص الوحي، وهذه مقتضيات الاستعارة البلهاء لمنهج سبينوزا.

وتقول في النص السابق بأن هوى الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان مع العرض الجيد الذي تقدم به المشركون حسب ما في قصة الغرانيق المختلفة وهذا نفي لعصمة النبي- صلى الله عليه وسلم-، واتهام له بالهوى ومناقضة صريحة لقول الله تعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 4:3).

ثم أنت في النص السابق الذي تدافع فيه عن سلمان رشدي، تتبنى قصة الغرانيق الموضوعة، وهذا يؤكد النفسية المغرضة تجاه الإسلام، ففي الوقت الذي تشكك في ثبوت القرآن وصحته تسعى في إثبات الرواية الموضوعة المكذوبة وتتخذها أساسًا ومنطلقًا يدل على مقدار الهوى المتأصل والموضوعية المفقودة.

ثم إن الدفاع عن سلمان رشدي هو من جنس الدفاع عن الذات.

وفي استطرادك مع منهج سبينوزا ومسلك الجحد والتشكيك والاستهانة بالوحي عامة وبالقرآن ،خاصة، تقول في جرأة عجيبة: «قل أنت قال الله في كتابه الكريم يا شباب الحجارة ويا أطفال الحجارة استمروا ويكون كلامك صحيحًا.. أي أنك عبرت عن الواقع بصيغة لو كان الوحي هذا لعبر عن الواقع نفسه ربما بصياغة بلاغية أجمل.. إن المسلم يجوز له أن يطبع نصًّا يعبر به عن مقصد في الواقع ويكون مصدرًا للحكم الإسلام والحداثة ص ٢٣٦.

إنه لقول تقشعر منه الأبدان وتكاد تنشق الأرض منه وتخر الجبال هدًّا.

وفي المحاضرة التي ألقيتها في ندوة «الإسلام والحداثة» قررت أن كلام الله وكلام البشر قد تداخلا وذلك في سياق ردك على علماء المسلمين الذين ميزوا بين الوحي وكلام البشر. فتقول «.. والحقيقة غير ذلك، فقد تداخل كلام الله وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن» ص ۱۳۸.

وبإمكانك الاطلاع على أقوال مشابهة لقولك هذا ذكرها الله في القرآن العظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل: 103)، وقوله عز وجل: ﴿ إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ﴾ (المدثر: 25:18).

وعندما اعترض عليك المجاهر بغنوصيته العلماني عادل ظاهر، ظانًّا أنك تعتبر النص الديني نصًّا مطلقًا، وهذه جريمة عنده وعند أمثاله، أجبت معتذرًا بقولك: «.. هذا مجرد إسراع في التعبير، أما في ما يتعلق بخطورة ذلك على الإيمان، فنحن قد ورثنا إيمان المسلم عبر التاريخ.. فأنت تعني الإيمان السلفي التاريخي والمتوارث عبر التاريخ وهو الشيء الذي تخافه على، لذلك فإن إيماني يكفرني كما أنه يكفرك أيضًا الإسلام والحداثة ص ۲۱۷.

فهذا اعتراف منك صريح والاعتراف سيد الأدلة كما يقال، ولا يضاهي هذا الاعتراف إلا قولك: «أنا هنا ماركسي أكثر من الماركسيين، إن الحزب البروليتاري هو الوريث الوحيد للأفكار....» ص ۲۲۱.

وتقول: «في حقيقة الأمر أنا أبدأ مما يؤمن به الناس ومهمتي- حتى ولو آمنوا بالشيطان أو بأي شيء آخر- أن استفيد من إيمانهم كطاقة، وأستغله لتغيير الواقع مؤقتًا حتى أقضي على الأمية، وحتى أعيد تنظيم المجتمع، وأسلم المجتمع الذي نقلته من مرحلة إلى مرحلة إلى الإخوة العلمانيين، وإنهم سيشكرونني على ما فعلت....» ص ٢٢٤.

وتقول في المعنى نفسه: «أعتقد أن الإخوة العلمانيين يستعجلون التقدم إنهم يريدونه إيجابيًّا فقط، وأنا أريد أولًا ان أمنع عوائق التقدم، أي أعمل للتقدم سلبًا إذا جاز التعبير فإذا ما استطعت ذلك عندئذ أسلم المجتمع العربي إلى الإخوة العلمانيين لكي يبنوه إيجابًا ومن ثم فأنا مقدم لهم، أنا ماركسي شاب وهم ماركسيون شيوخ هذا تقسيم لأدوار العلم» ص ۲۱۸.

وتأكيدًا لهذه الاعتراضات وتأصيلًا لها تصرح بكل جلاء تصريحًا يؤكد اعتقادك المادي وموقفك من الإسلام، وذلك في قولك: «وما يتعلق بمضمون الوحي وحادث الوحي فكما بينت لكم أنا مفكر وضعي.. إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين» ص ۲۱۹.

هذه بعض أقوالك، التي أردت أن أناقشك فيها في برنامج «مواجهات، ولكنك امتنعت وتقنعت خلف الكاميرا، وربما أجداك هذا الاختفاء مؤقتًا ولكن لن يجديك طويلًا وأنت رجل قد كبرت سنك ووهن عظمك والقبر ينتظرك وستبقى أقوالك وكتبك شاهدة عليك في الدنيا وفي الآخرة، ما لم تعلنها توبة صادقة وتعود إلى الله متبرئًا من كل شك وجحود وإعراض وعناد، فإن الله تعالى لا يقبل يوم القيامة إلا من أتاه بقلب سليم، وهو القلب الذي سلم من شهوة أو شبهة تعارض أمره أو خبره.

▪ رومان هيرتزوج.. ذهاب رئيس ومجيء مفكر

بون: خالد شمت

● إذا لم يبدأ حوار الحضارات فستضطر الحضارات المختلفة للاحتكاك ببعضها البعض وينتشر الشعور بالخوف

● على الجانبين الإسلامي والغربي التخلي عن تصور أن الطرف الآخر كتلة صماء متجانسة.. فالتعددية قائمة داخل كل منهما

يشعر سكان ولاية بافاريا الألمانية- وهم من الكاثوليك المتشددين- أنهم عرق مميز ومختلف عن كل الألمان، وإذا كان هذا شان البافاريين مع مواطنيهم وإخوانهم فلنا أن نتخيل درجة نفورهم وتقاطعهم مع الأجانب ومخالفيهم في العقيدة خاصة إذا كانوا من المسلمين، ورغم كون رومان هيرتزوج بافاريا إلا أنه كان استثناء من القاعدة السابقة، فعندما جاء إلى الرئاسة الألمانية قادمًا من رئاسة المحكمة الدستورية وهي أعلى هيئة قانونية في البلاد، تعامل مع المواطنين وشرائح المجتمع في بلاده بروح العدل والمساواة، وظهر ذلك في تعاطيه مع الجالية والمؤسسات الإسلامية في المانيا، إذ أرسى تجاههم مجموعة من التقاليد أصبحت فيما بعد عرفًا ثابتًا ومتبعًا داخل رئاسة الجمهورية، ولدى كثير من السياسيين الألمان فهيرتزوج هو أول رئيس وربما أول مسؤول الماني بارز يؤسس مبدا تهنئة المسلمين ومؤسساتهم في الأعياد والمناسبات، وفي أكتوبر ١٩٩٥ سلّم في احتفال كبير جائزة السلام السنوية للكتاب الألماني- وهو أرفع جائزة ثقافية أوروبية بعد جائزة نوبل- إلى المستشرقة البارزة د. أنا ماري شيمل رغم الحملة الشعواء من الإباحيين واليساريين والعلمانيين المتخصصين في معاداة القيم الأخلاقية والدينية ضد منحها الجائزة، ومما قاله في خطابه خلال تلك المناسبة: «لقد أبديت استعدادي لإلقاء خطاب التكريم منطلقًا من ضرورة الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي ولا تزال الضرورة قائمة، كما أن منح الجائزة للدكتورة شيمل سوف يسهم في إخراجنا من روح العداء للإسلام التي لا نزال نوقع أنفسنا في حبائلها أكثر فأكثر».

وفي يناير ١٩٩٦م، اجتمع هيرتزوج مع أعضاء المجلس الأعلى للمسلمين بناء على دعوة منه لهم، وناقش معهم القضايا والمطالب التي تنظم علاقة المسلمين بالدولة، وإضافة لهذه المواقف فقد حذر هيرتزوج وسائل الإعلام الألمانية مرات عدة من الخلط بين الإسلام والإرهاب، وفيما يتعلق بقضية حوار الثقافات والحضارات، كان هيرتزوج في مقدمة من اهتموا بهذه القضية، وعارض بقوة أطروحات صدام الحضارات من خلال الدعوات التي أطلقها للحوار من أجل بناء اسس من الثقة المشتركة، وتجلى هذا الاهتمام في الندوة التي عقدها في مكتبه عقب انتخابه رئيسًا لألمانيا في مايو ١٩٩٤م وبحثت السبل الكفيلة لإجهاض احتمالات الصدام ونزع فتائل التوتر بين العالم الإسلامي والغرب، وقد جاء مؤتمر حوار الحضارات الذي دعا إليه وأشرف على إقامته في القصر الجمهوري في برلين أواخر مايو الماضي كتتويج لجهوده في هذا المجال.

وقبل أيام من انتهاء فترة رئاسته لألمانيا في ٣٠ من يونيو الماضي أراد هيرتزوج توضيح وجهة نظره حول هذه القضية، فكتب المقالة التالية في صفحة الرأي بصحيفة فرانكفورتر الجماينة تسايتونج المعبرة عن نخبة المثقفين الألمان، والتي تعد ثاني أكبر الصحف الألمانية بعنوان: «لماذا يجب على الغرب التشكك في ذاته؟»

تحت سطح الأحداث الجارية والاضطرابات السياسية اليومية، يسترعي انتباهنا أن هناك تطورات تاريخية طويلة الأمد تؤثر علينا بقوة أكثر مما نعتقد مثل هذه التطورات لا تسرع النداءات من خطاها ولا تدعها القرارات تحيد عن مسارها.

إنها تعيش في مساهمات اندماج خبرات الأجيال فيها، وتؤثر بدورها ببطء ومداومة على مسار التاريخ، وينتمي لهذا التطور تاريخ حضارات العالم وعندما نتحدث اليوم عن الحوار بين هذه الحضارات وندعو إلى إقامته- وهو ما دعوت إليه بنفسي في مناسبات عديدة- يجب أن نضع نصب أعيننا أن كل حضارة هي نتاج هذا التطور التاريخي الطويل، وكل من يحيا داخل هذا الحضارة لابد أن يكون قد تأثر على مدى قرون طويلة بعمليات التحول والتطور التي حدثت داخلها والتي تحدد أيضًا خبراته وتجاربه، وإضافة لهذا فكل الحضارات قد تعودت على البحث عن الاختلافات فيما بينها أكثر مما تبحث عن القواسم المشتركة التي تجمعها، ولهذا فعلينا أن نراعي عندما ندعو إلى حوار الحضارات والثقافات أن هذا لن يتم بالأمر، وأن عملية التحول الثقافي بطيئة وتحتاج إلى درجة كبيرة من الصبر والواقعية، ونظرًا للفترة الطويلة التي سيستغرقها هذا التحول علينا أن نبدأ في هذا الحوار في أسرع وقت، وإذا لم نفعل ذلك فسوف تضطر الحضارات المختلفة للاحتكاك ببعضها البعض بسبب التطور العالمي في وسائل الاتصال وحركة الهجرة والتداخل البيني والاقتصادي وسوف يؤدي هذا الاحتكاك كما نرى اليوم إلى بروز الاختلافات بين الثقافات المختلفة وانتشار الشعور بالخوف من الآخر والرغبة في الدفاع عن الهوية ضد الآخرين فيحدث صدام حقيقي بين الحضارات، وعلى الرغم من عدم قدرتنا على تحديد مسار التاريخ مسبقًا إلا أنني لا أعتقد أن مثل هذا السيناريو المخيف يمكن أن يجعلنا نقف مكتوفي الأيدي لمنع هذا الصدام وأفضل ما يمكننا صنعه في هذا المجال هو حوار الحضارات، ومهما يكن هذا الحوار شاقًا إلا أنه وسيلة ناجعة واستراتيجية عقلانية أؤمن بنجاحها على المدى البعيد لتلافي حدوث مواجهة بين الثقافات المختلفة، فإذا تحقق هذا نستطيع أن نثق أن الحضارات لن تبتعد فقط عن مفاهيم الانكفاء على الهوية والذات، وإنما سيتزايد سعيها للتواصل مع العالم الذي نعيش فيه سويًّا، ففي نهاية المطاف كل حضارة تعتبر من البدء صالحة للجميع، كما أن التحديات المتشابهة- التي تواجه العالم اليوم للتحكم في الاختلال البيني والحفاظ على الطبيعة وكبح العنف في الحياة الإنسانية وإعطاء الوجود الإنساني معنى- تفرض على الحضارات أيًّا كانت معتقداتها، إظهار حد أدنى من المشاركة للتوصل إلى نواة مدنية مشتركة.

▪ الإسلام والغرب

وأحب هنا أن أشير إلى أحد التعبيرات الرائجة هذه الأيام للتدليل على احتمالات المواجهة بين الحضارات وهما مصطلحا الإسلام والغرب اللذان يسببان قدرًا من الالتباس والبلبلة، فإذا كان المقصود بالمصطلحين صدامًا أو صراعًا دينيًّا فيجب على المرء أن يتحدث عن مواجهة بين الإسلام والنصرانية غير أن هذا أيضًا لا يطابق الحقيقة، فالديانتان تؤمنان برب إبراهيم كإله واحد ولديهما قيم أخلاقية متشابهة وليس من الضروري أن يقف كل منهما في مواجهة الآخر، وبالدرجة نفسها من الخطأ يتم التعبير عن الخطر المحتمل بأنه صراع بين الغرب والشرق الأوسط، ذلك أن الأمر هذا لا يعني صراعًا جغرافيًّا بين الدول أو الممالك أو الأديان إذن فهذه الازدواجية الغريبة «الإسلام والغرب» ترمي إلى الإشارة لاختلافات ما بين الثقافتين والحضارتين بمعناها الواسع اختلافات في أسلوب التفكير وطرق المعيشة والنظم السياسية والاقتصادية ولتفادي تنامي هذه الفروق لتصبح خلافات أو صراعات فلابد أن يتخلى الجانبان عن التصور بأن الطرف الآخر كتلة صماء متجانسة لابد من التعامل معها ككل محدد المعالم، وذلك لأنه من البدهي أن أوروبا تظهر تعددًا بين بلدانها في أساليب التفكير وطرق الحياة والاعتقادات السياسية والنظم الاقتصادية، ومن جانب العالم الإسلامي يجب أن نضع في الحسبان أنه يقف أمامنا بمختلف بلدانه ومناطقه واتجاهاته ونظمه التعليمية كحقيقة متعددة الألوان انطلاقًا من تاريخه الذي يعود إلى ١٤٠٠ عام، وسكانه البالغ عددهم الآن ۱.۱ مليار مسلم، وقد أدى إساءة تقدير تلك الحقيقة في الأعوام السابقة إلى مواجهات سياسية رسخت الصور العدائية وأخفت النظرة الموضوعية المحايدة، وقد لمست بنفسي تلك الصورة السلبية المحددة سلفًا عند منح د. أنا ماري شيمل جائزة السلام الألمانية للكتاب وحاولت وقتها دعوة الجميع إلى النظر للأمور بنظرة موضوعية محايدة.

ومما أسعدني في الفترة الأخيرة ارتفاع أصوات عدة في العالم الإسلامي تدعو إلى ما أدعو إليه وتؤمن بتقديم كل طرف لحضارته بوضوح مع السعي لفهم الثقافة الأخرى بجدية، ويجسد هذا الفهم الرئيس الإيراني خاتمي الذي صور الصراع

بذكاء سياسي وفطنة مثقف وتحدث كمسلم مؤمن داعيًا للحوار المتبادل وهذا مما يستحق التقدير أكثر لأنه يعرف حقيقة الغرب من منظوره ودرس تاريخه بتمعن واستجابة للدعوات المنفتحة من العالم الإسلامي للحوار يتوجب علينا كأوروبيين أن نكون متأهلين لقبول هذا العرض وأن نعتبر الحوار مرأة ذاتية لنا فنحن في الغرب نميل دائمًا إلى اعتبار أن كل ما نفعله صحيح وعقلاني في حين أن ما يحدث من الحضارات الأخرى غير ذلك، ومن المحتمل أن الحضارات الأخرى تنظر إلينا النظرة نفسها، وبشكل عام فهناك في الغرب من يستسهل قبول فكرة أن الإسلام دين يرفض التفاهم والحوار مع الغرب والسبب في ذلك أن وضع التصورات الخاطئة عن الآخر أيسر من محاولة النظر إلى الحقيقة بحياد، ومن الأهمية بمكان للغرب الآن أن يستدعي إلى ذاكرته روحانيات الإسلام العظيمة وعطاءه الاجتماعي والحضاري وفصل هذه المعالي المضيئة عن أعمال التطرف والعنف «في النص الألماني الإرهاب» التي يقوم بها بعض المتعصبين ممن لا يقدمون سوى صورة مشوهة وغير حقيقية عن الإسلام، ويجب ألا ننسى أن الحضارة والتقدم الغربي الراهن يرجع الفضل فيهما للحضارة الإسلامية التنويرية التي مهدت الطريق للعصر الحديث.

إن العلوم الإسلامية المبكرة والعلماء المسلمين الرواد منذ القرن التاسع وحتى القرن الرابع عشر هم من قدموا للغرب أجزاء عظيمة من التراث القديم في الطب والحساب والفيزياء والفلسفة، وحافظوا عليها، وبدونهم لما نشأت جامعات غربية، لقد كان هؤلاء هم الحداثة بعينها في عصرهم، ومن أسف أن هذه الموجة التنويرية وجدت نفسها آنذاك تواجه من قبل حضارتنا النصرانية بموقف مناهض يمكن أن نصفه بمقاييس اليوم بالأصولية النصرانية، هذا التداخل التاريخي فرض علينا اليوم السعي إلى حوار الحضارات وكلما زادت حدة هذا الحوار وشدته كلما اتضحت الخلافات على الجانبين واستطعنا أن نحدد ما العوامل المشتركة وجوانب الاختلاف وسيتضح لنا أيضًا أن هناك حدًّا أدنى من التفاهم حول قيم إنسانية وحضارية موجودة في كل الدوائر الثقافية، لكن البحث عن القاسم المشترك بين الحضارات لا يعني أن نكتفي نحن أو الحضارات الأخرى بهذا الحد الأدنى، ويتحتم على الغرب إذا أراد أن يسلك طريقًا واضحًا في الحوار أن يسمح بوجود قدر دائم من الشك في كل ما يعتقد أنه مؤكد وصحيح، ذلك أن أحد أهم الأسباب المؤدية لتعاظم الفجوة بين الغرب والثقافات الأخرى إيمان الغرب الكامل بتفوقه التكنولوجي والصناعي والاقتصادي الذي لن يوقفه شيء مما يزيد نزعة التعالي على الحضارات الأخرى لديه متجاهلًا حقيقة بدهية تلغي هذا المفهوم وهي أن التقدم ظاهرة بشرية تسري على كل الشعوب والثقافات.

إنني انطلاقًا من سياسة عالمية الحضارة اقرر أنه ليس ثمة خيار أمامنا سوى زيادة معرفتنا بالعالم الإسلامي لنستطيع أن نجعل الحوار بيننا هدفًا مشتركًا مبنيًّا على نظرة دقيقة جادة وموضوعية يمكننا من خلالها التوصل إلى استراتيجيات للتعامل المشترك وإيجاد آليات تحول دون تطور النزاعات والمشكلات وتجد لها حلولًا سلمية ولن يتأتى هذا إلا ببذل الجهد دون هوادة لإبراز القواسم المشتركة بين الغرب والإسلام وزيادة معرفة الشعوب والحضارات ببعضها البعض، ومن المهم التأكيد على ضرورة الاتفاق على شرط محدد هو تخلي من يقبل المشاركة في الحوار عن جميع الوسائل غير السلمية واعتماده فقط على التفاهم العقلي والروحي كوسيلة وحيدة للتحاور وألا يسمح بتعرض أي إنسان للعنف أو الاعتداء بسبب هويته أو دينه، فلقد تعلمنا نحن الأوروبيين من تاريخ دام رهيب مررنا به أنه لا تنازل عن هذا المبدأ، وفي عصر العولمة لا يوجد بديل آخر للحوار بين الثقافات والحضارات فمن ينفصل ويفضل الانعزال فلن يستطيع أن يؤثر في شيء ولن يستطيع أيضًا إيقاف التغيرات العالمية فيتخلى بذلك عن مشاركته في إدارة دفتها، أما من يدرك قوة العبارات ويؤمن بتأثيرها الفعال على المدى البعيد فسوف يستفيد بلا شك من هذا الحوار الذي سيؤدي إنجازه بهذه الكيفية لزيادة أملنا في أن نرى في قابل الأيام انتصارًا لفكرة الحوار والتسامح واندحارًا لدعوة الانغلاق على الذات والتعصب والتعاون لما فيه خير البشرية بدلًا من التقاطع والتدابر.

الرابط المختصر :