العنوان المجتمع الثقافي (1388)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1388
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 15-فبراير-2000
عناصر تنمية اللغة
بين أبي الحسن الندوي ود. إبراهيم مدكور
محمد عبد السلام آزادي (*)
يرى اللغويون أن هناك عناصر داخلية تنمو اللغة بنموها، وتتغير بتغيرها.. الإمام أبو الحسن علي الندوي يرى أن اللغة تتغير إلى الازدهار بعناصر أربعة (1) هي: الضرورة- العاطفة- الاندفاع- النفع والفائدة.
فأول هذه العناصر: الضرورة: وتتجلى عنده في اتخاذ جماعة من الناس اللغة العربية وسيلة لهم في حركتهم ودعوتهم وثورتهم، حتى لا يجدوا سواها وسيلة، ولا يعدوا غيرها أداة لإيصال أفكارهم إلى العامة، ويرى الشيخ أن بين الحركة والثورة والدعوة وبين اللغة صلة قوية دائمة.. «فإنها أكبر سلاحها، وأسهل وسيلة إلى خطاب العامة والتوصل إلى عقولهم وقلوبهم، واللغة إذا رافقت حركة قوية وسارت في ركبها، فإنها تقطع أحيانًا مسافة قرون في أعوام وشهور، وتستفيد منها ما لا تستفيد من رعاية الحكومات وإشراف المؤسسات التعليمية، وعنايتها بها» (2).
وقد استدل الشيخ على ذلك بما حدث في تاريخ اللغة العربية عصر الرسالة، فقد أكسب القرآن اللغة العربية البقاء إلى يوم القيامة، وأتاح لها التحرر من قيود الجاهلية، إضافة إلى أن حملة الإسلام اتخذوها وسيلة لبث دعوتهم الجديدة، فزادوا عليها رونق البيان، وطوروها إلى لغة عالمية، كان يتكلم بها نصف سكان الأرض بعد الفتوحات الإسلامية.
ومن أدلة ذلك ازدهار اللغة العربية بعد خمولها في النصف الأخير من القرن التاسع عشر حينما بدأ الشعب العربي الإسلامي طرد الاستعمار وبدأت الحركة الدعوية والثورة العسكرية الدينية في مختلف البلدان الإسلامية واتخذ العرب مرة ثانية لغتهم وسيلة مهمة لإيصال الدعوة التحريرية إلى عامة الناس، «حتى عادت اللغة العربية تنشط وتنهض، وتسلك سبيل الحياة في حماس وقوة» (3).
وأما العنصر الثاني وهو العاطفة فتتمثل في استخدام اللغة للتعبير عما يختلج في النفوس ويتهيج في القلوب، ويشتعل في الضمائر، فالذين يكتبون متشبهين بالممثلين تنعدم لغتهم من العاطفة، لأن الممثلين «قد يمثلون الملوك فيتصنعون أبهة الملك ومظاهره، وقد يمثلون الصعلوك فيتظاهرون بالفقر، وقد يمثلون السعيد وقد يمثلون الشقي من غير أن يذوقوا لذة السعادة أو يكتووا بنار الشقاء، وقد يعزون من غير أن يشاركوا المفجوع في أحزانه وقد يهنئون من غير أن يشاركوا السعيد في أفراحه» (4).
وخير معين على تجلية العاطفة الصدق، فاللغة العربية تكون في مائدتها الإسلامية إذا صدرت الكلمات وفق ما في ضمائر المسلمين من الإيمان وحرارته ومن العقيدة وشلالها، كما يقول الشيخ الندوي.
إن ترك النفس المفعمة بالإيمان على سجيتها يضفي على اللغة الرونق والبهجة واللذة، وهذا هو سر لذة بعض الروايات الطويلة التي يرويها الصحابة الرواة عن مواقف حياتهم.
وأما العنصر الثالث فهو الاندفاع (5) فمعناه أن تخرج الكلمات والعبارات استجابة لما يدفعه قلبه للكلام، فلا يتكلم إلا عندما تحرضه عاطفته، وأغلب الظن أن هذا المعنى يطابق المقام، فإن الأديب أو الشاعر مهما حاول التنميق والتحسين والتحبير، فإنه يبقى فاشلًا فيه إذا لم يستجب للدوافع النفسية التي يحس بها من قرارة قلبه.
صورة لا حركة فيها
لقد أبدع الشيخ حينما صور الكلام غير النابع عن القلب والعقيدة، بالصورة التي لا حركة فيها ولا حياة، وأما الكلام النابع من قرارة النفس فهو كالإنسان الحي الذي فيه حركة وحياة، وأروع من ذلك تشبيهه المتكلم بدافع خارجي بالنائحة التي تتباكى على الفقيد، فإنها لا تبكي عن شعور حقيقي بالحزن والمصيبة التي حلت بها، بل تبكي لأنها تتقاضى النقود من أصحاب الفقيد، فلا يؤثر بكاؤها في أحد من الناس، وأما الثكلى التي تبكي على فقيدها، ولما تكابد من آلام وحسرة، فإن بكاءها يبكي الحاضر ويشجي السامع.
والعنصر الرابع هو النفع والفائدة: لما كانت اللغة العربية نافعة لأهل البلاد المفتوحة حيث وجدوا لغة تحمل الدين والحضارة الجديدة، وكانت أداة مهمة للتواصل وتبادل الآراء والاتصال بالدوائر الرسمية، وتغلغلت في جميع نواحي حياة المسلمين وأصبحت هي اللغة الوحيدة للبلاد المفتوحة، ازداد إقبال العجم عليها، وتعلموها ونشروها في طول البلاد وعرضها، وحدث لها التطور، وإذا لم يجد أحد في اللغة العربية فائدة تذكر، لا من ناحية الدين ولا من ناحية الحركة الإسلامية والدعوة الدينية انحسرت اللغة العربية عن دورها وأصبحت مقصورة على الذين يحترفون الأدب ويمتهنون الإنشاء العربي.
فإذا أمعنا نظر التحقيق في هذه العناصر الأربعة التي تترقى بها اللغة على ما رأى سماحة الشيخ الندوي، وجدنا أنها متقاربة بعضها من بعض، فالعاطفة والاندفاع شيئان متقاربان جدًا، لأن الاندفاع سببه العاطفة، والعاطفة الجياشة القوية هي التي تدفع الناس، فما العاطفة إلا الدوافع الداخلية، وأما النفع والفائدة والضرورة فهما شيء واحد، لأن الشيء إذا لم يكن نافعًا ومفيدًا لا يحتاج إليه ولا يكون ضروريًا، فبإمكاننا أن نلخص العناصر التي تترقى بها اللغة على ضوء ما ذهب إليه الشيخ في عنصرين، العنصر الأول العاطفة، والعنصر الثاني الضرورة والفائدة.
وأما الدكتور إبراهيم مدكور فيرى أن العناصر التي تطور اللغة وتنميها ثلاثة. وهي: الوجدان والعاطفة، والفكر والرأي، والبيئة والمجتمع (7) فلا بد للكلام من دافع نفسي، فإن كان الفرد قويًا في العاطفة والوجدان والشعور كان كلامه قويًا، والعكس صحيح، ونرى العاطفة القوية هي التي تملي على الشعراء والأدباء صورًا ساحرة وتشبيهات بديعة، فالعاطفة قوة كامنة لتغير اللغة وتنميتها، وكذلك الأفكار إذ تنمو مع نمو مراحل العمر ونمو العلم والتجارب، والتعمق في البحث والتأمل، وتتجدد بتجدد الكشف والاختراع، فإنما تنمو معها اللغة أيضًا، وأما البيئة وظروف المجتمع فدائمة التغير، وبتغيرها يتغير سلوك الناس، وإذا كانت اللغة من مظاهر سلوك الناس فبالتالي تنمو اللغة وتتغير.
العاطفة..
وقد اتفقت وجهات نظر الشيخ مع الدكتور إبراهيم في عنصر العاطفة، وأما الأفكار فهي أيضًا مما يغير أبعاد اللغة، لأن الأفكار والآراء التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وتنمو بتنمية مرافق الحياة، وتسمو بسمو العصر، وتجدد بتجدد الاختراعات، وينعكس ذلك التغير والنمو والسمو والتجدد في لغة الفرد، وقد اعترف بذلك الشيخ عندما وضح الصلة بين الفكر والثقافة واللغة، فقال «إن للغة وما تحويه من أدب وثقافة دينية أثرًا بليغًا في العقلية ومنهج التفكير، وأن للدين لغة كما أن للشعب لغة، وأن اللدين ثقافة تحفظها لغته» (8).
وأما البيئة والمجتمع فلها دورها في تغيير اللغة، لأن اللغة حاملة ثقافة المجتمع، والثقافة هي عبارة عما يمارس من أعراف المجتمع، والتقاليد، والأعياد، والمناسبات، واللغة تحمل تلك الثقافة، فإذا كان المجتمع يتطور وينمو أثر في اللغة تأثيره، وخير دليل على ذلك تغير المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي، وأثر ذلك التغير في اللغة العربية بعد الإسلام، وقد تعمق في ذلك أحمد بن فارس إذ يقول: «فلما جاء الله جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال، نسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخر بزيادة زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت، فعفى الآخر الأول، وشغل القوم - بعد المغاورات والتجارات وتطلب الأرباح والكدح للمعاش في رحلة الشتاء والصيف، وبعد الإغرام بالصيد والمعاقرة والمياسرة - بتلاوة الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبالقفقه في دين الله، عز وجل، وحفظ سنن رسول الله ﷺ مع اجتهادهم في مجاهدة أعداء الإسلام، فصار الذي نشأ عليه آباؤهم ونشؤوهم عليه كأن لم يكن، حتى تكلموا في دقائق الفقه، وغوامض أبواب المواريث، وغيرها من علم الشريعة وتأويل الوحي، بما دون وحفظ حتى الآن. (9)
ومن هنا يمكن أن نستخلص العناصر التي تتطور بها اللغة وتنمو في العاطفة والوجدان، الضرورة والفائدة والفكّر والرأي، والبيئة والمجتمع، وكلما تتجدد هذه العناصر تتجدد اللغة، وكلما تتطور يلحق اللغة ذلك التطور، وكلما انحطت مكانتها، سادها الظلام الثقافي والتقليد الأعمى الممقوت، وكلما غلبه الجمود والخمول والعبثية انحطت اللغة، وعجزت عن أداء الدور اللائق.
الهوامش
(1) الندوي، أبو الحسن علي، في مسيرة الحياة «دمشق: دار القلم، ط1، 1998م» 2/222.
(2) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(3) الندوي، أبو الحسن علي، القراءة الراشدة «لكهنو، الهند: مطبعة ندوة العلماء، 1988م» 1/10.
(4) إبراهيم مدكور، اللغة المثالية، مجلة مجمع اللغة العربية، المجلد 7، السنة 1953م، 13.
(5) الندوي، أبو الحسن علي، نظرات في الأدب، «دمشق: دار القلم، ط ١»، 32.
(6) المعجم الوسيط مادة د ف ع.
(7) إبراهيم مدكور، اللغة المثالية، مجلة مجمع اللغة العربية، المجلد 7، السنة 1953م 13.
(8) الندوي، أبو الحسن علي، مختارات من أدب العرب، مقدمة الطبعة الأولى 3.
(9) ابن فارس، الصاحبي، تحقيق: السيد أحمد الصقر «القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه» 78 – 79.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل