; المجتمع الثقافي(1482) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي(1482)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001

مشاهدات 65

نشر في العدد 1482

نشر في الصفحة 48

السبت 29-ديسمبر-2001

 قصة قصيرة

نهاية العم «سامي»

بقلم: أسامة أحمد البدر

كنت ملزماً بأن أدعوه عمي منذ اليوم الأول لدخوله (بيتنا).. بيتنا الذي أواني أنا وأختي وأمي... وأوى- من قبل- أبي الذي غادر.. يومها نادت علي أمي وقد نزعت عنها السواد وقالت: «اسمع يا محمد.. هذا الرجل نحتاجه ولا يمكننا الاستغناء عنه.. هل فهمت ... كن لطيفاً معه كي يحبك.. التزمت برجاء أمي وكففت عن المقارنة بينه وبين أبي.. إلا أنني جهدت ألا تنسى أختي- التي بالكاد تعي صورته- أن أبانا كان شيئاً آخر برغم كل الهدايا التي خصنا بها عمنا الجديد

وما دخلت المدرسة حتى أنجبت أمي بنتاً.. ثم توافدت الأخريات مثل الأرانب حتى ملأن البيت وشاركننا ودافعننا حتى الغرفة الخلفية المخصصة للمخلفات، قادتنا إليها أمي هامسة: إنها أكثر هدوءاً لكما وأرحب... إلا أن هذا أيضاً لم يدم طويلاً.. فقد سمعت العم سامي.. يهدد بعد نوبة سعال حادة ويقول: لماذا لا يسكن عند أعمامه ... إن بيوتهم واسعة ثم بصراحة. أنا لا أوافق أن يخالط بناتي اليافعات وقد كان له بنات من زواج سابق

كان علي بعدها أن أقطع الطريق من المدرسة إلى حيث أنام وحدي، وعندما لفت ذلك انتباه والد صديقي أدهم أركبني معه، وقال في استغراب: تعيش بلا أب.. كيف يمكنك ذلك يا ولدي؟ فحاولت أن أشرح له مدى حاجة أمي للعم سامي إلا أنه هز رأسه باستنكار وقال ولكن هذا شيء لا يحتمل.. إن الطريق الذي تقطعه، بلا أحد يحنو عليك. وعِر وشاق. ويمكن أن تضيع.. وأختك أيضاً سوف تضيع

.... وحاولت أن أستوعب كل ما قاله إلا أنني عجزت فاكتفيت بإخبار أمي فانزعجت وقالت: لا تستمع إليه.. العم (سامي) يبذل جهده.. وهذا الرجل يريد أن يفسد عليك تفوقك على ولده في المرة القادمة اعتذر ولا تركب معه.. وأطعت أمي رغم أن شيئاً مبهماً كان يشدني إلى صديقي «أدهم، وعائلته. في يوم زارتني أمي وتحادثنا.. ثم لم أدر كيف انفلت لساني أمامها ورحت أصرخ فيها: «إلا سند الملكية يا أمي. كل شيء إلا هذا.. إنه حق أبي ... ولا نفرط فيه أبداً، فانفلتت متوارية في العتمة وعيناها تدمعان تاركة قلبي يتفطر من أجلها.. ولكن أن أتخلى عن شيء عليه اسم أبي أثار في ارتجافاً لم أستطع مغالبته.. كما أن عم أبو أدهم أيدني ثم أضاف: «في المرة القادمة سيهددها بالطرد، ولم يوضح لي من أخبره أن أمي يمكن أن تنضم إلينا، إلا أنني - رغم ذلك - شعرت بارتياح هدهد شعور الغربة لدي

ولكن أمي جاءتني بعد ذلك وهي تعلن باكية أن علي أن أوي إلى أختي وحدها، ريثما يقوم العم سامي، بتوسيع البيت الذي ضاق بعدما تزوجت إحدى البنات وأقسم لتبقين تحت جناحه ما عاش... ولما أفهمتها أنني أتحرق لقدومها معنا قالت بحرقة «لا أستطيع لا أستطيع».

ولم تستطع زوجة العم أبو أدهم أن تستوعب ما أقول.. نظرت إلي في دهشة ثم التفتت إلى زوجها وسألته أي أم تتخلى عن فلذاتها بهذه الصورة؟!.... ثم تساءلت هل ترى أن نتدخل أم أنه شأن خاص؟ فنتر أبو أدهم رأسه بقوة وهتف كيف؟ بل نفعل ما بوسعنا حتى نرضي ضميرنا، وعلى الأقل تتحدثين إلى أمه حديث الناصحين؟

بلهفة شديدة صرت أسأل (أدهم) عما فعل والداه من أجلي فيروي لي النذر الذي استوعبه من أحاديثهما عن قضيتنا ... كما ظللت أترقب اليوم الذي تتفرغ فيه أمي لنا.. وعندما صادفت إحدى بنات العم سامي، سألتها عن أمنا علها تخبرني بما أنتظر ... فهزت كتفيها لا مبالية.. ثم غمزت بعينها ودعتني إلى زيارتها ودونت على قصاصة عنوان بيتنا، مفصلاً كي لا أضيع.. وقالت: لا تتردد... أستطيع تدبير كل شيء.. ولكنني رغم ثقتها ترددت ... خفت أن يراني العم سامي، أتسلل إلى بيتنا.... وأنا لا أحب أن أكون سبباً في تعاسة أمي أكثر، ولكن أمي بقيت بعيدة طيبتها أهلتها للاستمرار معه فترة أطول، فهاجت نفسي وزادني ضيق اغترابي غيظاً... واشتعل في داخلي لهيب من ترقب لا يتحقق، وبرزت لأختي مطالب لم يكن من خبرتي تأديتها ولا في انشغال الأم عنا إمكانية لإنجازها.. وأنا أحب أختي كثيراً وأخاف أن يصدق فيها قول العم أبو أدهم، فتضيع وزادتني الحيرة احتراقاً وتأججاً لا أملك إظهاره لئلا يفسر ضدي وأنا المحتاج لنصرة أي أحد، وعدت من جديد ألتجأ إلى أبو أدهم وأسأله أن يفعل مجدداً من أجلنا.. فمد راحتيه متأسفاً وقال: بصراحة يا ولدي الأمر أعقد مما تصورنا.. لقد حاولنا الكثير مع أمك.. ولكنها مقهورة على ما يبدو ولا يمكن الاعتماد عليها في قرار خطير ... كنت أعرف من قبل هذا أن أمي مقهورة ولكنني رجوته بإلحاح فأطرق قليلاً، وقال: الملجأ الأخير في المحكمة هدهدت نفسي بهذا الحل.. ولكنني نلت الثانوية العامة ولم أجد لها طعماً كما وجد صديقي «أدهم».. كما لم يأتني من المحكمة ما يفيد بقرب عودتي إلى أمي. زادني الانتظار غلياناً.. وأوحى إلى حنقي بأشياء كثيرة وغريبة وزين لي الإحباط إتيان ما لم أكن أتصوره في يوم، ولكنه اليأس - أعترف - ألهبني لأندفع مثل صاعقة تنقض لتشعل بيتنا، ولكن العم «سامي» كأنه كان يتوقع أن انفجر فأسرع قبل أن ينتشر الحريق واستدعى علي من معارفه من أودعني السجن بعد محاكمة قصيرة - بضع سنين.

بعد السجن أخبرت أن أمي ماتت.. وأختي تزوجت ونزحت إلى بعيد.. لم أجد متسعاً في نفسي لمزيد من الحزن.. ولم أجد إلا درس الشيخ ياسين أتردد عليه في شبه قنوط، ولما أنست منه اهتماماً رحت أحدثه عني فهز رأسه وقبض على لحيته وأطرق قليلاً ثم قال: قضيتك في المحكمة.. لا بأس.. تابعها.. وانشر خبراً في الجوار - جوار بيتكم - أنك تنوي العودة إليه مهما يكن موقف عمك سامي ذاك.. واستعد على بناته الحاسرات من صبيان الحارة من يعيب عليهن ويسفههن لمخالفتهن الدين والأعراف.. ثم يفعل الله ما يشاء... عجبت كيف يتهمون الشيخ بأنه لا يصلح إلا لتعليم الناس موجبات الاغتسال.. لما عدت إليه ابتسم وتابع. الخطوة التالية تعتمد على مدى إيمانك بحقك.. في احتفال العيد تنتصب حيث يجتمع الناس وتبرز لهم سند الملكية الذي معك.. لا ترجف فقد يبرز واحدا غيره مزوراً.. تحداه واسأله: كل الطيبين يعرفون أبي وأين كان يقيم، فدلنا على أبيك أنت من يكون. ضحك العم سامي، رغم أنه كان يختلج، وقال في اضطراب داراه بابتسامة لزجة: من لقنك هذا الكلام الخطير يا ولد؟ إنه يفوح برائحة المؤامرة، ثم التفت نحو الجمع وقال: «انظروا أيها الكرام... رعاية السنين الطوال... وبعدما كبرت وأنفقت. يجازيني اليوم بما تسمعون... ثم انفلت منهم ومضى مسرعاً... وهذا ما رحب به الشيخ ياسين، وقال: الآن بعدما انكشف سيتصرف من وحي رد الفعل ليس إلا...... ثم سألني: وبناته؟ أخبرته أن واحدة وبعد تسفيه الصبيان لحقت بأرض زوجها.. والباقيات أحكمن إغلاق الأبواب تنفيذاً لتعليمات العم سامي، الأمنية المشددة.. فأمسك بيدي بعصبية وقال وهو يمضي مسرعاً: في شريعة من يجوز أن ينعموا بالأمان بينما أنت بعيد عن بيتك؟! هيا معي. تبعته وفي داخلي يقين أننا مقبلون على مرحلة جديدة.. قادني إلى مسجد قريب من بيتنا وقال: هنا تعمل إماماً.. وهنا تسكن لتلتصق بأهلك وحارتك .... وسوف تجعل دأبك حَضَّ الناس على الانتصار لك لاستعادة حقك.. 

قد يتهاونون في البداية.. وقد يستعديهم عليك بدهائه ولكن اصبر.. ومن يومها والشيخ يفعل ولا يتكلم..

ألصق لافتات تؤكد شرعية ملكيتي للبيت.. وزع عليهم سند الملكية الذي يظهر تزوير العم «سامي» للحقائق.

ثم تقدم خطوة أكثر أهمية فأهاب بالوجهاء ألا يسكتوا على للظلم مهما تكون قوة مرتكبه أو يهملوا اليتيم.

وأحاطني بمجموعة كريمة القلوب، وضاءة الوجوه وقال: هؤلاء منذ اليوم أهلك... وهؤلاء بدأوا يتحركون وانبرى منهم من صفع العم «سامي» جهرة ثم اختفى بأسرع من طائرة، فانهارت هيبته مثل برج هائل من ورق، وهاج وفقد توازنه المصطنع.. وراح يخبط يميناً وشمالاً مدعياً أن الحارة لم تعد كما كانت، وأن الأمن قد انعدم في ربوعها منذ رجعت.. بل إن الكل صاروا مثلي غادرين وأنه مستهدف ومن حقه أن يضمن أمنه.. بينما صعد الشيخ أكثر وأوحى إلينا بالاستمرار في مضايقته بكل ما نستطيع كي لا يرتاح. وعندما هرولنا نحذره من توجه «الأمن»، نحونا بتهمة القذف والتحريض بقي ثابتاً وقال: «خطوة متوقعة.. ثم التفت نحوي وقال: «تنتظر معي. ويختفي الآخرون دون أن يكفوا عن إقلاق راحته».

رغم الجو الرحيم الذي غمرني به الشيخ داخل السجن كنت متحرقاً للعودة إلى ساحة بيتنا، لأمارس دوري. تبسم الشيخ وقال: «بل تنتقل الساحة إلينا».

ووسط دهشتي وجدت من يتسلل إلينا ويدس في يد الشيخ ورقة ويتناول غيرها.. فقرأت فيها تدابير الشباب في قطع التيار عن العم سامي، ليله كله.. ثم تكسير إحدى نوافذ البيت فوق رأسه مما هز صورته بين الناس يوم طلع عليهم برأسه المشدوخة.

في إحدى أمسيات الشيخ جاء من يخبرنا أن الوجهاء تدخلوا للإفراج عنا بعدما اضطر العم سامي للتنازل عن ادعائه ليتخلص من نظرات الرجال الحارقة، ووسط هياج الجموع حولنا وتهليلهم بخلاصنا انطلقت صرخة مدوية من بيتنا... وعلا صوت نواح وعويل ناشئ عن تعدي العم «سامي» على إحدى بناته.. انتظرنا حتى عاد من يخبرنا عن فرار أحد الأصهار، سارقاً معه ما استطاع فنادى فينا الشيخ ياسين الآن يا أولاد الآن... ودون أن يفكر أحد في شيء... وقبل أن يتمكن الأمن من محاصرتنا .. اندفعت الجموع . جموع المهنئين بسلامتنا . صوب البيت متسلحة بكل ما تستطيع ومثل الطوفان انقضت على البيت.. حطمت التحصينات المزعومة.. ألقت بالعم سامي، من حيث جاء.. والقت بكل مستنداته للقمامة.. تاركة للبنات أن ترحل حيث تشاء.

وفي نشوة مثل عذوبة الفجر الوليد... وفي يوم هو غرة الأيام جميعاً.. انزاح الكابوس وأذن الله بالفرح.. ودخلت بيتنا مع الموكب المهيب.. ودخل قبلنا الشيخ «ياسين» في تواضع جليل وهو يتلو قول ربه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ۸۱).

 

الرابط المختصر :