; المجتمع الثقافي: (العدد: 1416) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1416)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

مشاهدات 68

نشر في العدد 1416

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

دفاعًا عن الحرية والثقافة

إذا كان للناقد أن يحكم على فنية العمل الأدبي فليس له أن يطلق العنان للتطاول على القيم والآداب والعقائد

محمد حسن بريغش

ثارت قضية الرواية السورية «وليمة لأعشاب البحر» التي كتبها حيدر حيدر، وأصبح موضوع هذه الرواية موضوع الساعة، والحرية والإنسان، والثقافة، والمكتسبات الفكرية والثقافية للمجتمع، وقامت المجموعات الثقافية التي تدعو إلى حرية الأديب، بربط هذه المسألة بالعنف الذي يسود المجتمع المصري، والاغتيالات السياسية وغير السياسية التي وقعت من عام ۱۹۷۰م وإلى اليوم، وادعت أن ما كتب عن الرواية، وعما حوت من عبارات ما هو إلا إرهاب وتحريض على القتل وسفك الدماء. 

ففي العدد (١٣٥٧٢) بتاريخ١٥/٩/ ١٤٢١م كتبت الحياة عن تظاهرات طالبات الأزهر ومطالبتهن بالقصاص، ووضعت العنوان: «وليمة لأعشاب البحر تثير صدامات في قلب القاهرة»، وكتبت تحت العنوان ما يلي: نجح الخطاب التحريضي في مصر ضد رواية «وليمة لأعشاب البحر» في الاعتراض على الطبعة المصرية الأولى له من مجرد كلام إلى تظاهر وسالت دماء عدد من رجال الشرطة وطلاب وطالبات في جامعة الأزهر، ثم عرضت الجريدة لمجريات الأحداث بعد أن حكمت على أن الاعتراض على الرواية خطاب تحريضي، ووضعت أصحاب الاعتراض موضع التجريم والإرهاب، ثم حملت ذاك الخطاب أمورًا سياسية، وأنه اتهام بالكفر لكل من لا يرى رأي المحرضين كما يقول المقال.

 وفي ١٠/٥/٢٠٠٠م نشرت الحياة تحت عنوان: «تراجع حكومي في قضية وليمة لأعشاب البحر»، وسبب هذا التراجع في رأي المحرر التصريحات التي أدلى بها الدكتور أحمد عمر هاشم - الأستاذ في الجامعة ومديرها، وعضو الحزب الحاكم، وعضو مجلس الشعب، ورئيس إحدى لجان هذا المجلس - وقال فيه: «إن الرواية تضمنت إساءة للمقدسات الدينية»، وكانت لهجة المحرر الاستغراب؛ لأن هذه التصريحات تخالف تصريحات وزير الثقافة.

 وفي اليوم ذاته كتب المحرر في صفحة أخرى في الجريدة معلومات عن خطط لإعادة الجماعة إلى بؤرة الضوء القاهرة: الإخوان وراء التصعيد، ولم يفصح المحرر في هذا الاتهام عن مصادره، ولم تعد الجريدة أن هذا الاتهام تحريض على مجموعة كبيرة من الناس، واتهام دون دليل، وفي اليوم التالي في١١/٥/ ٢٠٠٠ أفسحت الجريدة صفحة كاملة عن طريق حوار مع الكاتب حيدر حيدر، ومع كل المحاولات في صياغة الأسئلة والأجوبة ونفي الاتهام... لم يستطع الكاتب أن يبرر ما ورد في الرواية، وكان يتحدث عن التأييد والشارع العربي، ومحاكم التفتيش التي تحاسبه على ما يقول، ثم قال: «أنا لا أنكر أني كاتب جريء، وأدخل مناطق الحريق، أمس التابوات، ولكن ليس من أجل الاستفزاز، وإنما لأدفع عنها غبار أو ركام الجهل والتخلف، وهذا ما يجعل الآخرين ينظرون إليّ نظرات الاتهام».

 ومع اعترافه هذا لا يعد المناصرون للرواية أنه يشعل الحريق، ويتجرأ على ما لا ينبغي، بل هو المصدق بأنه يريد رفع ركام الجهل والتخلف عن الأصوليين الذين فهموا من الرواية ما يسيء للدين!.

جابر عصفور

وعلى النصف الآخر من الصفحة في اليوم ذاته١١/٥/ ٢٠٠٠م كتب الدكتور جابر عصفور تحت عنوان «عاصفة سياسية مفتعلة».

 ورأى أن هذه الضجة المقلقة ثارت فجأة من إحدى جرائد المعارضة التي ترفع رايات الدين لمصلحتها السياسية، وأخذت هذه العاصفة شكل حملة تكفير، وحكم على ذلك بأنه تحريض، وقال: «إن الحملة اتسعت لتشمل خطباء المساجد الذين لعنوا الرواية وكاتبها والمسؤولين عن نشرها»، هكذا قال عنهم، وحكم عليهم بمعرفته لخلفيات النقد وأسرار الأدب وأهله، بأنهم لم يقرؤوا الرواية، بل وحكم على كل من انتقدها بأنه لم يقرأ الرواية وتأسف لذلك، وبالطبع حكمه هذا ليس عليه غبار، فهو مسؤول في وزارة الثقافة، ووراء نشر كل كتاب ثارت حوله ضجة أو أحدث مشكلة أو تعرض للإسلام وتاريخه وأحكامه، ثم اتهم الإخوان، وقال: إنهم أصدروا التوجيهات الحزبية لقواعدهم في الأزهر للتظاهر، ودليله هو حاسته النقدية البصيرة الموضوعية.

 ثم وصم الذين أثاروا العاصفة بأنهم لا يعرفون المجادلة بالتي هي أحسن، واتهم أيضا الذي كتب عن الرواية بأنه فاشل ولم ينجح أدبيًّا، ورد الحملة إلى الدوافع السياسية، والانتخابات، ثم عاد ليكرر أن إثارة مشاعر المواطنين الأتقياء هو لتحريضهم ضد الدولة المدنية.

 وعندما استشهد ببعض ما أثير سابقًا عن كتب أخرى حكم على القضاء الذي انتهى - حسب رأيه بالحكم الظالم على نصر أبوزيد، وليس في كلامه هذا أي إساءة للقضاء، ولا لسلطة الدولة؛ لأنه الناقد البصير، ولأنه ليس أصوليًّا ولا إرهابيًّا، ولا معارضًا!!.

وفي١١/٥/ ۲۰٠۰م نشرت الجريدة: «تجدد التظاهرات الطلابية في الأزهر»، ونشرت فوق هذا العنوان: «الحياة تنشر تقرير لجنة فحص رواية وليمة لأعشاب البحر»، وكذلك نشرت «وأصلان يؤكد تلقيه تهديدات بالقتل».

 والتقرير الذي أشارت إليه هو تقرير اللجنة التي شكلها وزير الثقافة ومؤلفة من د. عبد القادر القط، وصلاح فضل، وكامل زهيري، ود. مصطفى مندور، ود. عماد بدر الدين أبو غازي، واعتذار الدكتور أحمد هيكل. 

والغريب أن الجهة المتهمة هي التي تنفرد بتشكيل اللجنة، وممن لهم الرأي ذاته، وحشر اسم الدكتور أحمد هيكل مقصود، ولكن الرجل أحسن عندما اعتذر مهما كان مبرر اعتذاره.

 وفي١٣/٥/ ۲۰٠۰ م نشرت الجريدة دعوات في مساجد مصر للتحقيق مع وزير الثقافة، وبالطبع فإن هؤلاء الخطباء لم يقرؤوا الرسالة ولا يفهمون الإسلام كما يفهمه المؤيدون للرواية، وهم ليسوا من أجهزة الدولة المكلفين بالخطابة، وما داموا يسيرون إلى كتب نشرتها وزارة الثقافة تسيء للإسلام، فإنهم إرهابيون وأصوليون وضد التنوير والثقافة.

 وفي اليوم ذاته نشرت الجريدة في ص 7: «مصر: إطلاق طلبة جامعة الأزهر والحملة ضد الرواية تتصاعد، بينت أن شيخ الأزهر قرر تشكيل لجنة من علماء الأزهر، وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية لفحص تقرير رفعه إليه رئيس الوزراء أعدته لجنة علمية تضم مفكرين وعلماء انتهى إلى عدم إدانة الرواية، وبالطبع لا يهم المناصرين للرواية ما تنتهي إليه لجنة علماء الأزهر، ولا ما يقوله الخطباء الذين كرروا بأن هناك تجاوزات خطيرة تمارس ضد الدين الإسلامي، وأن هناك خلطا بين مهاجمة الإرهاب والتطرف، ومهاجمة الدين نفسه.

أكثر المسؤولين اعتراضًا

وأشارت الجريدة إلى أن رئيس اللجنة الدينية في البرلمان الدكتور أحمد عمر هاشم ورئيس جامعة الأزهر، كان أكثر المسؤولين اعتراضًا على نشر الرواية، وأنه طالب بمحاسبة المسؤولين عنها، ووصفها بأنها لا تستحق إلا الحرق، بينما أشارت الجريدة في الوقت نفسه وصف أصلان هذه الضجة بأنه هزل دموي، وتأسف لتخريب العقلية المصرية، وهو نوع من السادية تحول إلى مازوشية. 

وفي١٤/٥/ ٢٠٠٠ م تنشر الجريدة أن تصريحات شيخ الأزهر تدعم الحملة ضد الرواية؛ حيث أكد «أن وزارة الثقافة ارتكبت خطأ فادحا بعدم عرض الرواية على الأزهر لأخذ الرأي منها من الناحية الدينية».

 والعجيب أن يعد هذا التصريح تدعيمًا للحملة ضد الرواية، وليس موقفًا موضوعيًّا عادلًا، يرد فيه الأمور إلى الاختصاصات، فأمر الحكم في القضايا الشرعية، لا يحكم به كاتب قصة، أو ناقد يحمل أفكارًا ومفاهيم غربية وشرقية، وإنما يحكم به المتخصص بأمر الشريعة وأحكام الدين، ومثله في هذا مثل الأمور الطبية والهندسية وغيرها.

وإذا كان للناقد أن يحكم على فنية العمل لأدبي، فليس له أن يحكم على ما يمس من قيم وآداب وعقائد.

كما أشارت الجريدة تحت العنوان ذاته إلى جمع المثقفين المستقلين واستيائهم من موقف الحكومة ومسؤوليتها في وضع المثقفين موضع الاتهام، وسخطوا على الحملة وأصحابها.

 وبالطبع هذا التجمع مثقف، وصاحب رأي صحيح، ولكن طلبة الأزهر، وأساتذته والعلماء الخطباء والنقاد والمثقفين الذين وقفوا موقف العارض لهذه الرواية وأمثالهم ليسوا من المثقفين.

 وتمضي الجريدة في متابعة القضية فتتحدث عن حرية التعبير في مصر التي تهددت من جراء نقد الرواية ومعارضتها، وتورد تهديد وزير الثقافة مطالبين باستقالته في ١٤/٥/٢٠٠٠م.

 ثم تورد خبرًا؛ لتربط بين معارضة الرواية قضايا الإرهاب، فتقول: قيادي في الجماعة الإسلامية يؤيد تظاهرات الطلاب، وكأنها تريد أن تربط بين معارضة الرواية، وكل ما ينكره المجتمع والإسلام من القتل والإرهاب، وما دام أحد أفراد الجماعة يستنكر هذه الرواية، فهذا دليل على صحتها، وعلى الشبهات حول المعترضين عليها. 

ربط مشبوه

وكذلك تركز الجريدة على الربط بين معارضة الرواية وحزب العمل وإثارة السلطات لتجميده، أو حله أو إحلال بعض المعارضين محل قيادته والتخلص من الأصوات المنادية بحرية الرأي، وهذا من الحرية، ولا اعتراض عليه، ولا يعد إرهابًا ولا تقييدًا للرأي والحرية، ولا امتهانًا لكرامة الإنسان.

 من الواضح بعد هذا الاستعراض أن الحرية لثقف أمر مخصوص بفئة من الناس وليس عامًا كل المثقفين، بل إن صفة المثقف لا يحددها إلا أصحاب المذهب المسيطر على أجهزة الثقافة وإعلامها، وكل من يعترض على فكر منحرف أو دخيل، أو يجادل في أمر يمس أقدس ما يقدسه الإنسان، ويطعن ضمير كل مواطن، ويجترئ على القدس فهو خارج عن الثقافة، فاقد لهذه الصفة، والمقالات التي تنشر لأصحاب هذا التيار، وكتبهم مليئة بهذه الأمور.

 وإذا كان بمقدور المناصرين لهذا الإبداع نشر ما يريدون، والصحف التي تكتب لكل الناس حكرًا إليهم وهم يدعون بأن ما يقولونه الحق، وأنهم يتكلمون باسم الناس أو أكثريتهم، فلماذا يخافون من نقد؟، ولماذا لا يتركون لهؤلاء المعترضين فسحة لبيان وجهة نظرهم، والتعبير عن آرائهم بالكتابة، والمحاورة، والمحاضرة، والندوة، والانتخابات الحرة، والمشاركة في السلطة؟.

 أليس المنع، والصد، والسجن، والتحريض؛ لتجريم كله ضد هؤلاء الذين لم تعد لهم منافذ للدفاع عن حريتهم، وكرامتهم إلا هذه الصرخات التي ضج لها أصحاب التنوير والتحديث؟. 

السيطرة الأمريكية على الإنترنت.. هل تهدد الخصوصيات الثقافية للأمم الأخرى؟

  • المضامين الأكثر شيوعًا في الإنترنت تعبر عن قيم وثقافة العالم الصناعي، وهي لا تتفق بالضرورة مع الاحتياجات الثقافية للدول النامية.

فيينا: قدس برس

كثيرون أولئك الذين ذهبوا قبل سنوات قليلة مضت بعيدًا في التبشير بالاكتساح السريع لشبكة العنكبوت الدولية إنترنت للعالم، وبات واضحًا اليوم أن أولئك قد تجاهلوا واقع هذا العالم الذي يتحدثون عنه، فليست نيويورك أو باريس أو طوكيو إلا نقاطًا صغيرة بالنسبة للأرض وسكانها. فقبل ست سنوات فقط كان الصحافيون المبهورون بالكلمة السحرية الجديدة «إنترنت» ينسجون مستقبلًا ورديًّا عن طبيعة الانفجار المعلوماتي في حياة البشرية، الذي ستحققه هذه الشبكة واسعة الإمكانات قبل الألفية الثالثة. ولا جدال أن الثورة التقنية قد حدثت بالفعل لكنها ظلت نخبوية إلى حد كبير، تلك النخبوية تأخذ بعدا أمميا في سياق الفجوة المتفاقمة بين الشمال الذي يمثل الأقلية والجنوب الذي يمثل الأغلبية كما تأخذ بعدًا محليًّا واضحًا في كل دولة على حدة؛ حيث تبدو شبكة إنترنت من حظ الشريحة الميسورة والمثقف، وأبعد ما تكون عن السواد الأعظم من الجمهور.

 وليس في ذلك غرابة، ما دامت جماهير القراء في الدول الصناعية ذاتها تفضل الصحف الصفراء المغرمة بملاحقة الفضائح أو اختلاقها، بينما تعرض عن الصحف المحشوة بالمواد المعتبرة.

 إن الجمهور بكل بساطة لا يريد أن يحيط علما بالمزيد، فما الذي يضطر لإجهاد نفسه بالانتقال من موقع إلى آخر عبر الشبكة الدولية؟!.

 قد تتلاشى هذه الظاهرة بالقدر الذي يتعزز فيه حضور الشبكة الدولية على المستوى الترفيهي والخدماتي، ويتزايد فيه دور الحاسوب كأحد أجهزة المنزل التقليدية!.

لكن ينبغي أن نلاحظ أن ارتياد شبكة إنترنت ما زال يتم في الغالب لخيارات متصلة ببيئة العمل أو الدراسة.

 والمؤكد أن العالم الصناعي يستأثر بنصيب الأسد في الإفادة مما طرحته شبكة إنترنت من مزايا، ويرجع ذلك في الواقع إلى جملة من العوامل التقنية والاقتصادية والسياسية، لكن المشكلات الثقافية تفسر هي الأخرى جانبا من جوانب ضعف الانتشار الذي تعانيه الشبكة الدولية في الجنوب؛ حيث تبدو الأمية على رأس المشكلات الثقافية التي تعترض طريق المعلومات السريع في الدول الفقيرة والنامية. ففي الكثير من البلدان الفقيرة؛ حيث لا تتمكن الأغلبية الساحقة من الشعب من القراءة والكتابة، لا تبدي شركات المعلوماتية اهتماما بالاستثمار في أراضيها من أجل من خطوط إنترنت، بينما تنشغل حكوماتها في مواجهة الأزمات الخانقة التي تصرفها عن التفكير في حلم الإبحار على الشبكة الدولية. 

أما بالنسبة للشعوب التي لا تعتبر الإنجليزية لغتها الأم، فإن تنفذ اللغة الإنجليزية وعدد قليل من اللغات اللاتينية الأخرى في عالم البرمجيات وتطبيقات إنترنت يترك أثره في كبح جماحها عن التعامل مع الشبكة الدولية، ولا يبدو الأمر هينًا ما دامت حصة الشعوب المتحدثة بالإنجليزية تمثل ٦٠٪ من بين إجمالي مستخدمي الإنترنت حسب تقديرات يوليو ۱۹۹۹م. 

ورغم أن حصة الشعوب الأخرى مرشحة للزيادة التدريجية خلال السنوات المقبلة، إلا أن ذلك لن يتعارض مع سيادة الصبغة الإنجليزية للشبكة التي تكرست طوال السنوات الماضية. 

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تحتفظ وحدها بنصف عدد مرتادي شبكة العنكبوت الدولية حتى اليوم، رغم أن حصتها تراجعت بشكل حاد مع انتشار التشبيك الأممي عبر البحار عاما في إثر آخر.

 ويعني ذلك بوضوح أن الطابع الأمريكي الذي اكتسته الشبكة كان الأسبق، وسيظل تأثيره على النمط العام بعيد المدى بحكم الأسبقية في الابتكار والتنفد. 

ولا يغيب عن الأذهان أن سعي الدول الصناعية المنافسة للولايات المتحدة؛ لتوسيع حصتها في هذا المجال يحمل في طياته كذلك الرغبة في تأكيد الحضور الثقافي مقابل تكرس التأثيرات الأمريكية.

وعند تناول مجموعة اللغات السامية، ومنها العربية، يتبين على الفور حجم التحدي الذي واجهته، فالتباعد الثقافي مع العالم الجديد، يبدو أكثر اتساعًا، علاوة على عدم توافق اللغات السامية مع نظم الكتابة الأصلية المعمول بها في الصناعة البرمجية، ما جعل الشبكة الدولية تعرف معظم النصوص العربية على أنها كائنات رسومية أو صور، وهو ما انعكس بالسلب على سرعة التعامل معها، وحرم المستفيدين منها من إمكانات الاستدعاء والبحث والمعالجة وإعادة التشكيل.

 والأزمة هنا أعمق من كونها مسألة تقنية يمكن حلها عاجلًا أم آجلًا، فهي خاضعة لحالة التبعية الثقافية التي تفرض على الأمم النامية والفقيرة أن تنزل إلى الحلبة كآخر اللاعبين دوما، وبشروط محددة بالسقف الذي يتيحه لها الآخرون، وهو أدنى مما وصلوا إليه بكل تأكيد.

تنميط الأذواق

وثمة تخوف عميق كامن من الشبكة الدولية إنه الخوف على الخصوصيات الثقافية وملامح الهوية، تمامًا مثل الخشية من العولمة الزاحفة التي يثور الشك باستمرار من مساعيها؛ لتنميط الثقافات والأذواق الإنسانية ضمن قالب أحادي أمريكي الطابع.

 وليس الأمر من قبيل المبالغة، فإن كان الأمريكان هم أكثر من نصف مستخدمي الشبكة الدولية، وأن لهم الأسبقية الزمنية في ابتكار الشبكة وتعرف معالمها، وأن شركاتهم العملاقة هي الرائدة في تطويرها، فإن لنا أن نتخيل حجم المضامين والتوجهات والقيم الأمريكية المبثوثة فيها. 
إن المضامين الأكثر شيوعًا في الإنترنت تعبر عن قيم وثقافة العالم الصناعي، وهي لا تتفق بالضرورة مع الاحتياجات الثقافية للدول النامية، ويكفي أن نلاحظ مثلا أثر تعزيز النزعات الاستهلاكية على شعوب لم تخرج بعد من ربقة الفقر والجوع والتخلف، ولم تقطع مسيرتها التنموية حتى النهاية.

 كما أن عولمة الثقافة والقيم واللغات الغربية لا بد أن تعني في الوقت ذاته انحسارا للإشعاع العالمي لثقافات الأمم الأخرى، رغم أنها قد تلجأ إلى مزيد من التشبث بثقافاتها والاعتزاز بخصوصياتها في ظل إلحاح سؤال الهوية، ولا جدال أن الخشية من عولمة الثقافة الأمريكية لا تقتصر على بلدان الجنوب، بل تتجاوزها إلى العالم الغربي ذاته، فللأوروبيين خصوصياتهم التي لا تتفق مع النموذج القادم من العالم الجديد، وهناك خوف فرنسي من سيطرة الثقافة الأمريكية، وحتى كندا أبدت حساسية من التأثيرات الأمريكية عليها والتي تتدفق عبر منافذ إنترنت.

المثقفون والمسؤولية التضامنية لصياغة جيل متوازن

 أصالة الفكر الإسلامي وسلامة العقيدة الإلهية لدى المسلمين أمر ثابت ورصيد عظيم في سوح المواجهة مع التحديات القائمة، ولكن طريقة عرض ذلك الفكر وتلك العقيدة والتعاطي الإعلامي البدائي معها هو المعضل الأساسي في المعترك الحضاري والثقافي الراهن، وأن الرهان على قوة العقيدة وحدها يمثل خطأ إستراتيجيًّا فادحًا حينما يعتمد المراهنون عليه وحده دون سواه؛ لأن هذا الفهم الأحادي الجانب لا يمكن أن يصمد على أرض الواقع حتى لو تترس أصحابه وراء البعد الغيبي الذي لا نعدم أهميته وفاعليته الكبرى في الأحداث أبدًا، ولكن الفهم الخاطئ للبعد الغيبي قد يحول أصحابه إلى أرقام مهمشة في الصراع حينما يستسلمون لمعادلات غير متكافئة، فيعلقون ضعفهم وخواءهم على مشاجب الغيب والقدر، مع أن الغيب خاطبهم بلغة واقعية حينما قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠)، رابطًا بين الأسباب والمسببات، مشددا على ضرورة التعاطي مع الواقع بكل مفرداته وعناصر القوة والضعف فيه ملوحا بالإمداد الإلهي المشروط للمؤمنين الصابرين بقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:٧)، وبما يعني أن الإيمان بالغيب لا يلغي آثار الواقع، ولا يعطل طاقات المؤمنين في المنازلة بحجة المدد الغيبي، وإنما يدعو المؤمنين للعمل ويبشرهم بالتأييد والإمداد، وبذلك تتلاشى المسافة بين عالم الغيب ودنيا الشهادة؛ لتخلق منهما في ميدان العمل ساحة واحدة تلتحم فيها مشيئة الله بكدح عباده، فتصنع خميرة النصر، وأدوات الانتصار، وعالمنا اليوم يقف أهله على مفترق طرق، فهنا قيم رائدة واعدة وعقيدة سليمة رائعة لا نعرف كيف نعرضها وندعو إليها، وفي الطرف الآخر من هذا العالم خواء روحي وتصحر قيمي وبؤس حضاري، وانهيار أخلاقي يغطي عليه إعلام مدروس وبرمجة متطورة، واقتصاد متين، وتكنولوجيا مدهشة، وما بين هذا الذي لدينا وذاك الذي لدى الطرف الآخر من هذه الأرض تدور معركة القيم وسجالات الصراع الحضاري والثقافي المحتدم، والجيل الجديد هنا وهناك تتجاذبه قوتان متناقضتان ومتقاطعتان تمامًا، فشبابنا في العالم الإسلامي داهمهم الإعلام الغربي، وصار يطرق أبواب بيوته، ولربما يدخلها بلا استئذان أو طرق من خلال الفضائيات والإنترنت ووسائل الاتصال المتطورة، فوجدوا أنفسهم أمام عملاق مادي مرعب، وأخذوا يتطلعون إلى ما أحرزه الغرب من قفزات مادية مذهلة مغرية، ثم هم ينعطفون نحو الذات، ويلتفتون إلى واقعهم فيرونه بدائيًّا بائس ضعيفًا ومتخلفًا، وهذا ما يجعلهم يعيشون دواما الصراع بين القديم والحديث وخاصة أن طريقة عرض الإسلام عليهم هي الأخرى بنت هذا الواقع المتخلف، ورغم اعتزاز شبابنا بإسلامهم وتراثهم وحضارتهم، لكن طموحهم نحو التقدم واللحاق بركب التطور هو الآخر يشدهم للغرب بقوة. 

أما الجيل الغربي المفترس بين أنياب التكنولوجيا ومطالب الإسلام، والضائع في صحراء التيه المادي والغارق في لجج الهوى اليومي، فقد بدأ يدرك بعد أن جرب كل ما تعج به الحياة الغربية من صخب وفوضى أخلاقية واجتماعية أنه ضحية الانفلات والتحلل من كل قيد وقيمة ومعيار إنساني، وصار بعد هذه التجربة يرنو إلى سبيل نجاة من دنيا الضياع المادي الذي لم تحل معضلاته المخدرات ولا الموضات ولا ظاهرة الانتحار المتصاعدة الوتائر.

 والمثقف الإسلامي الذي يعاين الواقعين بروح المسؤولية وعين الرصد والوعي وبقدر جيد من الموضوعية يدرك أبعاد ما عليه هذا الجيل والأجيال القادمة من أخطار ليس فقط على مساحة عالمنا الإسلامي وحده، وإنما على الصعيد العالمي كله؛ ولذلك تستحثه نداءات الواجب والمسؤولية والضمير للانطلاق بجدية نحو التفكير، والسعي باتجاه التغيير على كل هذه الأصعدة، تفكير في طريقة الحل والتعاطي العلمي مع هذا الواقع المأزوم، وتغيير باتجاه ترشيد الأجيال المعاصرة، وإعادة التوازن للحياة من خلال إيجاد حركة وعي للواقع وللأخطار المحدقة به وبنا، وهذا ما يحتاج إلى برامج عمل ورجال أكفاء ناشطين، وأدوات مواجهة نضع أهل الحل والعقد والفكر وأصحاب البنان والبيان وجهًا لوجه أمام مسؤولياتهم التضامنية لمواجهة التحديات التي بدأت تعصف بالحياة كلها؛ لأن مشكلة فقدان التوازن لدى جيل الشباب هنا في الشرق أو هناك في الغرب لا تقل خطورة عن كبريات المشكلات ذات الاهتمام العالمي المشترك كمسألة حفظ الأمن العالمي أو حماية البيئة أو معالجة الأمراض أو شحة المياه؛ لأن فقدان التوازن لدى جيل الشباب يوحي بأن العالم مقبل على كارثة إنسانية وأخلاقية مروعة أكثر مما يتصور الكثيرون؛ حيث إن فقدان التوازن لدى الشباب الشرقي سوف يعصف بالحضارة، وينسف القيم الأخلاقية التي منت بها السماء على أهل الأرض أجمعين، كما أن فقدان التوازن لدى الشباب الغربي سوف يترك آثاره الخطيرة المدمرة على الأجيال القادمة حينما يتولى زمام الأمور فيها أناس ضائعون منقطعون عن الفضائل وقيم الخير ومبادئ الأخلاق وبين أيديهم أزرار العملاق التكنولوجي المدمر.

 وهذا ما سيعرض الدنيا كلها لخطر الانفجار والانتحار الذي لا تشفع معه وسائل وقاية ولا تنفع معه برامج احتياط وإنذار مبكر، ومن هنا تتضاعف مسؤولية الجميع لإعادة التوازن لدى جيل الشباب هنا وهناك؛ لأن عالمنا اليوم تضاءلت على أرضه وأجوائه المسافات، وتحول فعلا إلى قرية صغيرة أو سفينة نركبها جميعا، وإن حدوث أي خرق فيها يعني غرق الجميع وهلاك الأحياء وانتهاء الحياة وهو ما لا نريده ولا نرتضيه جميعًا، فلنعمل معا قبل فوات الآوان.

الرابط المختصر :