; المجتمع الثقافي (1397) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1397)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1397

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 25-أبريل-2000

■ التغريب الثقافي وسائله وكيفية مواجهته

أصيبت المجتمعات العربية والإسلامية في العصر الحديث بعدة محن وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية، أسهمت كلها في تخلفها وانحطاطها.

ولعل من أهم هذه المحن والابتلاءات تعرضها للغزو الثقافي والفكري والإعلامي للحضارة الغربية، بعد أن فشل الغزو العسكري في تحقيق أهدافه الاستيطانية والاستعمارية.

وهكذا عملت دول الاستعمار على غزو عقول العرب والمسلمين من أجل غسلها وإعادة تشكيلها وفق مخططاتهم وبالتالي محاولة سلخها عن مقوماتها الحضارية الأساسية كالدين والعقيدة واللغة والتاريخ والتراث، وذلك عن طريق اعتماد أساليب ووسائل متعددة للغزو الفكري كالمدارس الأجنبية ووسائل الإعلام المختلفة والمذاهب الفكرية المتعددة خاصة العلمانية التي تدعو إلى فصل الدين عن الحياة، وكل هذه الوسائل الخطيرة المتبعة والتي لجأ إليها الغرب تهدف إلى الترويج لثقافة التغريب المسمومة.

وسائل التغريب الثقافي: إن الوسائل التي تقوم بالدعاية لثقافة التغريب بالمجتمعات العربية والإسلامية كثيرة ومتعددة، فإذا كان الغرب يسعى عن طريقها إلى التمكين للثقافة المادية الملحدة بديار العروبة والإسلام، فإنه كذلك يتوخى الحد من انتشار الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية والفكر الإسلامي والتراث الثقافي والعلمي والأدبي للحضارة الإسلامية ونستعرض فيما يلي أهم الوسائل والأساليب المتبعة من طرف الغرب لنشر ثقافة التغريب:

المدارس الأجنبية: إن دورها وهدفها هو التأثير الفكري والتربوي على التلاميذ والطلبة وفرض مناهجها وأفكارها مع التقليل من مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية، ونشر العادات والتقاليد الغربية ثم القيام بالتنصير.

وسائل الإعلام: يعد الإعلام ميدانًا واسعًا يقوم من خلاله الغزو الثقافي بأدوار خطيرة لإشاعة الفواحش والمناكر من أجل تحطيم القيم الأخلاقية والمثل والمبادئ ثم هدم العقيدة والثقافة الإسلامية والفكر الأصيل وتتمثل وسائل الغزو الإعلامي في السينما- القنوات الفضائية- الإذاعات- الإنترنت، فضلًا عن الصحافة المكتوبة.

السينما: وهي تعد من أخطر وسائل الغزو الإعلامي نظرًا لأنها تخاطب السمع والبصر وتؤثر تأثيرًا شديدًا على المشاهدين. 

كما أن الملايين من الناس يشاهدونها مما دفع بالأعداء إلى الاهتمام بهذا الجانب من الإعلام لأنهم يحققون فيه ما لا يحققون في الجوانب الأخرى، وهكذا تعمل السينما بأفلامها على التأثير السلبي في شخصية الأطفال والشباب من خلال هدم القيم، وإثارة موضوعات العنف والرعب والجنس والغناء والرقص والمخدرات والخمور وكل مظاهر الانحراف الأخلاقي والسلوكي.

قنوات التلفاز: وهي تشكل تهديدًا حقيقيًا للهوية الحضارية والثقافية لأنها تهدف إلى هدم الثوابت الإسلامية كالدين والعقيدة واللغة والأخلاق والعادات والتقاليد الأصيلة من خلال البرامج والأفلام والمسلسلات والمسرحيات اللاأخلاقية التي تبثها وتشكل خطورة كبيرة على الأطفال والشباب المراهقين.

تيار العلمانية: اعتمد الغرب على التيارات والمذاهب الفكرية والفلسفية والإيديولوجية من أجل الترويج لثقافته التغريبية الخطيرة، وتعتبر العلمانية من أخطر هذه المذاهب لأنها تهدف إلى إقصاء دور الدين من الحياة العامة السياسية والاقتصادية والتعليمية، ومعناها الأصلي والحقيقي هو إقامة الحياة على غير أساس الدين وأقرب ترجمة لها في اللغة العربية هي اللادينية أو الدنيوية.

كيف السبيل لمواجهة الثقافة الغربية الغازية: إن ظاهرة التغريب الثقافي قد استفحلت بالمجتمعات العربية والإسلامية بشكل كبير وخطير وهذا ما يستوجب التدخل العاجل من أجل إنقاذ شباب الأمة وأطفالها من سموم التغريب والاستلاب والانحراف الأخلاقي والسلوكي.

وفيما يلي بعض الأفكار التي نعتقد أنها كفيلة بالحد من خطر ثقافة التغريب: 

حث وسائل الإعلام العربية والإسلامية المختلفة على القيام بمسؤوليتها في التوعية والتعليم والتثقيف والتحذير من اخطار التغريب الثقافي على الأطفال والشباب وتكثيف جهودها في نشر الثقافة الإسلامية الأصيلة التي تحصن أفراد الأمة من الوقوع في فخ الانحراف والزيغ والتيه. 

دعم المساجد والكتاتيب ودور القرآن والجمعيات الإسلامية الدعوية في القيام بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلوم والمعارف الشرعية كعلوم القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية والثقافة والفكر الإسلاميين. 

منع دور السينما والمسارح بالبلاد العربية والإسلامية من عرض وتقديم الأفلام الإباحية والخليعة.

الانفتاح المشروط على الثقافة الغربية والاستفادة من إيجابياتها خاصة ما يتعلق بالتطور العلمي والتكنولوجي والمعلومات مصداقًا لحديث الرسول ﷺ الذي يقول فيه: «الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها».

مراقبة المدارس الأجنبية وإلزامها بتدريس مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية والتاريخ العربي والإسلامي وكل ما له صلة بالحضارة الإسلامية الأصيلة.

عمر الرماش- المغرب

 

■ القرآن وعالم الأصوات

تتشكل هيئة الصوت حسب تأثر الموجات الصوتية بالأجواء والأجواف المحيطة بها وأشكالها وأحجامها وتحركاتها التي تختلف من شخص لآخر، ومن ذكر لأنثى، ومن صغير لكبير، ومن صحيح لمعتل، حتى إن العلماء ينظرون إلى هيئة الصوت وكأنها بصمات الأصابع التي تعين شخصية الإنسان عند أهل العلم بهذا الفن، ومن هنا يمكن معرفة سبب توتر صوت الصغير وعلوه وهو قصر الحبلين الصوتيين ودقتهما، أما عندما يكبر الصغير وينمو الحبلان الصوتيان ويغلظان ويزداد طولهما ويتغير حجم الحنجرة وشكلها يغدو صوت الكبير أقل حدة وعلوًا موسيقيًا من صوت الصغير، وقل مثل ذلك في الفرق بين صوت المرأة وصوت الرجل، وذلك لأن حبلي المرأة الصوتيين أقصر وأدق، فلذلك نسمع صوتها أشد توترًا وعلوًا، وحين يطرأ على الحبلين الصوتيين في الحالات المرضية مثلاً ما يغير شكلهما وتوترهما يتغير تبعًا لذلك صوت المريض، فإذا ازداد التضخم أو التورم أصيب المريض ببحة، وقد يختفي صوته وينعدم نتيجة تعطل وظيفة الحبلين الصوتيين. 

وعلم التجويد المرتبط بالقرآن أشد ارتباطًا لا يبحث في شدة توتر الصوت وظيفة الحبلين الصوتيين، ولا في قوته وضعفه، إنما يبحث في أوضاع اللسان أو الشفتين عند النطق بالحرف. 

وكذلك يبحث في صفات الحرف التي يجب أن يتصف بها عند نطقه «كالهمس والجهر». 

ولذلك نجد دراسة علماء التجويد قد ارتبطت بما سموه اللحن الخفي، وهو الخلل الذي يطرأ على الأصوات من جراء عدم توفيتها حقوقها من المخارج والصفات وتعد معالجتهم القراءة وتصحيح النطق بها هي السبب في اهتمامهم بالدراسات الصوتية، فقد درسوا أصوات اللغة وحددوا نطقها الصحيح، ورصدوا الانحرافات المتوقعة ليحترز الناطق منها ويتجنبها. ومن الجدير بالذكر أن علماء التجويد استعانوا بعلم التشريح وكتب الطب لتحديد أعضاء النطق.

فقد نقل الدركزلي -أحد علماء التجويد- من بعض كتب داود بن عمر الأنطاكي، وذلك حين تكلم عن الرئة والقصبة والحلق واللسان والفك، ولم يكتف علماء التجويد بالاستعانة بعلم التشريح فحسب، بل استعانوا أيضًا برسوم توضيحية لتوضيح مخارج الحروف وتوزيعها على أعضاء النطق، وأقدم رسم لآلة النطق عليها مخارج الحروف لابن وثيق الأندلسي المتوفى ٦٥٤هـ وهي مخطوطة بمكتبة أيا صوفيا بتركيا.

ولقد كان لعلماء التجويد السبق في ابتكار طريقة التعليم السمعية الشفهية التي تعتبر من أشهر طرق تعليم اللغات حديثًا، ففي خلال الحرب العالمية الثانية احتاجت الولايات المتحدة الأمريكية إلى تعليم أكبر عدد ممكن من الجيش المهارات الشفهية للغات مختلفة في أقصر وقت ممكن مما أدى إلى ظهور هذه الطريقة سنة ١٩٤٢م، وتميزت بالآتي:

١- تنمية مقدرة الحفظ وهذا ما كان يحدث مع أطفال المسلمين الذين تعلموا في الكتاتيب على أيدي الشيوخ.

٢- لا تعطى للطلاب قوائم بالمفردات بل يتعلم الطالب المفردات من سياق النص، وهذا منطبق على طريقة التعليم القديمة، فالشيخ كان يهتم بتلقين التلميذ مشافهة أكثر من اهتمامه بتفسير معاني الفاظ القرآن. 

٣- كثيرًا ما تستعمل الوسائل التعليمية كأشرطة التسجيل، وهو ما ينصح به الآن لتعلم التجويد، ومن المتفق عليه عند علماء اللغة وعلماء النفس أن التقليد والتلقين لهما دور فعال في اكتساب اللغة وخصوصًا لدى الأطفال. 

وهكذا تنكشف لنا عبقرية هؤلاء العلماء الذين وضعوا أسس علم الأصوات قبل عشرة قرون مضت من الزمان.

ابتهال البار

-----------------------------------

المراجع

۱- الدراسات الصوتية عند علماء التجويد دراسة دكتوراه للدكتور غانم قدوري الحمد.

٢- مقدمة في علم اللغة التطبيقي محمد خضر، أنور نقشبندي. 

٣- حق التلاوة حسني شيخ عثمان.

---------------------------------

■ واحة الشعر

■ سيد سابق في موكب الراحلين

  شعر بن عمر لي- موريتانيا

 

سبقتنا -سيدي- لطفًا وإشراقًا                              في موعد الوعي أحوالًا وأشواقا

لطالما غرد الشحرور منتعشًا                                  محررًا من شغاف القلب انساقا

وظل ينساب في يسر وفي ســعــةٍ                        يستطرب الكون أنغامًا وأذواقا

فارتاحت النفس في أبراج أنسجة                           تبني المعاطف للوجدان أعراقا

كان البناء نواة في بكارتها                                    وكان في المنهج البناء أعماقا 

فاخضرت الأرض وانساحت مسارحها                   كما التوت نوقها في الحضن أعناقا

واسترجع الليل والبشرى تدغدغه                         وجه الصباح وضيء الثغر رقراقا 

إثر الظلام الذي أعمى وأبكمه                           في وحشة ونضوب الذهن إغلاقا

فكان طلقة رشد قوضت بددًا                            جيش الجمود الذي قد طال ما عاقا

وصفد العقل في أغلاله حنقا                            وراح ينفث فيه الطيش ترياقا

سبقت -يا سيدي- عصرًا وفي مثل                     للسابق الفضل في المفعول إحقاقا 

سبقت في بذرة الإنتاج زهرته                              في دورة منتقاة النبع إغداقا

سبقت في مسرح الإتقان رونقه                        فاستيأس الجوهر المرموق إلحاقا

سبقت يا لوحة الحسنى تخيرها                          نور تفضل بالتبريك إبراقا

كأنما الناطق الرسمي أطلقها                       «قل» واصطحب نفحات الروح إنطاقا 

واكتب على صفحات النفس أروقة.                وارفع بها شرفات المجد أطباقا

شعرت بالأمس وخزًا في ضلوع يدي                فبت أشرب من عيني إرهاقا

وفي الصباح إذا بالشمس غائبة                      لم أدر كيف أطاق الكون إطراقا

والصمت ذكر، وذكر الصمت أصدقه               ذوق يدندن في الأعماق أبواقا

هنالك القدر العالي يقول لنا                          سر السكون سكون السر قد لاقي

نم هانئًا -سيدي- في حالتيك وأنت                السيد السابق الموسوع آفاقا

قد كنت في فلك التجديد محوره                     أصالة فذة علمًا وأخلاقا

وفي نوادي فحول العقل معركة                   وكنت في الحلبة العصماء عملاقا

ملقنًا لفراخ المجد مدرجها                              مستمرئًا لفضاء الفكر ما ضاقا

يا كون تعزية من كل مرتبط                           بالوحي من كان في المشوار منساقا

من كل من رتعوا علمًا ومعرفة                     لبانها واكتسوا فيها بما راقا

الطاف روض رضاب وهي منتجع                    لروح من كان في دنياه قد فاقا

يا أرض كوني وطاء للفقيد وكوني               الوسع والطيب والسلوان إرفاقا

حملت من نبضات الشعر مركبتي                    أضفي جناحا على الإخوان خفاقا

مبشرًا وعزائي دعوة ورضا                             عن ذلك الشجر المشهور إيراقا

يا مصر يا أمه فاسترجعي ولنا                       فيك العزاء يقوي فيك مصداقا

ويفتح العهد بين المسلمين هدى               مستمسكين بحبل الله ميثاقا

في وحدة حقة تسمو لتحضن هـ                  ذا الشمل منتظمًا روحًا وأوراقا

أسوق وجدي إلى مولاي مرتجيًا                   أن يسبل الخير تخصيصًا وإطلاقا

 

■ ندوة بالجامعة الإسلامية في ماليزيا تعدد جوانب الإبداع في حياة المفكر الراحل

أبو الحسن الندوي شاهد القرن

الذكرى الحقيقية تكون بمواصلة العمل من أجل القضايا التي أفنى الراحلون حياتهم من أجلها

اعترض الندوي على دخول المرأة المؤسسات التعليمية لما رأى من مظاهر السفور والتحرر من الواجبات الشرعية لكنه غير رأيه ودعا إلى ضرورة تكامل المرأة مع الرجل في المجتمع

كوالالمبور: المجتمع

نظمت جمعية طلبة الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا مؤخرًا ندوة عن المفكر الإسلامي أبو الحسن الندوي، بهدف إبراز شخصية المفكر الراحل ودوره في الإصلاح والدعوة، فقد مثلت كتبه ومؤلفاته ومقالاته إثراء للفكر الإسلامي المعاصر وطريقًا مبتكرًا لتطوير الأداء الدعوي. 

وكذلك بيان نقاط الالتقاء والاجتماع بين شخصية الندوي وغيره من المصلحين والمفكرين الإسلاميين المعاصرين، فقد كانت للندوي صولات وجولات في الكثير من البلاد الإسلامية وخصوصًا البلاد العربية، التي قصدها في كثير من رحلاته وأسفاره، بغية تحصيل أكبر قدر من التعاون والإثمار في سبيل رفعة هذه الأمة، والتأكيد على النهج الشمولي العلمي لهذا المفكر، فقد بلغت مؤلفاته مائة وستة وسبعين، ما بين رسالة وكتاب وبحث، وقد سلخ سبعين عامًا في التأليف، إذا علمنا أنه الف أول كتاب سنة ۱۹۳٠م، وبقي على ذلك حتى فارق الحياة ۱۹۹۹م.

وقد تحدث مدير الجامعة الإسلامية العالمية الأستاذ الدكتور محمد كمال حسن، مشيرًا إلى ضرورة إجراء مثل هذه الندوات تكريمًا للمفكرين الذين قضوا حياتهم وأعمالهم في سبيل إصلاح واقع الأمة ومواجهة الصعوبات التي اعترضتها ثم نبه إلى أن أبا الحسن قد جمع بين العلم والتقوى، وهذا من أبرز صفات العلماء والمفكرين المصلحين الذين كانت أعمالهم الفكرية والدعوية ثمرة لهذا التوجه الصحيح. 

وكانت المحاضرة الأولى باللغة الإنجليزية للدكتور إرشاد إسلام من قسم التاريخ والحضارة الإسلامية عن ترجمة وأخبار أبي الحسن الندوي، وكانت ورقة عمله بعنوان

Maulana Saiyid Abul Hasan Ali Nadwi «1914- 1999»:A Brid's-eye View on his life and Role.

وقد أسهب د. إرشاد في الحديث عن حياة المفكر الراحل، فتكلم عن مولده، ثم نشأته في بيئة علمية رائدة، ثم ذكر بعض أفراد عائلته وأثرهم فيه، كوالده ووالدته، وأخيه الكبير عبد العليم وكيف استطاع الندوي -رحمه الله- الاستفادة قدر الإمكان من هذا الجو العلمي، فقد ولد الشيخ الندوي في ٦ محرم ۱۳۳۳هـ الموافق سنة ١٩١٤م، ومنذ سن مبكرة، أتاحت له أسرته أن يقبل على علوم الشريعة، فأبوه عبد الحي الحسني «ت: ۱۹۲۳م»، يعد ابن خلكان الهند، إذ هو صاحب نزهة الخواطر وبهجة السامع والناظر. ولما بلغ أبو الحسن التاسعة من عمره توفي أبوه، فتعهدته أمه السيدة خير النساء «ت ١٩٦٨م»، وكانت شاعرة عابدة حافظة للقرآن ومؤلفة للكتب، وينتهي نسبها للحسن بن علي بن أبي طالب، ومما يحفظه ولم ينسه من وصية والدته، يقول: «ولما بدأت أشدو وأكتب نصحتني والدتي، وأكدت الأمر بأن أبدأ كلما أكتب بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم أتني بفضلك أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين وقد بقي ذلك عادتي وديدني مدة من الزمن ولا أزال أذكر في مناسبات كثيرة هذه الكلمات الصالحات».

ثم تعرض الدكتور إلى أثر أخيه الدكتور السيد عبد العلي الحسني، ثم تكلم عن البيئة التي عاشها الشيخ ثم فاعليته في دار ندوة العلماء في الهند، وأبرز ما قدمه الندوي للمسلمين في الهند، إذ قام بتوجيه الأقلية المسلمة من خلال محاضراته وأسلوبه الوعظي، فقد كان خطيبًا متحدثًا، أي أن الشيخ لم يكن من العلماء الغائبين عن مجتمعاتهم بل تفاعل مع ما حوله على مستوى العالم الإسلامي تفاعلًا كاملًا، وانتصر لقضايا المسلمين السياسية والثقافية بشكل واضح.

أما المحاضرة الثانية، فكانت من تقديم د. منجد بهجت من قسم اللغة العربية وآدابها بعنوان النقد المعياري عند الشيخ ابي الحسن الندوي، وقد بدأ الدكتور بعرض لغوي تأصيلي للنقد criticism، وانتهى إلى أن النقد يقع في الاصطلاح على أنه: «تعبير عن موقف كلي متكامل في النظرة إلى الفن عامة، أو إلى الشعر خاصة، يبدأ بالتذوق، ويعبر منه إلى التفسير والتعليل والتحليل والتقويم، خطوات لا تغني إحداها عن الأخرى، كي يتخذ الموقف منهجًا واضحًا، مؤصلًا على قواعد جزئية أو عامة، مؤيدًا بقوة الملكة بعد قوة التمييز»، ويرى المحاضر أن المعياري criterion، قد استخدم عند العرب قديمًا بلفظة «عيار»، وهو عنوان الكتاب لابن طباطبا العلوي «ت: ۳۲۲هـ»، وقدم معياره النقدي على أساس من التذوق الفني دون سواه، ثم انتقل إلى استعمال هذا المصطلح عند النقاد الغربيين، فوجد أن T.S.Eliot قد استخدم هذا المصطلح عنوانًا لمجلة نقدية أصدرها لسنوات.

بين الأدب والنقد

ثم تكلم عن الشيخ بين الأدب والنقد، فذكر أنه صاحب ثلاث نظريات، اثنتين في اللغة والأدب وثالثة في تعليمهما، لكن ليس بين أيدينا كتاب نقدي خاص للإمام الراحل، ولعل أبرز أرائه النقدية جاءت مبثوثة في كتابه «نظرات في الأدب» وتأتي آراؤه الأخرى في دراساته الأدبية، ومع ذلك، فإن النظرية النقدية جاءت ذات معالم واضحة، فالشيخ الندوي -رحمه الله- يرى أن النقد للأدب بمثابة الميزان للعمل الأدبي، فهو يستخدم التقويم عمل من الأعمال الأدبية وتقييمه، وهو ينفع لضبط الأعمال الأدبية، والنظرة الفاحصة في آثار الشيخ الندوي تقف بنا عند خمس قضايا جوهرية يندرج فيها نقده المعياري، وهذه القضايا هي: حدود الأدب الإسلامي ومفهومه أهمية الشكل والمضمون في النص، الطبع والصنعة الأجناس الأدبية وخصائصها، وظيفة الأدب وغايته.

بعد هذه المحاضرة اللغوية، بدأ الحديث عن الجانب الاجتماعي عند الشيخ الندوي، وتحت عنوان «تأملات اجتماعية في فكر أبي الحسن الندوي» تحدث د. محمد بن نصر من قسم أصول الدين، ومدير تحرير مجلة التجديد الصادرة عن الجامعة الإسلامية، فقد افتتح المحاضر كلمته بوقفة حول معنى الذكرى في عرف المؤسسات العلمية والفكرية في حق المفكرين الراحلين، بأن تقام لهم أيام تذكارية وجلسات استذكارية، ولكن يرى أن الذكرى الحقيقية هي أساسًا بمواصلة العمل من أجل القضايا التي أفنى هؤلاء حياتهم من أجلها.

ثم ينتقل الدكتور إلى الوقوف على أبرز التأملات التي استلهمها من فكر أبي الحسن وقصرها على أربعة تأملات من أبرزها قضية الإصلاح والتغيير، فقد مثل هذا التأمل همًا دائمًا للندوي، فهو يرى أن المنهج الإصلاحي الذي نريده ينبع أساسًا من تكوين الفرد تكوينًا نوعيًا.

ويحمل الندوي على بعض المصلحين الذين خلطوا الواقع الإصلاحي بالتجربة والروح الغربية.

ثم يتناول الدكتور بن نصر مشكلة التعليم في البلاد الإسلامية كتأمل أساسي في فكر أبي الحسن، فقد اندهش الندوي من المسلمين الذين اطمأنوا لتدريس أبنائهم في المؤسسات العلمية الغربية، وغفلوا عن هدف الغرب من القضاء على الهوية الإسلامية لهم، ثم يتطرق المحاضر إلى أن أبا الحسن كان من أوائل من تنبهوا إلى إحداث تغییر شامل في الجامعات الإسلامية، من خلال ربط العلم بالتربية.

مشكلات الشباب

ونبه المحاضر إلى التأمل الاجتماعي الثالث في فكر أبي الحسن، وهو مشكلات الشباب، فقد أولى الندوي اهتمامًا كبيرًا بالمنهل العلمي الذي يتلقاه الشباب، فلابد من تصفية هذا المنهل من خلال توحيد التعليم ليكون وحدة شاملة تجمع بين الوسائل والغايات، فإذا تضاربت الغايات وتعارضت، تولد ذلك سلبًا على شخصية الشاب، ثم يختم الدكتور محمد ورقته بالتأمل الاجتماعي الرابع وهو حرية المرأة من التحفظ إلى التأييد، إذ يرى أن أبا الحسن كان له من التحفظ والاحتراز في التعامل مع قضية المرأة في بداية نضوجه العلمي وخصوصًا عندما سافر إلى مصر سنة ١٩٥١م. وسئل عن موقفه من دخول المرأة المؤسسات التعليمية، فأبدى اعتراضه، نظرًا لسفور المرأة وتحررها من واجباتها الشرعية، لكنه في عام ۱۹۸۳م في جامعة الإمارات أشار إلى ضرورة أن تتكامل المرأة مع الرجل في المجتمع الذي يحياه كلاهما، إذ إن للمرأة قدرة للبلوغ إلى الكمال.

وكانت محاضرة رابعة عن الإمام أبي الحسن الندوي وجهوده في خدمة السيرة النبوية للدكتور ليث سعود القيسي، من قسم القرآن والسنة بالجامعة نفسها، إذ يرى أن الإمام الندوي رمز بارز من رموز الدعوة الإسلامية، ومعلم ظاهر في الحقبة التاريخية التي عاشها، وكان طاقة فعالة وجذوة لم تنطفئ، قضاها كاتبًا ومحاضرًا ومشاركًا في المؤتمرات والندوات، ولا تفهم جهود الندوي في السيرة إلا من خلال خلفية تاريخية میزت كتاباته وتزامنت مع طبيعة التحولات الفكرية السياسية التي مرت بها الأمة الإسلامية خلال القرن العشرين الذي علت فيه الفكرة الغربية في صراعها للفكرة الإسلامية، والتي دون الندوي لها في كتاب مفرد، ثم شخص العلة وبين ما خسره العالم بتراجع المسلمين عن القيادة إلى التبعية ثقافيًا وفكريًا وسياسيًا، وأفرد في ذلك كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، وبين هذا الانحطاط وشراسة الصراع وكتب كتبًا يعالج فيها قضايا متنوعة دعوية وفكرية وأدبية. ثم ينتقل إلى دور السيرة في فكر الندوي، إذ كانت السيرة النبوية هي المعين الذي استمد منه الندوي في إعطاء الأدلة التاريخية على المفتاح الذي من خلاله نستطيع أن نصلح الفرد الذي كان ضحية للصراع بين الإسلام والفكرة الغربية، واليأس الذي کابده بسبب تأخر المسلمين، فانطلق الندوي إلى طرح قضايا الأمة معالجًا لها من خلال توظيف السيرة توظيفًا فعالًا، وكان منطلقه من الطريق إلى السنة، وثمرته كتابه السيرة النبوية، الذي ضمنه منهجًا خاصًا به في كتابة السيرة.

ثم تطرق المحاضر إلى منهج الندوي في كتابة السيرة، حيث كان له رؤية شمولية للإسلام انطلق منها في كتاباته، ويظهر ذلك من خلال تناوله للسيرة في مختلف كتبه المتعلقة بها وجوانبها ومن خلال محاور وأبعاد أساسية هي: البعد التاريخي البعد الحضاري البعد الإنساني، البعد الدعوي والتربوي، البعد العقائدي، التكاملية بين العلوم، ومن خلال هذه الأبعاد التي تعد الخطوط الرئيسة في الفكر الحضاري، تعامل الندوي مع السيرة النبوية الشريفة بمنهج متميز مبتكر.

وقد تلا ذلك الحديث عن جهود الإمام في خدمة السيرة النبوية، مؤكدًا تأثره بالإنتاج الثقافي الإسلامي في القارة الهندية، وبخاصة في القرن الرابع عشر الهجري- العشرين الميلادي الذي كان عبارة عن ساحة صراع فكري مبكر بين الثقافة الإسلامية ومؤسساتها والثقافة الغربية ومؤسساتها، لأن الهند كانت من أوائل البلاد الإسلامية التي وقعت تحت الاحتلال البريطاني الذي مثل رأس الرمح في حركة الاستعمار الحديث ابتداءً من القرن الثامن عشر، وكان احتلال الهند بعد استراتيجية مهمة في تطويق الدولة العثمانية ومنها انطلقت جيوش الاحتلال شرقًا وغربًا.

وفي الوقت نفسه، كان الوعي الثقافي والإنتاج العلمي الإسلامي ذا زخم، وكانت الهند في تلك الحقبة تعج بالعلماء في مختلف العلوم، وكان الصراع الفكري هو الاستراتيجية التي بنت بريطانيا والغرب سياساتهما عليها في العالم الإسلامي عن طريق التنصير والاستشراق، فلذلك كانت الخطة تحطيم الهند فكريًا بعد الهيمنة العسكرية، فكانت المناظرات والمؤلفات والجماعات هي أطراف هذا الصراع.

استصحب الإمام الندوي في كتاباته طبيعة البيئة التي حوله، والقضايا الفكرية المطروحة في الساحة، والتي خدع ببريقها البعض، وضل بها البعض، وعصم الله أهل الفضل والخير الذين يصلحون ما أفسد الناس كالسرهندي والدهلوي، وأحمد بن عرفان الشهيد والندوي والمودودي، وإقبال، وغيرهم.

وفي ختام هذا اليوم العلمي الثقافي كانت محاضرة الدكتور محسن محمد صالح من قسم التاريخ والحضارة الإسلامية عن رؤية الندوي للتاريخ الإسلامي، إذ يرى أن الندوي استطاع الانفراد بمنهج ميزه عن غيره من المفكرين والباحثين المعاصرين، وذلك لعدة مزايا، أبرزها معرفته بالكثير من اللغات كاللغة العربية والأوردية والإنجليزية والفارسية، ثم شموله العلمي، إذ كان كثير القراءة والاطلاع على مصادر الحضارات غير الإسلامية، فضلًا عن تعمقه في التاريخ الإسلامي، ثم قدرته على استيعاب الكثير من هذه الأفكار والنظريات وسوقها سياقًا إسلاميًا، أضف إلى هذا قدرته العالية على نقد أوضاع الأمة الإسلامية والأمم الأخرى نقدًا علميًا موضوعيًا. 

ثم ينتقل الدكتور محسن إلى نظرة الندوي إلى التاريخ الإسلامي، إذ يرى أنه درس التاريخ الإسلامي ضمن إطار عالمي مقارن، إذ طالما كانت المقارنة العلمية سببًا في إبراز الكلمات والعورات والحسنات والإيجابيات. ثم قدرته على نقد التاريخ من خلال روح نقدية إيجابية شغلت حواسه وملكت أركانه، إذ كتب التاريخ وتعامل معه وكأنه صاحب رسالة، فقد انتهج أسلوبًا جديدًا مبتكرًا، ولعل كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، أبرز مثال على هذا التوجه.

التاريخ الإسلامي

ثم يتطرق المحاضر إلى بيان أبرز محاور الندوي الفكرية في دراسة التاريخ الإسلامي، إذ مثلت له فكرة الأمة القدوة أو الرائدة هدفًا أساسيًا كان يسعى له دائمًا، ثم تركيزه على أن معجزة التغيير كانت متولدة من العرب أنفسهم، الذين أخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ثم يتطرق إلى تماسك البيت المسلم بالرغم من انشغال الدولة الإسلامية بفتح الحضارات العريقة وتحرير الناس من مبادئهم العتيقة. 

ثم يركز على محور العلماء والدعاة المجددين في التاريخ وأن الرؤية الإيجابية لهم للتاريخ قد ساعدتهم على تغيير واقعهم، ولعل كتابه «رجال الفكر والدعوة»، يشرح ذلك، ثم تركيزه على قضية الخشونة والصلابة في تغيير واقع الأمم والحضارات، وأن الترف والليونة كانا سببًا واضحًا في سقوط الأمم والحضارات، ولعل هذا من أهم عناصر سقوط الحضارة الإسلامية، ومن المحاور الأساسية في نظرة الندوي للتاريخ الإسلامي، أنه وظف هذا في نقد الحضارة الغربية، وخروجها الواضح عن المبادئ الأساسية.

الرابط المختصر :