العنوان المجتمع الثقافي (1637)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2005
مشاهدات 70
نشر في العدد 1637
نشر في الصفحة 48
السبت 05-فبراير-2005
مهمة هدهدية.. في أسفار يهودية!!
د. حمدي شعيب
عندما يبدأ المسلم رحلته للبحث عن هويته وذاته وكذلك عن هوية أمته وهو يحاول أن يجتاز بها هذه المرحلة الحرجة والمعقدة، فإنه لا يجد مرجعية ليفسر بها معضلات هذا التحول الحضاري الهائج المائج للواقع المر البئيس الذي تمر به البشرية عامة وأمته خاصة، ولا يجد بديلًا أو خيارًا يحجبه عن استدعاء ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه فيجد فيه الهدى الذي وعد به –سبحانه- أي جيل من المتقين الذين يهديهم -عز وجل- لفقه هذا الدستور الخالد ويصفهم بأنهم هم المفلحون إذا اتبعوا هذا الفقه عملًا به.
الهدهد المعلم:
ويبدأ أول دروسه عندما يطالع قصة هدهد سليمان فيتعلم من هذا الهدهد أن المسلم لا يجب أن تشغله الأمور المعيشية اليومية عن قضيته الكبرى ألا وهي دوره الدائم كجندي قد انتدبه الله -عز وجل- لحماية أحد ثغور أمته، ولا يستهين بأي دور ولو كان خبرًا صغيرًا قد يجد فيه غيره بغيته، كذلك لا تمنعه قوة ولا يرهبه سلطان إذا وثق من الحق الذي يحمله، ويوقن أن إخلاص نيته يرشده أن دوره ينتهي حيث يوجهه قائده, وعمله يعتبر منقوصًا إذا لم يكتمل بدور بقية إخوانه المسلمين، إذن هي تبعات فردية تضبطها توجيهات قيادية وتتمها بل تباركها أدوار جماعية, وعندما يبدأ المسلم مهمته التفقدية للواقع فإن عليه أولًا أن يتسلح بالفقه في ذلك الكتاب المبين المبارك ودستور حياته الرباني، حيث يفيض –سبحانه- عليه بفيوضاته وأنواره التي بها يجد الإجابات الشافية للتساؤلات التي ترهق غيره بل تعجزه.
ولعل من أعظم التساؤلات التي تلح على النفس المؤمنة تدور حول بواعث هذا الصراع البشري, ومنطلقات الإشكالية المعقدة للدورات الحضارية.
قوانين الصراع:
وبدراسة القرآن الكريم يجد المسلم أن هناك قانونًا حتميًّا يحكم العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات غير المسلمة، هذا القانون الحتمي هو قانون الصراع الذي يعبر عنه قوله سبحانه: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:251).
إن الحياة كلها سوف تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض؛ لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة وتظل أبدًا يقظة عاملة, وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء، يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة بمعرفة الحق الذي بينه لها –سبحانه- وبمعرفة طريقها واضحًا، وأنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض، وأنه لا نجاة لها من عذاب الله إلا بالنهوض بهذا الدور النبيل، وهنا يمضي أمر الله وينفذ قدره، ويجعل حصيلة الصراع والتدافع والتنافس في يد القوة الخيرة البانية التي أنتجها الصراع.
وكذلك نجد أن هناك قواعد أصيلة تعبر عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام والمسلمين وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتدادها عبر الزمان، وعدم توقيتها بظرف أو زمان.
فوحدة هدف المشركين تجاه الإسلام والمسلمين يوضحها قوله سبحانه: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة:217).
ووحدة الهدف التي تجمع وتقود أهل الكتاب ضد الإسلام والمسلمين يوضحها قوله جل وعلا: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة:120).
(في ظلال القرآن: سيد قطب 2/270-271 بتصرف).
منطلقات يهود:
لذا فإن المسلم يزداد ألمه وقناعته بمنهجه العظيم، ولا يستغرب ما ذكرته جريدة (هآرتس) الصهيونية أن وزير الخارجية في حينه شمعون بيريز فاجأ الصحفيين المتدينين الذين اجتمعوا في مكتبه لتلقي توجيهات حول المسيرة السياسية عندما أخرج من جيبه «سفر يشوع» وقرأ منه المقاطع التي يلعن فيها يشوع بن نون أريحا وجاء في السفر المزعوم: ملعون الرجل الذي يبني هذه المدينة «أريحا» وليفقد بكره حينما يضع أسسها ويفقد أبناءه حينما يضع أبوابها.
وأضاف بيريز: يجب أن تدركوا أن «أريحا» محظورة حظرًا تامًّا على اليهود، وأنا لا أدري لماذا يقاتل المتدينون من أجلها؟! (اليوم السعودية: 19/3/1414هـ . 5/٩/1993م) ولكن في المقابل فإن المسلم يتألم ويستغرب تلك التحليلات السياسية والجغرافية الغريبة التي تفتقد للأصول والقواعد الربانية السابقة للأحداث الجارية، وذلك كما تألم واستغرب الهدهد ممن يعبد الشمس من دون الله سبحانه فلم يُضِع وقته في سعيه على المعاش وذهب إلى سليمان (عليه السلام) حاملًا همه بل هم أمته.
وإن المسلم يصيبه الأسى وهو يرى مفاوض يهود يلبس قبعته السوداء كسواد ليل أمتنا البئيسة, ويصمم على إجازة يوم غفرانهم يوم السبت وأمامه من مفاوضي مسلمي اليوم من يضيع صلاة الجمعة, والأخرى تحمل صليبًا على صدرها؟
كذلك يشارك الشيخ الغزالي مرارته واستغرابه بل همومه التي بثها في زاويته (الحق المر) بجريدة «المسلمون» حول ذلك الصلف والغرور الذي جعل (رابين) في حفل الاتفاق العالمي للسلام يصمم على تهويد القدس، ويردد قراءات من التوراة ويرغم الآلاف على ترديد «آمين» خلفه بأسلوب قطيعي مهزوم، وتلك الجفوة الدينية لنده المسلم والتي جعلته لا يجرؤ على ذكر ولو آية من دستور دينه؟ ويتعهد بتصفية أصحاب المنطلقات الإسلامية في الصراع.
ولكن لم يزل قرآننا الفريد ينشد من يفقه ومن يتعظ بأحداث التاريخ، ويعلم أن الدورات الحضارية تحكمها سنن لا تحابي أحدًا، وإن عملية النهوض الحضاري وشروط نهضة أية أمة في أي زمان وفي أي مكان، كما يقول المفكر العلامة (مالك بن نبي) في مؤلفه القيم (شروط النهضة) تحتاج إلى ثلاثة عوامل, هي: الإنسان والوقت والتراب, وهذه العوامل يحركها ويمزجها أي يقوم بدور العامل المساعد لمزج وتفاعل هذه العناصر العامل الديني أو المركب الديني أي العقيدة الدينية, وأمتنا تملك كل عناصر هذه المعادلة، والمركب الديني لا تملك مثله أية أمة تصارعنا حضاريًّا.
آيات الإسراء تناشد عباد الله:
فلو تسلل إليك اليأس فعليك بآيات (سورة الإسراء) ففيها الحق الذي ليس فيه مراء ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ (الإسراء 4 : 8). ولقد ظهرت بينات وعد أمة يهود الآخرة وعادوا للعلو والفساد كما حدث في المرة الأولى, ولقد قال (أوسكار ليفي) في عبارة سافرة: نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه ومحركي الفتن فيه وجلاديه.
ونحن في انتظار عباد الله أولي البأس الشديد الذين سيحققون سنة الله مع عودة يهود للعلو والفساد, وسنة الله الممثلة في قوله سبحانه: ﴿قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء:51).
واحة الشعر
شعر: شريف قاسم
شهداء
طاب الجنى فتنفسي الصعداء *** اسقي الجهاد ... دما جرى شهداء
يا قدس يا مهوى القلوب تهللي *** بِشرًا فما رد الفخار فداء
والوعد -يا صيد الأباة– نبيه *** أزجاه وحيا صادقا يتراءى
فاستسقها قيما تتيه ورفعة *** تسم الدروب بقدسها إسراء
ودع الرصاص مغردا لم يثنه *** عصف النواح على القتيل مضاء
ها هم يشمون الطيوب فقم تجد *** في صدر كوكبة الفدا أشذاء
نادوا وزمجرة الوحوش عواصف: *** لبيك حيث وجدتنا أنواء
تسقي الربيع قلوبنا فلعلنا *** نجد البساتين الخواء رخاء
تطوي مناجلنا الأذى وترد عن *** ظل القباب بسيفنا الأعداء
كبر وقل للمجرمين بأننا *** لم نرض إلا للجهاد ولاء
ملت حناجرنا الهتاف وكم علت *** أصوات من خنعوا لهم جوفاء
فالموت أحلى من حياة لم تزد *** مهجا غلت في التيه إلا داء
عرج بنا لحياضه إذ لم نرد *** في ظل قبر يهودها استرخاء
لم ينطفئ وهج الجهاد ولم يمت *** فرسانه فاستفتهم أشلاء
قتلوا على باب المصلى إنهم *** باتوا يمدون الرجاء رجاء
في غرة الشهر المحرم أحرموا *** فخرا على ابن البغي واستعلاء
يستنسر الجبناء إن خلت الربا *** يغدون في جنباتها سفهاء
وعتوا بها والعصر مكن للجبان *** الغدر والتقتيل والإيذاء
أمواجهات أم يد ملعونة *** ليهود هذا العصر تقطر لاء
وفم البنادق أم أفاعي حقدهم *** ظهرت على أكنافنا رقطاء
من ذا يرد عتوهم لهلاكهم *** ويسوقهم يوم اللقا تعساء
قد قيل: ناموا، ثم قيل: تفرقوا *** وتخاذلوا واستسلموا أنضاء
واستدبروا في العصر كل كرامة *** واستقبلوا التهريج والغلواء
حتى شبعنا من مقالات الوني *** وتفجر البركان لما ناء
الله لا يرضى لنا إلا الهدى *** والعز بالإسلام والعلياء
فلتلتهب في القدس ملحمة الفدا *** وليرتو الأقصى دما إرواء