; المجتمع الثقافي(1516) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي(1516)

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 31-أغسطس-2002

مشاهدات 83

نشر في العدد 1516

نشر في الصفحة 52

السبت 31-أغسطس-2002

القدس في القلب.. ديوان ومساجلة

إلى أبطال المقاومة في فلسطين المحتلة.. وإلى القابضين على الجمر في جنوب لبنان.. وإلى كل أصحاب الأرواح الغالية والأكف الضاربة في ميادين الجهاد الإسلامي لكي يعيدوا إلى وجه الأمة ملامحه الطبيعية، بعد أن فشلت كل الوجوه المزيفة والمستعارة في تضليلنا وطمس هويتنا، يخرج هذا الديوان كزهرة النار، ليعلن للجميع أن «القدس في القلب» مهما طرحها المساومون على طاولات المفاوضات، أو تداولها المتلاعبون من تحت الموائد، أو دسها المتآمرون في حواشي المقاعد.

 فـ «القدس في القلب» قضية إيمان لا تذروه الرياح، ولا تعروه الجراح، ولا يذبل في الأرواح.. إنها الرباط والإعتقاد الذي نلقى الله عليه في عرصات القيامة.. في أرض المحشر والمنشر.. غير خزايا ولا ندامى ولا مغيرين ولا مبدلين.

وكانت «القدس».. ولا تزال.. وستبقى قبلة للعلماء، وملهمة للشعراء، وملهبة لأهل النصر والفداء.

 ولقد طال انتظار أهلها خمسين عامًا أو يزيد.. انتظروا هيئة الأمم ومؤتمرات القمم.. انتظروا الوعود والحشود.. ولما طاحت هذه الأوراق جميعًا، واحترقت وطارت كرماد إشتدت به الريح في يوم عاصف، توكل أبناؤها على الله.. فتحولت فلسطين إلى عرس جهادي شريف يقاتل أهلها بالأظفار والأحجار، أعلى قوة شيطانية يهودية في العالم، ويعلن على الغافلين الذين كره الله إنبعاثهم.. «خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود».. بالنباطة والمقلاع.. اضرب بني قينقاع.

ولقد أحسن الشاعر الإسلامي المهندس «وحيد الدهشان» حين تقدم بحضوره الفاعل على ساحة الأدب الإسلامي، ليدفع بهذه الباقة المشتعلة من الشعر المجاهد في ديوانه الرابع «القدس في القلب» قائلًا:

القدس في القلب لن يهنا لنا بال 

                               حتى تقول الدنا: من أفسدوا زالوا

القدس في القلب محراب ومئذنة

                              وقبة في فضاء الكون تختال

القدس في القلب بستان ولؤلؤة 

                               العطر من قلبها والنور ينسال

مسرى النبي لها، من طيبة عيق 

                                ومن سناء لها فخر وإجلال

القدس في القلب آلام وأمال

                            عرض سليب فداء النفس والمال

القدس في القلب شوق لا حدود له 

                           لم تجد في وصفه للشعر أمثال

 وهو يعلن بصدق الكتيبة المجاهدة، التي لا يضر أهلها من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك فقال:

 القدس في القلب جرح لا تضمده

                          للخانعين أمام البغي أقوال

من يركعون على أعتاب قاتلنا

                          وفوق هاماتهم كم بال «شاحال»

راحوا وجاءوا مرارًا صوب ما زعموا

                             تحدو خطاهم إلى الأوحال أوحال

تكسو الوجوه بشاشات مزيفة 

                            وخلفهم دائمًا للخزي أذيال

 وكما أعلن محمود مفلح من قبل في الانتفاضة الأولى.. أن «طفل العقيدة» هو «الإمام» على درب الخلاص.

 هذا هو الرد لا شعر ولا خطب 

                           وإنما ثورة في الأرض تلتهب

هذا هو الرد من بعد الجفاف ففي 

                              تلك الأكف الدوامي ينضج العنب

شعب يرتل في أحجاره سورًا 

                          ورحمة الله فوق الجرح تنسكب

شعب تمرس بالأهوال من زمن

                             فكيف يلوي بهذا المد مغتصب؟!

شعب يفجر تاريخًا وأوسمة

                          ومن خيام المآسي تطلع الشهب

من المساجد صاغ الصيد لحنهم  

                              ومن منابرها الشماء قد وثبوا

طفل الحجارة، بل طفل العقيدة في 

                        مساقط النار لا خوف ولا رهب

هذا هو الرد لا لاء، ولا نعم

                              ولا صراخ ولا لوم ولا عتب

 على الطريق ذاته.. وبنفس الشعور الفوار والشعر الجرار.. يعلن الدهشان أن:

 القدس في القلب إيمان وتضحية

                          مقلاع طفل وأحجار وأبطال

القدس في القلب أجساد ملغمة

                          ما قيدتها خيابات وأغلال

تفجرت.. فالتقى من غير مؤتمر

                         رعب بقلب أعادينا وأهوال

 ففر من فر.. والباقون في هلع

                              لن يستريح بهذي الأرض أنذال

ولأن هؤلاء الثوار العزل من كل سلاح إلا سلاح العقيدة.. في حاجة إلى العون والمدد، والتأييد والسند.. فإن شاعرنا يعلن أن قلوبنا معكم أيها الأبطال في زمن التخلي والارتداد.

فتمسكوا بجهادكم وحماسكم

                             وغدًا سيعلن كل وعديد فراره

سيسجل التاريخ أن عدوكم

                           ملك السلاح وعاش يجتر المرارة

ما أهون الجرذان جل عتادها

                          ولكم تتوق لوقف إطلاق الحجارة

لا وقت للدمع

على أننا نعود إلى «الدهشان» لنعلن معًا أنه لا وقت للدمع:

لا وقت للدمع في أوطاننا الآنا

                         فكل شيء على ساحاتنا بانا

كل الوجوه تخلت عن براقعها

                        ما كان في السر صار اليوم إعلانا

كل الآلي تابعوا ما دار هل وجدوا 

                         إلا شياهًا وجزارًا وذؤبانا

واحر قلباه من راعٍ بلا نظرٍ     

                                على شفا حفرة يحدو مطايانا

ويعلن «الدهشان» أنه لو حطم العرب مشجب العار، وإنتفضوا مهاجرين إلى الله.. وكانوا لجند الله أنصارًا.. فيسحرق كل أشعاره.. علها تنبت «زهرة النار» التي نتغياها في حومة الوغى.

فيقول:

سأحرق كل أشعاري 

                      إذا هبوا إلى الثار

إذا اتحدوا على عمل

                       بإيمان وإصرار

أعدوا خطة مثلي

                    لتمحو وصمة العار

إذا اشتاقوا لجنات 

                       وخافوا من لظى النار

ولا سبيل إلى ذلك الطريق القويم والدرب المستقيم إلا بالإيمان العميق، والتنظيم الدقيق، والعمل المتواصل.. الذي يسجله «الدهشان» بروعة وبراعة في مساجلته مع الشاعر عصام الغزالي حين يطارحه الأسى قائلًا:

«لمن يا صديقي تدق الجرس»

                           كلام كسهم بقلبي انغرس

 تساءلت رغم احتدام الأسى

                            أحقًا مضى عزنا واندرس

 نعم في ربانا تصول الذئاب

                             نعم إننا أمة تفترس

ولكنها لم تهن كلها..!!

                       وما باع كل بنيها الفرس

ففيها «حماس» يدوي صداها

                        فما ثم دور لأهل الخرس

وفيها الفدائي يغدو شهيدًا

                      يفجر.. لا يحتمي بالحرس

فإن شئت يومًا ترى بأسها

                        فأذن بها.. لا تدق الجرس

 وسوف نؤذن جميعًا.. جاء الحق وزهق الباطل.. إن الباطل كان زهوقًا، ولسوف تظل «القدس في القلب» عقيدة لا يغسلها الماء.. ولا تلعب بها الأهواء.. تفتح أمامنا أبواب الشعر.. وتحدد لنا مسارات النصر ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51).

زفرة

على أننا لا نتفق بحال مع «الدهشان» حين يستدعى زفرة متوافقة مع زفرة شاعر النساء «نزار قباني» ليجعل منه شاعرًا إسلاميًا مقاومًا، يقف معه في صف الجهاد المقدس.. وهي صورة تجانبها الرؤية الإسلامية إلى حد بعيد، وينأى عنها أدبنا الإسلامي، الذي يعزف ويقصف «الدهشان» تحت ظلاله.. فكيف به يجهش قائلًا:

وبكت حروف الأبجدية كلها 

                           والسحب والغيمات والأمطار

والناي أرسل زفرة من قلبه

                                  ردت بشجو أنينها الأوتار

 وغدا الربيع بلا ربيع عندما

                          صاحت طيور الصبح مات «نزار»؟!

 ولكن سرعان ما يصحح «الدهشان» هذه الوهدة، ويعلو على هذه الكبوة حين يقرر أن «نزارًا» كان شاعر الانفلات الأول.. فهو الذي:

 في اللامباح ترنمت أشعاره 

                        وتحطمت في شرعه الأسرار

 ما عف عن ذكر المفاتن وامتطى

                             ظهر الخيال فما احتواه إطار

 شغل الأنام بما أثار ولم يزل

                            وتلاطمت في أمره الأفكار

 فكيف بعد هذا يرى فيه «الدهشان» شهيدًا فقيدًا مجيدًا.. بل ويرى في أعدائه كلابًا نابحة.. كلا.. وألف كلا يا «وحيد»..

ثارت عليك كلابهم يا ليتهم

                         يومًا على أعدائنا قد ثاروا

سيسجل التاريخ أنك شاعر

                       فضح الذيول ولفظه مغوار

ونحن لا نصادر على «الدهشان» إعجابه «بنزار» ولا ولعه بقصيدته «متى يعلنون وفاة العرب»، لكننا ننتصر للرؤية الإسلامية المتكاملة، التي لا نقبلها منقوصة الأطراف شائهة الأوصاف.. «فنزار» حين يعلن وفاة العرب.. لا يعلن حياة غيرهم من المرابطين.. وحين ينقض على عروبته إنما ينتصر لشعوبيته.. وكلنا يعلم أن الصورة الشعرية عند «نزار» قد لعبت برؤوس الكثيرين.. فضاعت منهم «الفكرة» في غمرة «السكرة».. لكن الحقيقة المتبقية من هذا الشاعر أنه المتطاول على الله والرسول والقرآن، والمستهزئ بالأنبياء والصالحين والمهدر في  جموحه الشعري كل القيم.

 لكن الإنصاف يحملنا على عدم تجريد هذا الشاعر من كل معالم الرجولة.. فله «فلتاته» الموفقة.. وليت «الدهشان» قد إستدعاه في واحدة منها.

لغويات سياسية

«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء، حتى اللغة.. واللغة  داخلة منذ القدم في كل شيء.. حتى السياسة».

المنكوس.. لا يخلف إلا نكسة

- نكس: نكسه: قلبه على رأسه، كنكسه.

- وهذه حالة واضحة في بعض السياسات التي عانت منها أمتنا ولا تزال، منذ عقود عدة، بدءًا بالشعارات والمصطلحات التي أفرغت من مضموناتها، فانقلبت على رؤوسها، وإنتهاءً بالأوطان، ومن فيها، وما فيها، إذ انقلب كل شيء، القيم النبيلة والأخلاق الكريمة الفاضلة، قلبتها السياسات- بإعلامها وتعليمها، وتربيتها وتثقيفها- إلى: رجعية، تخلف، ظلامية، جهل، تأخر، إنحطاط، سذاجة، سطحية.

والقيم الفاسدة، والأخلاق المنحطة، قلبتها السياسات المذكورة إلى: تحرر، تمدن، تحضر، إستنارة، وعي، تقدم، تطور.

 أما قوى الوطن المتنوعة: قوة الجيش، قوة الإقتصاد، قوة السياسة، قوة المواطن الفرد، المادية والمعنوية، هذه القوى التي ينبغي أن تنمو بأطراد، بحسب الأصل، فترتفع نسبة كل منها، بحسب مرور الزمن، والتطورات العلمية المتسارعة.. تراجعت إلى مستويات متدنية، جعلت المواطن الذي عرف حال بلاده قبل خمسين سنة، حتى أيام الإستعمار، يترحم على تلك الأيام، قياسًا على ما يراه من فساد وتدنٍ وإنحطاط.. بسبب السياسات الرشيدة الحالية، وأغلبها من النوع «الثوري التحرري!» وهذا أحد عناصر الطرافة والأطراف في المسألة!

ولعل مادة «نكس» ومشتقاتها، خير معبر عن حال هذه السياسات وصناعها، والمبتلين بها وبنتائجها المدمرة.

- الولاد المنكوس: أن تخرج رجلاه قبل رأسه.

- فكم من نظام حكم ولد «منكوسًا» إذ سقط من رحم «الدبابة» على رجليه، ليتسلم مقاليد سلطة سياسية، لا يعرف فيها قبيلًا من دبير، فأوصل الوطن الذي حكمه، إلى حالة ليس لها تفسير، أو وصف إلا في معجمات اللغة، فيقال:

- نُكس: فهو منكوس، والنكس والنكاس، عود المرض بعد النقه.

- تعسًا له ونكسًا: وهذه صيغة دعاء، على من أعمته شهوة التسلط والإستبداد، فسحق البلاد والعباد، وهي صيغة يحدد السباق الجهة المعنية بها هنا.

- الناكس: المتطاطئ رأسه وهذه بعض أوطاننا، أمثلة حية، على هذا المعنى.. لمن بحث عن مثال.

- المنكس: الفرس لا يسمو برأسه، ولا بهاديه أي «جيده»، إذا جرى ضعفًا، أو الذي لم يلحق الخيل.

- ونظرة إلى واقع الأمة، في ميادين السباق العالمية القائمة.. تدل ببساطة، على المعنى المقصود.

- انتكس: وقع على رأسه!

- النكُس: المدرهمون من الشيوخ بعد الهرم، والمدرهم كما وردت في القاموس المحيط الساقط كبرًا، وأدرهم بصره: أظلم، وكبر سنه.

- النكسة: مصطلح سياسي طريف، أطلق على أشنع هزيمة، أمام دويلة اليهود، وبالطبع أطلقه المنهزمون أنفسهم، وذلك بعد الهزيمة النكراء، في حرب الخامس من يونيو/ حزيران عام 1967م.. وبعد أن تبجح أولئك المنهزمون سنوات عدة، بأنهم سيلقون اليهود في البحر،  وصارت إحدى إذاعاتهم تغني «بالميج نتحدى القدر.. » أحتل الصهاينة مساحات واسعة من أراضي الدول العربية المحيطة بفلسطين.

- سهم نُكس: انكسر فوقه، فجعل أعلاه أسفله، جمعه أنكاس.

- فلان نكس من الأنكاس: رذل من الأرذال «وهو الذي ليس فيه مروءة ولا نجدة».

- الناكس: المطاطئ رأسه ذلًا، جمعه: ناكسون، ونواكس.

وفي التنزيل العزيز: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ (السجدة: 12).

كما ورد في الكتاب العزيز: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ ( يس: 68).

 عبد الله عيسى السلامة

الرابط المختصر :