; د. حسان حلاق لـ "المجتمع": علينا الاهتمام بالذاكرة التاريخية للعلماء والقادة الذين أدوا دورًا بارزًا في حياة الأمة | مجلة المجتمع

العنوان د. حسان حلاق لـ "المجتمع": علينا الاهتمام بالذاكرة التاريخية للعلماء والقادة الذين أدوا دورًا بارزًا في حياة الأمة

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998

مشاهدات 77

نشر في العدد 1307

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 07-يوليو-1998

الدكتور حسان حلاق من الباحثين الناشطين في مجال التنقيب عن الوثائق والمخطوطات التي توضح الالتباسات وتكشف المعميات وهو إلى حد ما، يعيد كتابة التاريخ في مفاصل أساسية، وإن كان يرمي أن إعادة كتابة التاريخ هي كلمة مطاطة. وإن هناك فارقًا دقيقًا، بين تصحيح التاريخ وتشويهه.

وآخر ما اهتم به الدكتور حلاق هو وضع الأمور في نصابها بالنسبة لاثنين من رجالات الأمة العظام الإمام الأوزاعي، والسلطان صلاح الدين الأيوبي، فجمع سيرتهما في كتاب واحد، إنصافًا لهما وردًّا على من يفتري عليهما ما ليس في أخلاقهما وصفاتهما. 

«المجتمع» التقت الدكتور حسان حلاق في بيروت وأجرت معه الحوار التالي:

كتابكم الأخير جمع بين سيرتيّ الإمام الفقيه عبد الرحمن الأوزاعي والسلطان الناصر لدين الله صلاح الدين الأيوبي وحمل عنوان «الإمام والسلطان» فلماذا الجمع بين الرجلين وقد فرقت بينهما أعصر وقرون؟

○ أؤكد على أهمية الجمع بين هاتين السيرتين فعلى الرغم من الفارق الزمني بين الرجلين فهناك صفات مشتركة تجمع بينهما، فالإمام الأوزاعي لم يكن فقيها وحسب، وقد أفتى في سبعين ألف مسألة. بل كان أيضًا مجاهدًا ومرابطًا على ثغر بيروت، في المنطقة الممتدة بين المرفأ وقرية حنتوس المعروفة حاليًا باسم الأوزاعي، والسلطان صلاح الدين مع جهاده ومرابطته، كان محبًّا للعلم والعلماء مهتمًا بالمخطوطات ولاسيما ما يتعلق منها بمسائل القضاء وهو الذي أقام مئات المدارس الفقهية واهتم اهتمامًا بالغًا بالأزهر الشريف في القاهرة.

رسالة وذاكرة:

ولماذا الحديث مجددًا عن سيرة هؤلاء وقد أشبعت تحليلًا ودراسة؟

هو بمثابة رسالة إلى الأمة إن علينا الاهتمام بالذاكرة التاريخية للعلماء والقادة الذين أدوا دورًا بارزًا في حياة هذه الأمة خصوصًا أن بعض المفكرين والمؤرخين حاولوا في الفترات الأخيرة تشويه تاريخ المسلمين والمس بالذاكرة وتلك المحاولات لها أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية ومصيرية والمذاكرة وظيفة أساسية في تكوين القدوات الصالحة للأجيال الصاعدة، والحديث عن التاريخ الحضاري الإسلامي هو ليس للبكاء على الأطلال، بل للاستفادة في الماضي لبناء الحاضر والمستقبل.

● أفهم من كلامكم أن للتاريخ وظيفة وطبيعة هذه الوظيفة تربوية، لكن هناك مدرسة أخرى ترى ضرورة الاعتماد على الموضوعية الصارمة في تناول التاريخ الإسلامي، ولو أدى ذلك إلى تشويه صورة مثالية ماثلة في أذهان العامة، فما هو رأيكم؟

في الواقع، ينبغي تصحيح التاريخ من الأخطاء والأوهام، لكن لا يفترض بنا تشويه التاريخ، وهناك فرق بين الأمرين!

بين التصحيح والتشويه:

ما الفرق بينهما؟

قد تجد في بعض المصادر معلومات مبالغ فيها، أو بعض المعلومات الزائفة، وتكمن مهمة المؤرخ في هذه الحالة في تصحيح التاريخ من خلال مصادر أخرى يتأكد منها من خلال الوثائق والمخطوطات وقد قمت بتواضع ومنذ سنوات بتصحيح تاريخ السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي كتبوا عنه الكثير من السلبيات مع أن له موقفًا مشرفًا من القضية الفلسطينية، إذ رفض رفضًا قاطعًا إعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين لقاء مبالغ كبيرة تقدر بملايين الليرات الذهبية له وللدولة.

● لكن إذا كان هناك تاريخ صحيح قائمًا بحد ذاته وقد تحول على مر العصور قدوة على الصعيد الديني والعسكري والسياسي مثل تاریخ صلاح الدين فما هي الجدوى من تشويهه؟

منذ أكثر من عشرات سنوات، وتحت شعار التصحيح يقوم البعض بتشويه سيرة صلاح الدين فإذا كانوا يريدون تصحيح التاريخ فلماذا لا يتحدثون عن تاريخ الفاطميين مثلًا؟

● هم يقولون إن صلاح الدين كانت له نقائص وأخطاء؟

صلاح الدين عندما كان يافع السن غير صلاح الدين الرجل الناضج الذي يتولى المسؤولية السياسية والعسكرية ومن أراد الاطلاع على سيرته فليعد إلى القاضي ابن شداد، صاحب کتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، وهو المعاصر لصلاح الدين، وكان يماشيه ويرافقه ويسجل الأحداث يومًا بيوم، إلى أن توفي السلطان فكتب عن وفاته.

إن صلاح الدين كمثل القادة في التاريخ، أخطأ وأصاب ولا يرتكب الأخطاء إلا الإنسان العامل وإذا تحدثنا عن السلبيات والإيجابيات فهذا من الموضوعية، لكن التشهير بشخصه هو التشويه بعينه

● وكيف نستفيد من أخطاء الماضي؟

إذا حدث أخطاء في الفترة الأيوبية ينبغي ألا تكررها، لقد كانت هناك معاملات تجارية مع الصليبيين أيام السلم واتفاقات ومعاهدات، لكن الهدف الأكبر لم يغب عن أذهان قادة ذلك الزمان وهو تحرير الأرض من الوجود الغريب المؤقت كل الشعور العام معاديًا للصليبيين كما هو الحال اليوم تجاه الإسرائيليين وهذا هو الأساس، وهو الذي يولد المقاومة، ولو زال هذا الشعور لانعكس ذلك سلبًا على الممارسات السياسية والعسكرية مثل أن تعلم الأجيال أن إسرائيل أمر واقع، وأنها غير مغتصبة عندها تنطمس الذاكرة وتطلع أجيال غير مقاومة.

  • إن شبه التطبيع الذي حدث بين الصليبيين والمسلمين ربما كان السبب في إطالة عمر الاحتلال فما العبرة؟

الحكام لهم ظروف معينة ولكن الشعوب متحررة من هذه الظروف وأي حاكم لا يمكن أن يلزمني بشراء بضاعة إسرائيلية، علينا أن نقاطع البضائع الإسرائيلية مهما رخص ثمنها، وتلك هي قوتنا كشعوب، وإن ما قام به بعض الحكام، ربما قاموا به على مضض

● انعقد في بيروت مؤخرًا مؤتمر لإعادة كتابة التاريخ... فماذا تعني إعادة كتابة التاريخ، وما شروطها؟

إعادة كتابة التاريخ كلمة مطاطة، لا يمكن أن يكون التاريخ كاملًا، وما ألفة ابن الأثير تحت عنوان الكامل في التاريخ ليس كاملًا، مهما كان المؤرخ عامًا.

هناك بعض السلبيات في التاريخ الإسلامي بسبب الإسرائيليات التي أدخلها فيه رجلان في عهد معاوية - t، وهما وهب بن منيه وعدي بن شريه، وكان الاثنان يتقنان اللغة العربية والعبرية والسريانية والفارسية واليونانية، فجمعا المصادر المتعددة حول ما كتب عن تاريخ العرب قبل الإسلام، وبعده، ومؤلفاتهما باتت مصدرًا رئيسًا لكل من جاء بعدهما.

وبالإمكان مراجعة بعض الحوادث التاريخية مثل قصة عاشوراء، إذ ينبغي تسليط الضوء عليها بصورة علمية وموضوعية، ومن منطلقات إسلامية توحيدية بما يؤدي إلى جمع الشمل، فعندما وقعت الحادثة لم يكن ثمة سنة وشيعة، بل كان هناك مسلمون اختلفوا فيما بينهم الأسباب معروفة، ومن الممكن إعادة اللحمة إلى الأمة من دون مذاهب وعنعنات لأن المسألة لم تكن مذهبية بل كانت لها ظروفها السياسية من هذا يمكن أن نطرح إعادة كتابة التاريخ بما يفيد التاريخ فعلًا.

رد على كتب:

● هل كتابك الآنف الذكر هو رد على كتابات أو على كتب بعينها؟

الكتاب هو رسالة واضحة لكل المعنيين بالأمر، لإنصاف الإمام الأوزاعي والسلطان صلاح الدين الأيوبي، فالاثنان لهما فضل لا يجهل، وإن كان الإنسان يبقى إنسانًا يخطئ ويصيب.

والكتاب هو رد على افتراءات المفترين وتشكيك المشككين لأقول إن في تاريخنا صفحات ناصعة ينبغي أن نحافظ عليها، وأن تنعش الذاكرة التاريخية بها.

  • ما ردكم على الأطروحة القائلة بأن صلاح الدين قضى على التشيع في مصر وبأنه كان يعمل بخلفية مذهبية؟

السلطان صلاح الدين لم يكن مذهبيًّا، ولم يكن سلطانه نور الدين زنكي كذلك بدليل أن الأخطارالتي أحدقت بالدولة الفاطمية في مصر من قبل قوى داخلية فاطمية، ومن قوى خارجية صليبية دفعت الخليفة الفاطمي الشيعي إلى طلب العون من السلطان السني نور الدين، ولم يتردد الأول لحظة في طلب العون، ولم يتردد الثاني في الاستجابة فأرسل صلاح الدين الذي نجح في القضاء على الصليبيين وعلى الفاطميين المتآمرين، لكن صودف أن توفي الخليفة الفاطمي من دون خلف قوي إذ كان حديث السن، فتوافق أهل مصر على تنصيب صلاح الدين سلطانًا وهو الذي كان بطلًا منقذًا في أعينهم، وقد عتب عليه نور الدين زنكي، فقال له أرسلناك قائدًا قعدت إلينا سلطانًا، وكان جواب صلاح الدين أنا ما زلت جنديًّا من جنوبك ثم توفي نور الدين وخلفه ابنه الصغير إسماعيل، فما كان من أهل الشام إلا أن بايعوا صلاح الدين بالسلطنة، وكان له الفضل في توحيد مصر وبلاد الشام.    

وعندما تولى الحكم في مصر، لم يكن الشعب شيعيًّا، بل كان سنِّي المذهب، ولم يكن سوى الحكام والقضاة على المذهب الشيعي، لذلك لم يعترض أحد على تحويل مذهب الدولة، وكذلك عندما حول الأزهر الشريف إلى دراسة المذاهب السنية، فالشعب تقبل ذلك وهو لم يعامل الآخرين معاملة سيئة.

الرابط المختصر :