العنوان المجتمع الثقافي.. 1075
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
مشاهدات 83
نشر في العدد 1075
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 16-نوفمبر-1993
ومضة!!
لفت انتباهي تغير الموقف الأمريكي بعدما أوقع المسلحون الصوماليون
عددًا من القتلى في صفوف الجنود الأمريكيين. وما كنت أتصور أن دولة عظمى –وإن شئت فقل– الدولة العظمى، التي تمتلك الأساطيل
والأسلحة والنفوذ، وتتحكم في مصائر كثير من الشعوب والحكومات تتراجع أمام مثل هذه
الضربة البسيطة وتعدل عن سياسة المطاردة إلى المصالحة ومن القتال العنيف، إلى
التفاوض اللطيف.
ولعل ذلك لأنهم يرغبون في بسط هيمنتهم من غير أن يتعرضوا لأدنى خسارة،
أو لأن الإنسان عندهم له قيمة خاصة تستحق تغيير المواقف والسياسات. علمًا بأن
الإنسان الذي يحترمونه هو إنسانهم هم، وليس الإنسان الآخر الذي لم يندمج في
ثقافتهم أو لم يساير رغباتهم أو يحقق مصالحهم، وإلا فلماذا لم يحترموا إنسانية
مئات القتلى الذين سقطوا على أيديهم في الصومال؟؟
ولعل السبب الأهم وراء ذلك هو ضغط الكونغرس، بالإضافة إلى هجوم
الصحافة على سياسة الرئيس، وتهكمها به وتندراتها عليه.
كل هذه قد تكون مسوغات مقبولة وأسبابًا معقولة، لكن المثير للدهشة
حقًا هو السرعة في تحول هتافي العرضة الإعلامية الذين كانوا يباركون التدخل
الأمريكي ويدافعون عنه، ويبالغون في خطورة عيديد وفي ضرورة محاكمته والقضاء عليه.
كيف تحول هؤلاء عن مواقفهم السابقة والتفوا 180 درجة حول أنفسهم، حيث
صارت وجوههم في مواضع أقفيتهم وراحوا يهللون ويصفقون للخطوة الجديدة، كأنهم البعوض
الذي يعلق بذيل البعير، ويتحرك يمنة ويسرة، حسب ميوله وهواه.
وهم الذين يتصدرون الصفحات في بعض المجلات والصحف، يتسلقون أعمدتها
ويحتلون زواياها، إلا ما أتفههم من إمعات، وما أتعس الأمة، التي تصفق لمن يكيفون
أقلامهم، ويغيرون مواقعهم، كلما هز البعير الأمريكي ذيله.
قرأت لك: الواقع المر
«ذكر السيد محمد
جلال كشك في كتابه «إنهم يبيدون الإسلام في بلغاريا» هذه الخاطرة.....» «... في خاطري صورة
عمرها أكثر من 40 عامًا... لا هي تغيب ولا أنا أنساها أو أمل التذكير بها... صورة
نقلتها الصحف عن إحدى المجاعات في الهند خلال الأربعينيات...
أشاعت وذاعت مثلما انتشرت صورة طفلة فيتنامية كانت تجري والنار تشتعل
في جسدها من القصف الأمريكي.
ولكن الصورة الهندية كانت مختلفة تمامًا... فهي صورة فلاح هندي أنهكه
الجوع فقط!!
فجلس بلا حراك.. إلا عينيه اللتين تدوران وتخبران باستمراره حيًا...
وفي الصورة ترى ذراعه ممتدة إلى جانبه وقد برزت عظامها حتى كأنها بلا جلد... وكلب
جائع مسعور ينهش هذه اليد والرجل ينظر إليه ولكنه عاجز عن نهر الكلب... عاجز عن
جذب يده من أنيابه... عاجز عن الصراخ... وإنما هي نظرة غريبة ليست من هذا
العالم... نظرة ميت لو كان الموت ينظره.....
جثة تأخر دفنها... وكائن حي فقد كل خصائص الحياة....
40 عامًا.. وهذه
الصورة تقفز إلى خاطري كلما واجهت أمتنا كارثة أو اعتداء وعجزت حتى عن التألم...
فنحن في حالة من العجز والشلل تشبه حالة هذا الفلاح الهندي.....
ونحن على هذه الحال منذ قرون عديدة قد تزيد على الـ 400 سنة بدأت
بتخدر ثم شلل في الأعصاب أفقدنا الحس والتجاوب والقدرة.. بل حتى الرغبة في
المقاومة...»
اختيار: محمد بن عبد الله الحقباني الدلم – السعودية
إصدارات
البوسنة والهرسك من الفتح إلى الكارثة المؤلف: الدكتور / محمد حرب الناشر:
المركز المصري للدراسات العثمانية ص ب 8174 مدينة نصر – القاهرة – مصر . ت :
2990596 – 2438228
الصفحات: 196 صفحة من القطع المتوسط. هذا الكتاب هو أول كتاب في سلسلة
بلدان العالم الإسلامي التي يصدرها المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم
التركي. يتناول تاريخ انتشار الإسلام في البوسنة والهرسك، وجهاد شعبها ضد أعدائه
من الروس والنمسا والمجر والألمان وكل الحملات الصليبية التي أرادت النيل من دين
هذا الشعب وهويته.
ثم يتناول تاريخ انتقال الشعب من تبعيته للدولة العثمانية إلى احتلال
دولة النمسا والمجر لبلاده. ثم إلحاقه بدولة يوغسلافيا، والاضطهاد الذي عاناه في
ظل حكم الرئيس تيتو في المرحلة التالية له، كما يوضح موقف هذا الشعب من الشيوعية
والتطبيق الاشتراكي.
ويتناول أيضًا معاناة المفكرين المسلمين من السلطة اليوغسلافية ومختصر
البيان الإسلامي للرئيس علي عزت بيجوفيتش والذي أصدره مع 13 مفكرًا إسلاميًا وحوكم
عليه واتخذته أوروبا واليهود بعد ذلك ذريعة لمحاربة الرجل وشعبه كما عرض الكتاب
لمحنة الدكتورة / مليكة بيجوفيتش الأستاذة الجامعية والكاتبة الكبيرة عندما اقتنعت
بالإسلام فكادت أن تقتل في سبيله. وفيه رصد دقيق لأحداث الكارثة التي يندى لها
جبين الإنسانية في البوسنة والهرسك منذ استفتاء الاستقلال وحتى ديسمبر 1992م.
وفي الباب الثاني من الكتاب تأكيد على الهوية الإسلامية لمدن البوسنة
والهرسك والصرب والجبل الأسود مثل مدينة بلغراد نفسها وترافنيك ويانيا لوقا
وموستار وايز فورنيك وبوسنة سراي المعروفة في الغرب باسم سراييفو.
وبالكتاب جدولة البوسنة والهرسك والقواد الذين ظهروا منها كان منهم
الصدور العظام وقادة الأسطول وقواد القوات البرية في الدولة العثمانية والولاة
الذين حكموا مصر والجزيرة العربية.
واحة الشعر: أوهام السراب
ليلٌ يلف
ديارنا.. ويُخيم ** وطريقنا عبر المتاهة مظلم
يا أيها الجرح
الكبير إلى متى ** هذا النزيف، ولون فرحتنا تم!!
أوطاننا هدف لكل
ملمة ** نبني.. وأحداث الزمان تهدم
عبثًا تضيع هناك
أطياف المنى ** وكأن ما نصبو إليه محرم
وحصادنا شوك
العذاب، وروضنا ** رحلت بلابله وجف البرعم
ونظل ندفن في
الصدور طموحنا ** أبدًا.. وننتظر الربيع.. ونحلم
سرحت عيني في
دروب مسيرتي ** والقلب من وطء الأسى يتألم
الفجر في أذياله
متعثر ** أما الحياة.. فوجهها متجهم
والدين بين ذويه
يطعن غيلة ** والمؤمنون.. عدوهم لا يرحم
لله.. لا لسواه
هامات العلا ** تعنو.. وهل يرضى الدنية مسلم؟؟
ثارت بهم
عزماتهم.. لما رأوا ** من بات يبطش بالرقاب.. ويظلم
ويقال: مهلًا..
بينما ركن الحمى ** يهوي... وأزهار البطولة تعدم
وإلى أبي جهل،
فلول عصابة ** تنحاز.. وهي لناره تتقحم
وتروج هرطقة لها
أبواقها ** ولكل أبواب الضلال تترجم
وشعوبنا بين
اليسار وحزبه ** ثم اليمين.. شتاتهن مقسم
أما يد
الإسلام.. فهي حسيرة ** مصفودة.. والقيد فيها محكم
ورأيت قافلة
العبيد مسوقة ** نحو المصير.. وكلها تتظلم
وعلى الرصيف
ينام من لا يرعوي ** أو من تخدره الهموم فيسأم
ويغوص في وحل
الرذيلة سادرًا ** من ليس يمنعه الحياء فيحجم
والكاسيات
العاريات لهن ما ** شاء الهوى أبدًا... وهن الأنجم
حرية للمسرفين
فليس ما ** يخشاه لمه.. ساقط أو مجرم
ولصوص أموال
الشعوب.. تجشأوا ** من فرط ما ملأوا البطون.. واتخموا
هذا رهين
البؤس.. يجهده الطوى ** وأخوه في متع اللذائذ ينعم
وتقطعت كل العرى
حتى غدت ** بالسخط أحشاء الورى تتضرم
ويقال إذ تغلي
الصدور بغيظها: ** يا قوم.. لا تتذمروا... لا تنقموا
وإذا العدو
تفاقمت أخطاره ** صَغُروا أمام بلائه.. وتقزموا
وتكشفت كل
الحقائق.. فانجلى ** عن زيفه المكذوب من يتزعم
وإذا بواحات
السراب.. خيالها ** خدع وكل مغامر مستسلم
لا تعجبوا.. إن
الشعوب تعودت ** من خلفهم في كل حرب تهزم
لكنها.. لن
تستكين لغاشم ** أبدًا.. وليت الغاشمين تعلموا
قصة قصيرة: قيود الحياة
بقلم: هشام عدرة
لقد هاله أن يفتقر لأتفه سبب من أسباب الحياة، فتضن عليه الحياة به
وتذكر الأمس... الأمس الذي كان
فيه موظفًا إداريًا في إحدى الشركات يمرح ويسرح ويرتاد مع بنيه لتوجه الحدائق
والمنتزهات، سنة في الشمال، وأخرى في الجنوب، وثالثة في البحر، أو في البادية، حيث
ينقل بحكم عمله، وحاجة فروع الشركة إليه. وأمضه كثيرًا، رؤية أطفاله يتضورون ويصالون.
ومرة ثانية عادت به ذاكرته إلى أيامه الأولى. لقد انتسب إلى هذه الشركة، وعمل بصدق وأمانة منطلقًا من إيمانه بالله
تعالى ورسوله الكريم «صلى الله عليه وسلم» ومن أنه على المسلم أن يكون صادقًا مع
نفسه، ومع الآخرين، وفيًا في التزاماته، مخلصًا في عمله، وكان محط إعجاب زملائه
الموظفين. وقد كرم على
إخلاصه ووفائه مرارًا من قبل إدارة الشركة، فأغدقوا عليه المكافأة والهدايا
العينية والمالية، فكان يحمد الله عز وجل ويشكره على عطائه لعبده المؤمن...
وكان أبو خالد في أثناء ذلك يعيش في بحبوحة من الحياة الراقية، فأنجب
8 أولاد، كان أكبرهم «خالد» في الـ 10 من عمره يوم أحيل على التعويض، بعد أن أمضى
20 عامًا في الوظيفة.
ولم يستأ أبو خالد حين ودع وظيفته في الشركة،
وعاد إلى بلده لأنه أدرك بأن حقبة ليست بالقليلة من عمره، وقفها على خدمة بلاده،
ولكون هذه الشركة لم تنسه، فعوضت عليه بمبلغ من المال، تساعده على دهره، وتعد له
ولأبنائه حياة لائقة.
وشرع أبو خالد يعمل.. يعمل تارة في تجارة الحبوب والأغنام، وطورًا في
أعمال أخرى. والفشل يلاحقه في كل مشروع يباشره، وما انطوى عامان حتى وجد نفسه وقد
نقدت أمواله كلها، وبحث عن عمل.. أي عمل... في المعمل في الحقل في الشركات في أي
مهنة شريفة، تكفل له قوت عياله.
وعلم أن إحدى الشركات الغذائية الكبرى بحاجة لموظفين محالين على
التقاعد أو التعويض، فتقدم إليها، يطلب توظيفه في أحد مصانعها، وبعث بطلبه إلى
الدائرة المختصة، ولم يرد عليه فانتابه شيء من اليأس.
قبع أبو خالد في داره... يجتر أحلامًا باهتة وأماني مكرورة، ويرتقب
بأمل فتحًا من الله عز وجل ونصرًا من عنده..... وعاد ليطرق الأبواب كلها، وكلها
أغلقت في وجهه، وسدت منافذها في عينيه، سألته زوجته: اسع يا أبا خالد... اضرب في
أرض الله... اطلب العمل.. فلابد واحدة... وتأفف الرجل.. تأفف من هذه المرأة التي
تحثه على العمل.. وقد أعياه البحث، ومله الناس في ذل السؤال، وطل الطلب.
وحين توهمت زوجه أن لكلامها شيئًا من التأثير، وشدة الوقع مضت:
أولادنا على وشك السقوط في مجاعة مميتة.. لقد خلا بيتنا من كل حياة... وانكمشت
أيدينا وأفواهنا عن طلب أي شيء إن أقواها 8 ما تبرح مفتوحة.. ويعطونا مثلها ما
تنفك ترتعش جوعًا وخواء و16 عينًا تحملق في بعضها كالتائه الشريد فتنكفئ حيرى ترتد
خائبة ... وها هو الشتاء يدنو سريعًا، وهم في ألبسة الصيف الخرقة، وأقدام حافية.
كان أبو خالد يصيخ بسمعه لزوجه ولعله كان يشاركها كل عواطفها
ومشاعرها. غير أنه كان مدركًا أن زوجه لم ترحم نفسها. فتقرعها بعنف، ولم ترث لحاله
فتستحثه لعمل ما ليس في طاقته أن يعمله.
أم خالد.. لم أدع بابًا من أبواب مسرح الحياة العامل إلا ووقفت عليه
أستجديه العمل، فأغلقت الأبواب كلها في وجهي، ولم أترك إنسانًا إلا واستدنت عاطفته
علني أجد عملًا لديه، فجفت النفوس، وصمت المشاعر، واقفرت الأحاسيس النبيلة.
وراع الرجل سحابات قائمة يرشقها هواء رطب في الفضاء الضيق وغيوم تريد
حينًا منذرة بقدوم الشتاء، الفصل الذي هل على الفقير كأنه إعصار جاهم، فارتعد
واضطرب، بخاصة وأن بنيه، كما قالت زوجته منذ حين قد تعروا حتى من ألبسة الصيف التي
لا يملكون سواها...
وبيع في اليوم التالي، سرير النوم! الأطفال جياع... جياع بطون خوت
ووجوه شحبت، فلا كان السرير إذا لم يمسح الجراح، ويأس الألم..... وفوجئ بزوجه
تبكي... أم خالد.... أتبكين؟
أو تريدني ألا أبكي.. ليتنا بعنا سريرنا لغير جارتنا، أم مصطفى، فأنا
ما زرتها مرة إلا وصدمني مرآه، ما أجمله يا أبا خالد..... إنه سرير «أصلي» كم كنت
أرصعه بالورود. وأدهنه بالألوان البراقة وأزينه بالخز والحرير.. ليتنا بعناه لناس
بعيدين عنا، إذًا لنسيناه مع مرور الأيام......
كل شدة بعدها فرج، أم خالد لا تيأسي.. لا بد أن أجد عملًا... وهزت
المرأة رأسها، ولعلها ابتسمت بحزن وكآبة، ثم انصرفت إلى شئون بيتها وبيع المذياع...
البطون لا تزال خاوية طاوية... والأفواه مفتوحة بصورة رهيبة محزنة..
و16 عينًا تنصب على ربها تستدم منه العون على إشباعها وتهدئة بطون أصحابها، وشحوب قاتم
غش الوجوه الطفلة، فآلت إلى اصفرار وحزن، بعد وسامة ومسرة.
هذه هي المبررات التي كان يرددها الرجل كلما باع شيئًا من أثاث بيته
وهذه هي المسوغات التي يتذرع بها أبو خالد كلما لمح دموعًا ثرة تنهل من عيني زوجه،
وهل ثمة سبب قاهر أكثر من 8 ألسن ضارعة و8 وجوه هزيلة ذابلة و8 بطون فارغة من كل
غذاء؟؟؟
ولكن أبا خالد كان فطنًا في هذه المرة. فلم يبع المذياع لجار قريب، بل
ابتاعه منه مزارع ريفي بعيد، فكانت الوطأة أخف على نفس المرأة وتناولت مبيعات
الأثاث!!!
وأحس الرجل أن هذه الحياة لم تعد تطاق، وأن المضي في هذا السبيل، موت
ولكنه موت بطيء.. فلا بد إذن من حل..... أي حلول هذه التي تمسح الجرح وتداوي
النكبة، سأل الرجل نفسه، وعقب: لا بد من حل، مهما كان نوعه....
وخلا لنفسه، ساعة فانثالت أمام مخيلته فكرة مبهمة غائمة قلقة، لم
يتبين سوى فكرة.. الانتحار!!! وألحت الفكرة في الوضوح والتجسيد حتى غدت حلًا ما
بعده حل ومرة ثانية وثالثة، بحث في مخيلته عن حل آخر فكان في كل مرة يجد الموقف
الحاسم في الانتحار إذًا فليضع الحد، وليقدم.. وأحس أن ثمة صوتًا يستحثه على
العزم.. أقدم..... أقدم... تخلص من هذا الشقاء الأبد.....
وتأوه الرجل: ولكن أولادي.. أطفالي... من لهم بعدي... ومن يعيلهم....
كلهم أطفال... وقهقة الصوت: أبناؤك لهم الله... لهم الله عز وجل؟... ألا نعم
المعيل.... ونعم الوكيل.... ولكن هل يرضى الله عز وجل أن أهزم هكذا، واندحر أمام
واقع يمكن قهره مع التجلد والإيمان وعاد الصوت أكثر قهقهة:
التجلد والإيمان؟.. جميل منك أن تتجلد.. وهل ظل في نفسك شيء من
التجلد؟ لقد صبرت يا هذا، وصابرت، ولم يبق في وسعك سوى الموت... الصبر مع الرجاء
شيء محتسب وصحيح، ولكن الرجاء أثبت بعد أن بعت أثاث بيتك، وتعريت من كل أمل في
دوام الحياة.. ألا أقدم ولا تندم، ولسوف يتصدق المحسنون على أطفالك من بعدك يوم
يصبحون يتامى، أما الآن، فما دمت في قيد الحياة، فإن المحسنين يعرضون عن هذه
الصدقات.
وقهقة الصوت أخيرًا وتوارى وصدى: أقدم ... أقدم. يرن في أذن الرجل
بقوة وانجذاب وهيمنة قاهرة لا تقاوم.
كانت شمس الصباح تسكب شعاعًا رطبًا، حين كان أبو خالد يقبل بنيه كلاً
في دوره، ثم خلا لنفسه، وأظلم الكون وأربد. وغاب آخر شعاع لآخر أمل ورجاء
وإيمان..... ها هو يمسك بيده شفرة الحلاقة، ويهم بأن يحز شريان يده اليسرى، ومن
بعده لم يتدفق، وموت هادئ بطيء يجثم على حياته.
طق طق طق أبا خالد أبا خالد... سقطت الشفرة من يد الرجل، وهتف: الباب
يطرق.. يا الله.. من هذا الذي جاء يشهد موتي.... يشهد الدم الذي يجري والروح التي
تفيض. وتناول الشفرة مرة ثانية وهمه أن يحز الشريان. طق ... طق.. أبا خالد ... أبا
خالد.... ودنا الصوت من باب غرفته .... أبا خالد إن صوتًا يناديك.. هيا لبه.....
ومرة أخرى رمى الشفرة من يده.. وخرج ثم فتح باب الدار..... من؟؟ ساعي
البريد أبو أحمد... أهلًا وسهلًا..... وامتدت يد ساعي البريد إلى محفظته تخرج
برقية..... إليك أمر تعيينك... أبا خالد وعليك الالتحاق بمصنع الشركة الغذائية
الحديث في الشمال... فور استلامك البرقية.
واضطرب أبو خالد.. وجمد في مكانه وكان غلا في يديه منعهما عن
الحركة... ولحظ ساعي البريد اضطرابه وارتعاش عينيه. مالك أبا خالد.... أقسم لك
أنني كنت أفتش جيدًا في عناوين الرسائل والبرقيات قبل أن أوزعها، علني أجد لك
برقية أو رسالة من الشركة التي تقدمت بطلب تعيينك فيها. فلم أفلح حتى اليوم، فكنت
أول الناس الذين سأوزع عليهم الرسائل، فعلام ترتعش....
وبكى الرجل... بكى وهو يضم كلتا يديه على قرار التعيين واشرأب في
السماء: لقد كدت أقنط من رحمتك يا رب... فعفوًا ومغفرة.. لقد صدقت يا رب العالمين
عندما قلت في كتابك العظيم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ
الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155).
وعادت الحياة إلى أبي خالد وتضرجت الخدود الـ 16 بالدماء النقية
وامتلأت البطون وشبعت ونفرت الألسن وصدحت. وشب الفل واقتحم على الحياة خضمها
وميادينها... وديت الحياة وجرت كأحسن ما يكون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل