العنوان المجتمع الثقافي (1353)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1353
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 08-يونيو-1999
التاريخ الإسلامي المفترى عليه وكيف نعيد النظر فيه؟
المستشار طارق البشري: مطلوب إعادة كتابة التاريخ بنظرة تحليلية ناقدة تبرز الجوانب الإيجابية للدور الحضاري للأمة
القاهرة: رضا عبد الودود
نتابع في هذا العدد أنشطة ندوة القاهرة التي دارت حول إعادة كتابة التاريخ بهذه المداخلة التي قدمها المستشار طارق البشري الذي تحدث عن خطورة الأخطاء الفادحة في كتابة التاريخ، ومدى تأثيرها على الوعي الثقافي للإنسانية، مؤكدًا ضرورة إعادة كتابة التاريخ بنظرة تحليلية ناقدة، خاصة في ظل الدور القوي الذي لعبه المستشرقون في صياغة تاريخ أمتنا العربية والإسلامية، وضرورة إعادة بنائه لإبراز الجوانب الإيجابية للدور الحضاري للأمة الإسلامية.
ويقول: إن المشكلة الحقيقية أن التاريخ يكتب في إطار فكرة، ويثار على أنه أحداث تنتهي إلى غاية، أي أن التاريخ غائي، وقديمًا كتبوا حول فكرة الغائية وكانوا قسمين إما أن يكتب التاريخ على أنه حوليات أو خطط، أي أن المعيار الذي يمسك وقائع التاريخ لم يكن متعلقًا بالفكرة نفسها، وإنما بذكر الأخبار التي حدثت في هذا العام أو في ذلك الواقع، ولم يوجد خيط يربط بين الأحداث وبعضها، مما يجعله لا يحلل ولا يفهم.
ومن ذلك الإمام الطبري حيث كان له جهد التجميع في ذلك الوقت، ويحملنا نحن مسؤولية التدبر والتحليل، فعملية التدوين كانت لإنعاش الذاكرة ، وإيجاد نص قائم مكتوب ينبه الذاكرة إذا غفلت والكتابة – أيضًا - كانت لغير الإثبات والكتب معلومة بالسماعات «فلان سمع عن فلان» وهذا ما يعطي للمخطوطة حجيتها - أي السماع وليس التدوين - فالتدوين كان لمساعدة الذاكرة التي تستمر في المرويات وعندما جئنا نكتب حديثًا كان يمكن أن يتحول التاريخ لدينا إلى غائي، ولكننا استعمرنا فكريًّا وحدث أمران
الأول : سيطرة الاستشراق على التاريخ الإسلامي.
الثاني : سيطرة النظر العلماني على التاريخ الحديث باعتباره غاية في ذاته.
ونجد أن الاستشراق حكم على التاريخ عند كتابته بروحين بوصفه موضوعيًّا وليس علمانيًّا فالمستشرق بحكم عقله، وعقله إما عقل نصراني لا يفهم الإسلام، ومن ثم يفصل بين الدين والدنيا، ولا يستطيع أن يوصل بين الاثنين ليفهم الظاهرة الإسلامية في واقعها المعيش، وإما عقل علماني يحكم على الدين بوصفه بيئة المتخلف فمن ثم فالدين - الإسلام - في نظره متخلف لا يعتد به، وبهاتين النظرتين لا نستطيع إيجاد صيغة منضبطة للتاريخ.
مدرسة شفيق غربال: نشأت المدرسة التاريخية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، في بدايتها نشأة سليمة، وشفيق غربال الذي كان له إمكان النظر في التاريخ دون فصلاً بين التاريخ الإسلامي الوسيط والتاريخ الإسلامي الحديث, إلا أنه لم يتبعه أحد من مؤرخي مدرسة التاريخ الحديث، وذلك لعدم قدرتهم على الوصول إلى طريقته في التفكير، ومن أكبر تلامذته أحمد عزت عبد الكريم، وهو مؤرخ دقيق، وله كتابات عن التاريخ في عهد محمد على، حيث أورد قضية مهمة عن تعليم الدين في المدارس أيام محمد علي، الذي أخذه عن الفرنسيين طريقة مشابهة لتدريس النصرانية في فرنسا، وهذا أمر جد خطير في تنامي التيار العلماني الذي يتبنى الفصل بين الدين والدنيا.
وأكد البشري ضرورة إعادة النظر في المدرسة التاريخية بكلية الآداب، حيث إنهم في قسم الاجتماع بدأوا بمنهج دوركايم العلمي ثم تحولوا إلى الماركسية، ومن ثم تركت مدرسة شفيق غربال وظهرت مدرسة جديدة متأثرة جداً بالفكر الماركسي، ومن أبرزهم محمد أنيس الذي أشاعها في الستينيات، ونجد أن علي عبد الواحد وافي - على الرغم من إسلاميته - أشاع مدرسة دوركايم، فمشكلتنا أننا بحاجة إلى كتابة التاريخ بشكل غائي لا بنظرة الاستشراق ولا بنظرة العلمانية.
ويقول المستشار البشري: إن الحكم على التاريخ بالصواب أو الخطأ لابد أن يعود إلى القيم، ومن ثم الفقه وإلا فإننا سنحكم على الواقع بالنقصان، ولابد من دراسة التاريخ من ناحية مختلفة، ليس للحكم بأن فلان أخطأ أم لا أو معاوية أخطأ أم لا، فهذه ليست قضيتنا، إنما المنطلق ماذا فعل معاوية، وما كان مناسبًا في ظروفه أن يفعله؟ فحينما أجد دولة في بداية نشأتها تركت مكة والمدينة واستقرت في دمشق ونجد أن مكيافيللي.. قال: «حينما نضم دولة لأخرى من الأفضل, أن تنقل العاصمة إلى البلد المضموم لجعل الركيزة الأساسية للدفاع عن الدولة فيها، ولتأليف القلوب من ناحية، وجعل القوة الضارية في هذه الناحية حتى لا تنفك عنك مرة أخرى», وهذا أسلوب سياسي لحماية الدولة، وذلك ما فعله معاوية، فقد استقر في دمشق لأن بجانبه الروم، وهناك قبائل على مدى الحكم الأموي كانت لا تزال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تحاول فك الحكومة الإسلامية، وهذا جزء من حركة الردة، وقد حاربهم أبو بكر، ولا يزال النزوع القبلي يؤدي إلى الانفكاك، وفي منطقة أخرى المجوس كانوا موجودين وكذلك النصرانية أي تعدد أديان وتعدد قبائل وتعدد حضارات، وتعدد في البيئة الجغرافية السياسية فكيف نصنع وحدة بين هذا كله بدون عنف؟ لا نجد أحدًا في التاريخ كله فعل هذا ونجد أن هدف الثورة الروسية بين تروسكي وبين ستالين انتشار الشيوعية، وكان السؤال المطروح حينذاك هل يكون ذلك عن طريق الثورة الدائمة أو عن طريق بناء دولة وفي هذا الإطار انتصرت الشيوعية ببناء دولة وكان على يد ستالين.
ونابليون – أيضًا - كون من الثورة دولة بدأت تنشر مبادئ الثورة عن طريق الدولة, وردًا على سؤال حول كتابة تاريخ ثورة يوليو أكد المستشار البشري أن الأخطاء التي وجدت في كتب التاريخ علاقة الإخوان مع عبد الناصر على سبيل المثال نبعت خلال عملية التأريخ التي تقوم بها الدولة أحيانًا أو أحد التيارات الأخرى العاملة داخل المجتمع أو خارجه، وذلك يستدعي ضرورة الأخذ في الاعتبار انتماءات المؤرخ وعلاقته بالسلطة انذاك، وضرورة عملية الفرز التاريخي وتقسيم الحقب التاريخية حسب طبيعة السلطة القائمة, ويؤكد أن عملية الفرز والتقسيم للتاريخ تقوم على أساس المكان والأقاليم والمناطق، وعلى أساس الأحزاب ورؤية السلطة للحكم على أحداث التاريخ وعلى أساس الزمان وذلك ما نجده في كتب التاريخ فما من مرحلة تاريخية إلا وجد المؤرخون الذين ينصفون أو يسيئون للمرحلة السابقة، فنجد أن أتباع مصطفي كامل على الرغم من وطنيتهم وإخلاصهم إلا أنهم أساءوا للثورة العرابية، والوفد أساء إلى الحزب الوطني أي أنه من أخطر ما يشوه التاريخ أمراض التقسيم الجغرافي والحزبي والزمني، وهي أمراض مازالت موجودة، ومن ثم لابد من تقويم صاحب الرواية التاريخية من جميع الجوانب إذ يصاغ الحكم في شكل قصة وقعت.
واستشهد المستشار البشري بتاريخ السلطان عبد الحميد وما تعرض له من تشويه على يد القوميين العرب والمستشرقين قائلًا: إن السلطان عبد الحميد في مذكراته يتكلم عن مذابح الأرمن ويقول: هل مطلوب مني بوصفي رئيسًا للدولة أن أترك خراج «إصابة شديدة» في بطني، فالأرمن يثورون ضده في القسم
الشرقي، وكذلك الخواجات يحاصرونه في أوروبا، ولم يكن أمامه سوى ذلك، والذي جاء بعده فعل أكثر من ذلك في الأرمن والأكراد والعرب – أيضًا - وكان يقول السلطان عبد الحميد لقد أتت المشكلة من جدي محمود الثاني حينما ضرب الانكشارية وعمل عبد الحميد ما يشبه «البرويستوريكا» وأعاد تماسك الدولة.
لذا فمطلوب من باحث التاريخ عندما يقال: إن الحاكم ظالم، أن يبحث ماذا كان أمامه أن يفعل وبقاء دولته يتعرض للتهديد، ومن ثم يجب مراعاة نوعية الأشخاص الموجودة في المرحلة التاريخية التي كانت قائمة سواء كانوا فقهاء أو حكامًا أو معارضة.
رأس الوثائق
شعر: محمد عبد السلام الباشا
إن في الدنيا دروبًا *** قد حوت بعض المزالق
من بدت فيه المزايا *** لم يجد للهم طارق
عاش موثوقًا جديرًا *** بين أقران توافق
إن ترد أمرًا سديدًا *** بين غرب أو مشارق
حجة القرآن أقوى *** من تصانيف الخلائق
إن بدت فيما أراها *** فهي رأس في الوثائق
كن بدنيانا غيورًا *** لا توافق من ينافق
هيبة العباد تجدي *** قائماً في الليل حاذق
قانع قد نال عزًّا *** في المعالي صار سابق
ذل من حاز المعاصي *** شاهدي في كل مارق
طامع قد ذاق فقرًا *** واسمعوا في النصح صادق
إن ترد حقًّا وصدقًا *** أن تكون الروح عابق
فالتزم حقًّا صريحًا *** من تردى لا ترافق
واستعن بالله تبقى *** سيدًا كالطود شاهق
هكذا تبقى سعيدًا *** دائمًا في النفس والق
أنا أستغيث.. فهل أُغاث؟
شعر : د/ أحمد السيد حسن
طفل أنا
من كوسوفا المسلمة
لي قصة وذئاب صرب غاشمة..
ولأن جند الحق في عصري وعن عرضي شياه سائمة
فلتكتبوها شهادة للحق... للتاريخ... للأجيال القادمة...
فروايتي يا أمتي تملى بدمع من بحار دماء شعب عارمة..
في ليلة كنا نيامًا في رؤانا الحالمة ...
في حضن أمي.. وابتسامة إخوتي...
وطيورنا فوق الخمائل نائمة
وأبي يقيم الليل بالترتيل..
والأشجار - من خلف النوافذ – في صفوف قائمة ...
وإذا بأبواب الجحيم مسعرات جامحات راجمة
وإذا العيون مفزعات, ضائعات, وكأن أهوال القيامة هاجمة
أمي على الأرض الحنونة ينهشون لحومها وعرض أختي (فاطمة)
وأبي يغرغر في بحور دمائه.. وعظام إخواني الصغار مهشمة
وأخي الكبير مكبل بالقيد، منبطح الجبين، قادته للمجهول أيد مجرمة
وأنا أساق إلى الصليب مع الحليب إلى كنائس ناقمة...
فهل ارتضيتم أن تبيت شموس ديني غائمة؟
ومآذن التوحيد فوق حلوقها صلبان صرب جاثمة؟
هل من «صلاح» أو «مراد» أو سيوف بالمصاحف قادمة؟
قصة قصيرة: يهدمون منازلنا..!!
ألقت أم سعيد نظرة حانية على أحفادها وجعلت تدثرهم بالفراش، خشية على الأجساد الغضة من لفح الصقيع، في تلك الأيام الشاتية تركتهم يستسلمون للنوم العميق، وتوجهت نحو غرفة ابنها لتتأمل الأثاث الجديد الذي أعدته من أجل الاحتفال بزفافه.
أطفأت الأنوار واستلقت على فراشها بالقرب من زوجها الشيخ الذي كان يغط في سبات عميق، ألقت برأسها على الوسادة وهي تتمتم بأذكار المساء، كانت تشعر بسعادة غامرة لعودة ولديها من بلاد الغربة بعد إتمام دراستهما الجامعية.
مرت على مخيلتها ذكريات سنى المعاناة ورحلة الهوان الممتدة في ظل الاحتلال، جعلت تستعيذ من شر تلك الذكريات المؤلمة.
قصف عنيف للمدن والقرى هجرة عذاب اعتقالات مر كالعلقم، فقر وجوع وخوف وجراحات ونزيف لا يتوقف، بؤس حفر أخاديد عميقة في الجباه الصابرة التي أبت الخنوع، وترفعت عن الهوان على الرغم من الألم والأحزان.
أغمضت جفنيها على صور المأساة مستسلمة للنوم علها ترى في المنام من الأحلام السعيدة ما يخفف عنها وينسيها بعض تلك الذكريات، لم تشعر بما خبأته الأقدار لها ولأسرتها في تلك الساعات.
فبينما كانت تنعم بنوم هادئ قلما شعرت به من قبل، كانت أرتال من المدرعات وآليات جيش الاحتلال تنتشر حول بلدتها، لتفرض حصارًا لا سبيل معه لخروج أحد.. بدأ الزحف نحو بيت أبي سعيد، ترجل الجنود وانتشروا بسرعة ليتمترسوا وراء الجدر، ويشرعوا أسلحتهم كمن يستعد، استيقظت على صخب مدرعاتهم، وصوت الخوض معركة عنيفة.
مناديهم البغيض نقصف المنزل.
أنتم محاصرون استسلموا قبل أن .. هرعت نحو النافذة.
ماذا هناك من يعنون يا ترى؟
أطلت برأسها من النافذة
شهقت برعب تملكتها الرعشة، هل أنا في حلم غير معقول؟ نهض أولادها وأحفادها مذعورين استيقظ زوجها بتثاقل، أقبل الجميع نحو النافذة، تنهد زوجها لا حول ولا قوة إلا بالله يبدو أنها مصيبة أخرى.
يرتدي معطفه ...
يصرخ الصغار إلى أين يا جدي؟
يتحسس رؤوسهم ويربت على ظهورهم.. لا تفزعوا.. لا تفزعوا..
ينظر إلى أبنائه..
لا تفعلوا شيئًا حتى أعود.. يخرج بتؤدة وهو يتكئ على عصاه.. يتقدم منه ضابط غليظ .. يضرب العصا بقدمه فيقع أبو سعيد على الأرض.. ينتفض أحد أبنائه وهو يراه من النافذة ، ويحاول الخروج.. يمسك أخوه الأكبر بيده ويضغط عليها.. لا تتهور.. اصبر حتى نعرف ما يريدون... يصرخ الضابط..
أين المخربون أيها العجوز؟!
يلتفت إليه أبو سعيد ويرمقه بنظرة استحقار.. ماذا تعني؟
أنت تخبئ في بيتك عددًا من المطاردين، أي مطاردين؟ هذا هو بيتي أمامك.. ادخله وفتش..
يضحك باستهزاء
أدخل بيتك.. هل أنت مجنون كلا اسمع يا هذا.
قم وأخرج كل الشباب حالًا هل فهمت؟
ينهض بتثاقل يتمتم بدعوات على الظالمين يعود للبيت ويطلب من أبنائه الخمسة الخروج إليهم..
يصرخ الضابط على الجنود فيصوبون بنادقهم وأسلحتهم نحو صدور الشباب الخمسة العزل..
يتقدمون بخطى ثابتة يحيط بهم الجنود، يطلب الضابط منهم رفع أيديهم والاستدارة نحو الجدار يأمر بتفتيشهم بدقة..
ألم تعثروا على شيء؟ كلا لم نعثر على شيء.. ينادي على الشيخ بصوت بغيض
أخرج كل من بقي في المنزل.. هيا بسرعة قبل أن آمر بقصف المنزل..
يهرع نحو امرأته وبناته ونساء أبنائه وأحفاده..
يأمرهم بالخروج حالًا قبل أن تحل الكارثة.. يخرجون من المنزل نحو الجنود..
تتقدم مجندة.. وتبدأ بتفتيش النساء والأطفال تلتفت للضابط..
لا شيء.. حسنًا الآن..
يصرخ أبو سعيد..
مهلًا أرجوك..
ماذا تريد؟..
النقود والوثائق.. الأثاث والفراش والملابس..
يضحك الضابط بصوت مرتفع.. لن نسمح لك حتى تخبرنا عن مكان المطاردين..
قلت لك لا يوجد في البيت مطاردون.. يشير الضابط للجنود فوق الآليات المدرعة.. الآن..
تدوي الطلقات فيتردد صداها في الأجواء، يقصف المنزل بحقد دفين، تتهاوى جدرانه أمام الأعين المذهولة يصرخ الأطفال ويعلو النحيب.. يتمنى أبو سعيد لو كان يملك سلاحًا يواجه به هؤلاء الأوغاد..
هذه هي العدالة التي تتفاخرون بها ؟ تهدمون المنزل وتحرقونه بكل ما فيه حتى النقود والوثائق لم تسمحوا لنا بإخراجها!
يأمره الضابط بالسكوت ويهدده بالسجن، فوضت أمري لمالك الملك حسبي الله ونعم الوكيل!
ينظر الضابط إلى مجموعة من الجنود فتشوا البيت بدقة هيا بسرعة، ابحثوا عن السلاح أخرجوا جثث المخربين..
يهجمون بشراسة تبدأ عملية البحث والتخريب رصاص يخترق الصناديق المقفلة تكسير للأسرة والأثاث حرق للملابس تفتيش في كل زاوية من زوايا البيت
يعودون للضابط دون أن يعثروا على شيء..
ينظر إليهم بدهشة...
أين المطاردون.. أين السلاح؟
يلتفت بعضهم إلى بعض...
لا شيء يا سيدي...
يصاب بالوجوم.. ماذا ... لا شيء.. غير معقول...
يصرخ أبو سعيد...
- لماذا غير معقول؟
يلتفت إليه...
لأن عملاءنا أخبرونا بأن المطاردين يختبئون في بيتكم.. كما أكدوا لنا وجود مخبأ فيه أسلحة كثيرة.
ينظر إليه باحتقار...
إذن عليكم إعادة النظر في عملائكم..
يتأفف الضابط ويغضب.. ينظر إلى الجنود..
خذوا هؤلاء الشباب جميعًا للسجن..
يكتم أبو سعيد غيظه.. يشمخ بجبهته متحديًّا صلف الجبناء...
لن تنالوا من عزيمتنا .. سنصبر ونتحمل..
حتى يأذن الله بالفرج
يضرب الضابط بيده على رأسه يروح ويجي..
باضطراب يقف ويفكر .. يلتفت إلى الجنود...
آآه.. لابد من أننا أخطانا الهدف...
ينظر إليه أحد الجنود باستغراب...
ماذا تعني يا سيدي؟!
ربما وجدناهم في أحد المنزلين المجاورين لمنزل هذا العجوز...
وماذا ستفعل؟!
تنفرج أساريره.. يفرك يديه...
سنهدم هذين المنزلين..!
الفن والخمر .. وما بينهما
بقلم: عبد الله زنجیر- كاتب سوري
تتباين اجتهادات الإسلاميين في القضايا المعاصرة.. يتجلى ذلك مجازًا في مواقفهم من الفنون الدرامية وحكم متابعتها تليفزيونيًّا وسينمائيًّا.. فالبعض لا يؤيدها ولا يستسيغها، وآخرون لا يرون في ذلك بأسًا ولكل من الفريقين حججه وبراهينه، لكن بينهما طيفًا مديدًا من الحياء إلى التحفظ إلى الفتور.
بيد أن الوسطية، قد تكون هي الحكمة، خروجًا عن دائرة المراء والسفاسف والمركزية القاتلة للتنوع، وابتعادًا عن تفاقم الخلاف والتشرذم المنافي لعوامل الوحدة، وأيضًا تأصيلًا لحقائق حيوية تمس واقع المسلمين.
فالمؤمن الكيس من عرف زمانه واستقامت طريقته، إن أقسام الحكم التكليفي تختلف عن تفريعات الحكم الوضعي الاستنباطي، فالأول فيه الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم، أما التالي ففيه سبب وشرط ومانع ورخصة وحجة وبطلان، وقبل ذلك هناك أدلة شرعية كلية القرآن الكريم والسنة والإجماع، والقياس، والاستحسان والعرف والاستصحاب وشرع من قبلنا إلخ، وكان النص القطعي الورود القطعي الدلالة استنادًا للقواعد النحوية.
من هذا المنطلق انتقد ما نشر في مجلة المجتمع العدد ١٣٤١ الصادر في 21/11/١٤١٩هـ عن السيدة المهتدية نسرين تحت عنوان «الفن كالخمر.. إذا كان كثيره مسكرًا فقليله حرام»، حيث وجدت أن استخراج النتيجة بهذه الصورة على الرغم من جميع الذرائع الوجيهة الواردة في اللقاء، لا يدخل في إطار الحكم الشرعي، ربما لابتعاده عن آلية علم الأصول التي تحدد أنماط القياس والخاص والعام والمطلق والمقيد ومذهب الصحابي، والمصالح المرسلة وغيرها من أجل الوصول للأدلة التفصيلية للأحكام الشرعية.
ومن المعلوم أن تلك العبارة العنوان مقتبسة من الحديث النبوي الشريف «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (رواه أبو داود: ۳6۸۱، والترمذي: ١٥٦٥)، ولا يمكن هنا أن نشبه الخمر لا بالفن ولا غيره، فالخمر أم الخبائث كما روى الدار قطني (4/247)، والخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر في إحدى الروايات (الطبراني 11/164)، وليس من العوامل الإيجابية للذين يباشرون الجهود للوصول إلى مستوى عال من مستويات تحصين الأمة أن يعمدوا في تربية الفرد على فكرة المواجهة مع مستجدات الحياة.
وإن كان التمثيل من أسبق الفنون التاريخية في العالم، وما هذه المسارح الرومانية المنتشرة في بلادنا سوى دليل على ذلك فلماذا لا ننتزع هذه الوسائل والأدوات من الذين يبغونها عوجًا، ونحاول صناعة ترفيه فني نظيف تزرع من خلاله فضائل رسالتنا في أذهان الناشئة وغيرهم على نحو له بريقه وتميزه وإبهاره؟!
وقد سعى المخرج العالمي مصطفى العقاد لطرح أفلام سينمائية تخدم قضايا أمتنا بمبادرة فردية مثل فيلم عمر المختار، والرسالة، وقريبًا فيلم صلاح الدين الأيوبي الذي رصدت له ميزانية بمبلغ ١٠٠ مليون دولار, وبالمناسبة إن «الإعلام الإسلامي لا يكون في عرض تلاوة القرآن وشرح أحكام العبادات فحسب، وإنما يكون بالإضافة إلى هذا في استيعاب الطرق المختلفة لعرض المضمونات الإسلامية عرضاً يثبت أننا ذوو منهج متكامل، وأننا قادرون على الأداء الذي يتناسب مع مبادئنا وقيمنا» (د. أحمد الخراط - دعوة الحق: ٥٥, رابطة العالم الإسلامي).
ولهذا فإن الوسطية هنا تقتضي التقرير المنهجي باعتبار الفن «سلاحً ذا حدين»، يستخدم في الخير ويستعمل في الشر، وأنه ليس خيرًا محضًا ولاشرًّا محضًا، أما التأصيل الشرعي لقضاياه فقد بحثته قناة «اقرأ» الفضائية من خلال ندوة «نحو فقه معاصر لإعلام متميز» وندوة «محور أحكام الغناء والموسيقى في الفقه الإسلامي» حضرهما لفيف من رجال العلم والدعوة، كما أن للشيخ محمد أبو زهرة، وعلي الطنطاوي، ويوسف القرضاوي، وابن عاشور، والسيد سابق فتاواهم المنشورة عن بعض هذه الجوانب.