العنوان المجتمع الثقافي (1484)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002
مشاهدات 48
نشر في العدد 1484
نشر في الصفحة 50
السبت 12-يناير-2002
الشاعر المغربي الدكتور حسن الأمراني لـــ المجتمع:
الشعر الحديث في أزمة.. والإسلامي مرشح لتولي القيادة
*الشعر العربي أصبح بلا قضية.. وتحول إلى نظم بارد!
حاوره: إدريس الكنبوري
د. حسن الأمراني واحد من الشعراء الإسلاميين المغاربة البارزين، صدر له أكثر من عشرة دوواين شعرية، كما قدمت عن شعره أطروحات جامعية عدة، وهو رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية بالمغرب، ومدير مجلة «المشكاة» التي تعنى بالأدب الإسلامي.
في هذا الحوار يتحدث الأمراني عن أزمة الشعر العربي الحديث، وقضية النقد الأدبي ودور الأدباء والنقاد الإسلاميين في تصحيح مسيرة الأدب العربي:
*ننطلق معك من وضعية الشعر العربي وما يدعى بحركة الحداثة الشعرية، هل يعيش الشعر العربي اليوم أزمة حقًّا؟ وما مواصفات هذه الأزمة؟
- إذا نظرنا إلى مسيرة الشعر العربي الطويلة حتى منتصف القرن العشرين تبين لنا أن الشعر ظل دائمًا ديوان العرب، وظل فاعلًا في الأحداث، حتى عندما ظهرت حركة الشعر التفعيلي التي أطلق عليها خطأ الشعر العربي مع نازك الملائكة والسياب والبياتي وغير هؤلاء، بقي الشعر مستمرًّا في أداء رسالته ووظيفته التواصلية، وظل فاعلًا فعلًا جماليًّا، وفعلًا فكريًّا يخاطب الوجدان، لكن منذ فترة أصبح أعلام الشعر الحديث أو الذين ساهموا في الحركة الشعرية الحديثة هم أنفسهم يتحدثون عن أزمة الشعر، من هؤلاء أحمد عبد المعطي حجازي ودوره في هذا مشهور. فإذن عندما ظهر الحديث عن الأزمة لم يكن ذلك مفتعلًا ولم يكن ادعاءً، ولكنه كان انعكاسًا لواقع معين.
ما مظاهر هذه الأزمة؟ مظاهرها أن التواصل مع القارئ أصبح صعبًا، وأن مبيعات الدواوين الشعرية انخفضت، هل نتهم القارئ! يبدو أن هذا هو الحل السهل، ولكن في العمق حين نتبين وحين يقرأ المتتبع والمثقف كثيرًا مما يصدر يحس أن وجه الأزمة الحقيقي هو أن هذا الذي يقدم باسم الشعر يكاد يكون كلامًا لا قضية له، كأنما وقعت ردة فعل بأثر عكسي، حيث طغى في الستينيات والسبعينيات أيضًا اتجاه الالتزام أو الأدب الملتزم الذي كان الإفراط في الدعوة إليه سببًا في غلبة الإيديولوجي على الجمالي، فأصبحت بعض القصائد عبارة عن شعارات، هذا أمر نبه إليه في بعض النصوص الأولى بعض النقاد الكبار مثل: مارون عبود في وقت متقدم، ولكن فجأة مع التحولات التي شهدتها رقعة العالم الإسلامي من جهة، وانهيار المعسكر الشيوعي من جهة أخرى، وامتداد الصحوة الإسلامية من جهة ثانية، كل هذه العوامل كانت دفعت الشعر -ونقد الشعر أيضًا- إلى مضايق جديدة، وأصبح أولئك الذين كانوا دعاة للالتزام يدعون إلى ما يسمونه الشعر الخالص، وأفرغ الشعر من رسالته ومن قضيته كأنه لم تكن له قضية بعد انهيار هذا المعسكر، فصارت القضية هي أدبية الأدب، وهذا أدى إلى أن يوغل بعضهم في التجريب وفي التجريد، وسقطت القصيدة في هذا الفخ، وانقطع التواصل، هذا وجه الأزمة، وفي الحقيقة منذ عشر سنوات قلت: إن الشعر الإسلامي مؤهل ليتولى القيادة ولينقذ الشعر من أزمته هذه لأنه شعور رسالي، ولأنه شعر يعرف كيف يقيم جانبي المعادلة الصعبة الجمالية والرسالية، ولكن للأسف فإن الشعراء الإسلاميين لم يستفيدوا الاستفادة اللازمة من هذا الواقع، ولم يملأوا حتى الآن هذا الفراغ الذي نتحدث عنه.
الشعر الإسلامي محاصر
*إلام تردون هذا التقصير من قبل الشعراء الإسلاميين؟
- لا شك أن هناك عوامل موضوعية أحيانًا، هنالك شعراء، لا شك أن الحصار المضروب على بعضهم سبب في هذه الأسباب، وأعرف أن بعض هؤلاء يعيشون في المنفى وبعضهم إما يقبع في السجون، وإما يعيش حالات من الحصار، وبعضهم مكبل بواقع معين، ولكن مع ذلك فإن المعركة قائمة، وينبغي للشعراء الإسلاميين أن يضطلعوا بهذه المهمة، وأنا حين أذكر هذا الحصار وهذا المنع استحضر مجموعة من الأسماء ممن كان لهم باع في هذا المجال، كأحمد مطر، ومحمود مفلح مثلًا، وقد غيبوا عن الساحة قسرًا.
*هل يمكن القول هنا إن الشعر الإسلامي مؤهل ليقوم بوظيفة ربط حاضر القارئ بماضيه، لأننا نلاحظ مثلًا العودة إلى القصيدة العربية العمودية على مستوى الشكل، وحضور القضايا العربية والإسلامية على مستوى المضمون؟
- حتى أكون صادقًا، لا أريد أن أجعل الشعر الإسلامي موازيًا للقصيدة العمودية، وأن الشعر اللاإسلامي موازٍ لقصيدة التفعيلة أو لغيرها، لكن الشاعر الإسلامي بالأنماط المختلفة إذا اضطلع برسالته، فإنه يستطيع أن يبدع لأنه يؤلمني -وأنا أحب الشعر بمختلف أنواعه وأحب الشعر العمودي- أنه بعد ذهاب الفحول، نجد كثيرًا من النظم البارد، ويحزنني أن يقدم أحيانًا ذلك النظم تحت لافتة الأدب الإسلامي إذا لم يكن الشاعر قادرًا على أن يهز الوجدان، وأن يحرك الكوامن، فإنه لا يعد شاعرًا.
*هل يعني هذا أنكم غير راضين عن الشعر الإسلامي بكامله؟
ما زلت أقول إنني كنت أراهن على بعض الأسماء، ولكنها لم تغادر مكانها، وفي الوقت ذاته متفائل من المستقبل، لأننا حين نقول: إن المستقبل لهذا الدين، نقول إن المستقبل لهذا الدين من جميع الجوانب، ثقافيًّا وأدبيًّا وحضاريًّا، نحن نعيش حضاريًّا نوعًا من التردي، وحين يتحرر الأدب ويستطيع أن يرتقي إلى أن يكون أدبًا إسلاميًّا حقيقيًّا، يكون ذلك تعبيرًا فعلًا عن أن الأمة وجدت طريقها الصحيح.
غياب النقد الإسلامي
*هذا الأمر يثير قضية النقد، هل تلاحظون أن هناك فعلًا غيابًا لحركة نقدية مواكبة للشعر الإسلامي الحديث وما دواعي هذا الغياب في رأيكم؟
- هذ وجه آخر من الحصار اللاإرادي، وهو أن الإنتاج الأدبي الإسلامي يصدر فيعتم عليه عن قصد أو عن غير قصد، عن قصد من قبل خصومه، وعن غفلة من قبل أنصاره الذين لا يلتفتون إليه بكلمة، ولا بتوجيه، ولا بتعريف، ولا حتى بنقد، هنالك أدباء ونقاد اضطلعوا بمهمة النقد، ولكنهم قلة، وبعضهم يقاتل في أكثر من جبهة، وأنا أستحضر على سبيل المثال الدكتور حلمي القاعود الذي يقاتل فعلًا على أكثر من جهة، ومع ذلك فقد أصدر عددًا من الكتب النقدية تناولت الأدب الإسلامي بالتشريح سواء في مجال الشعر، أو في مجال الرواية. وأذكر سعد أبو الرضا، وهناك آخرون، ولكن هؤلاء لا يغطون الساحة العربية الإسلامية ويظلون قلة، قياسًا إلى التراكمات الأدبية الإبداعية في مجال الشعر، وفي مجال القصة والرواية، فإذا كنا فعلًا نعاني من أزمة في الشعر بذاته، فإننا نعاني أزمة في النقد بسبب الغياب وبسبب الصمت، عندنا أناس يكتبون النقد بين الحين والحين، وليس عندنا نقاد، هذا هو المشكل.
*كان الهدف من السؤال معرفة أسباب غياب تقليد أدبي نقدي مقابل تراكم إبداعي واسع في الأدب الإسلامي.. ما أسباب هذه المفارقة؟
- قد يعود هذا إلى أننا غفلنا عن حقيقة أساسية، وهي الرسالة الحقيقية للأدب، الأدب له رسالة تحريضية تغييرية تطهيرية، في القرن التاسع عشر كان سلفستر دوساسي -وهو مستشرق فرنسي معروف- يعاني من خصوم الأدب الذين كانوا يقولون في ذلك العصر في فرنسا: إن الأدب لا فائدة له، فكتب مقالة في فائدة الأدب، وقال: إن الأدب أكثر جدوى مما يظن المغفلون، وكلمته هذه كشف الزمان بعد ذلك عن صوابها، لأن الحضارة الغربية بالرغم من تقدمها المادي والعلمي المحض، إلا أنها تعنى في الوقت ذاته عناية خاصة بالأدب والعلوم الإنسانية. نحن يكاد يطغى علينا منطق الربح والخسارة المادية، ومن وراء ذلك، فإننا نهمش الأدب ولا نعطيه قيمته الحقيقية، وقد ذكرت مرة أن بعض أعمالنا الروائية مثل العملين الروائيين اللذين أصدرتهما رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وهما: «لن أموت سدى» لجهاد الرجبي، و«العائدة» لسلام أحمد إدريسو، هاتان الروايتان لو أتيح مثلهما للحداثيين لأثاروا ضجة لا تنتهي، ولرفعوا هذين العملين إلى القمة، ولكن يمر هذان العملان في دائرة الأدباء الإسلاميين في شبه صمت، وهذه مؤامرة أو كارثة أخرى. وقد يكون من أوجه هذه الأزمة أيضًا أن هذه الأعمال وغيرها تطبع بكميات قليلة، وتوزع بكميات أقل فلا تصل إلى القارئ، وهذا وجه آخر من أوجه الأزمة.
المسؤولية تقع على الجميع
*من المسؤول عن التعتيم على الأدب الإسلامي؟ هل المؤسسات الثقافية الرسمية أم الأدباء الإسلاميون أم الهيئات الثقافية والأدبية؟
- طبعًا نحن عندما ننظر إلى المؤسسات الرسمية في العالم العربي، نجد أنها توطئ الطريق لكثير من الأدب المنحرف، ولنا شواهد في بعض وزارات الثقافة، الضجة التي قامت في مصر، والضجة التي أثيرت في المغرب، هذه كلها تعبر عن الأزمة، إذن هناك فعلًا نوع من الحصار، وليس فقط في نشر الكتاب وفي طبعه، بل أحيانًا حتى بعد أن يطبع بجهود شخصية يمنع من المعارض، يحاصر، هذا أمر موجود حقيقة، ولا ننتظر من الذين يقفون خصومًا للأدب الإسلامي أن يعملوا على تشجيع الأدب الإسلامي، لكن المسؤولية أيضًا تقع على الطرف الإسلامي كأفراد ومؤسسات وجماعات. رابطة الأدب الإسلامي تسعى مثلًا أن تخترق بعضًا من هذا الحصار، لكننا نعرف أن إمكانات هذه الرابطة ضعيفة وضئيلة وينتظر منها الناس أشياء كثيرة، ولكنهم لا يقدمون لها شيئًا، ولعلي لا أفشي سرًّا إذا قلت: إن عددًا كبيرًا من أعضاء الرابطة، عدد كبير منهم لا يدفع حتى اشتراكاته، فكيف نرجو أن ينتشر هذا الأدب وأن يصل إلى الناس؟!
فلابد من نوع من المحاسبة الذاتية ونوع من النقد الذاتي في هذا الباب.
*هل تعتقدون أن هذه الأزمات التي يعيشها الأدب الإسلامي يمكنها أن تؤثر على الأجيال الصاعدة وتصرفهم عن هذا الأدب وعن مهمة إغنائه وتطويره، وأن تؤثر على مستقبل هذا الأدب؟
- هذا استنتاج قد يكون صحيحًا إذا قلنا إن الأوضاع ستستمر على ما هي عليه، ولكنني أظن أن هذه الأوضاع مؤقتة، وأن هذه الأمة التي تعيش كل هذه الإرهاصات لا يمكن أن تظل في نقطتها هذه، لا بد أن تأتي اللحظة التي تتغير فيها هذه الأوضاع الحضارية لهذه الأمة، وسيكون الأدب الإسلامي نفسه جزءًا من العوامل التي تعمل على تغيير وتصحيح هذه الأوضاع في هذا الباب، أنا متفائل لأنه ما بعد الظلمة إلا النور، وما بعد اشتداد الحلكة إلا الفجر، وهذه الطاقات الشابة المصرة على متابعة طريقها برغم الأشواك، وبرغم العراقيل والحصار هي نفسها عربون الأمل، وهي نفسها المبشرة بأن الأمور إن شاء الله ستصحح.
الانفتاح بشرط معرفة الذات
*سبق لكم أن كتبتم في المجال النقدي، هل تعتقدون في هذا الإطار أن هناك ضرورة لتأهيل منهج نقدي أدبي إسلامي، أم ترون على العكس أنه ليس هناك مشكل في الاقتباس والتعامل مع الغرب في هذا المجال؟
- كما يُقال لا مشاحة في الاصطلاح، لكن القضية أعمق من ذلك الآن، حين أنظر إلى الخريطة النقدية في العالم العربي لا أستطيع أن أقول إن هنالك نقدًا عربيًّا، فضلًا عن أن يكون هنالك نقد إسلامي، ليس هناك نقد عربي، هنالك أساتذة يشاركون في النقد عن طريق ترجمة المفاهيم والمصطلحات وتطبيقها على الأدب العربي، ليست هنالك خصوبة نقدية عربية، هذه صور باهتة لما هو في الغرب، ولذلك تستطيع أن تقول إن هنالك ردة حتى على ما كان عليه الأمر في بدايات القرن العشرين مع الرافعي والعقاد وطه حسين، أولئك برغم اختلاف توجهاتهم كانوا بشكل أو بآخر يمثلون النقد العربي، أما اليوم فلا أكاد أجد نقدًا عربيًّا خالصًا، قد أجد كتابات مدرسية في النقد، ولكن ليس هنالك نقد له ملامح عربيةـ وهذا من جهة أخرى يجعلنا نرشح النقاد الإسلاميين لينقذوا أيضًا النقد العربي من أزمته الحالية.
*هل المطلوب إذن العودة إلى التراث النقدي العربي وتأصيل المصطلح النقدي؟
- الانطلاق من التراث شيء أساسي ولا يمكن أن نبني من فراغ أبدًا، وينبغي أن يكون الاطلاع على التراث عميقًا، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن نكون على وعي بواقعنا وبحاضرنا، نحن لا نستطيع أن نستنسخ مثلًا حازم القرطاجي من جديد، ولا ابن قتيبة، ولكن نستطيع أن نستفيد منهم كثيرًا ومن آلياتهم، بل نستطيع أن نستفيد حتى من طريقة تعاملهم مع التراث العالمي آنذاك، كيف تعاملوا هم مع النقد الغربي الذي كان يمثله اليونان آنذاك؟ كانت العقيدة الإسلامية حاضرة، فكان كل تعامل يعمل على تذويب تلك الثقافات وإخراجها إخراجًا جديدًا، هذا الذي نريده الآن، ننفتح على الآداب الغربية، هذا أمر مطلوب، لكن ليس قبل أن نعرف ذاتنا معرفة الذات، وتحصين الذات شرط أساسي للانفتاح وإلا أدى الأمر بنا إلى الانسلاخ، وفرق بين الانفتاح وبين الانسلاخ نحن نعيش انسلاخًا حضاريًّا، فلا بد إذن من معرفة الذات وتحصينها، وبعد ذلك لك أن تنفتح لأنك آنذاك تعرف كيف تعيد تشكيل ما تقرأ، وكيف تنتجه إنتاجًا جديدًا مناسبًا لذاتك ومناسبًا لشخصيتك.
في حفل تكريم العلامة الدكتور حسين مجيب المصري
شعاري في رحلتي العلمية: «اعلم واعمل وتوكل على الله»
القاهرة: محمود خليل
على مشارف التسعين من عمره المبارك، ووسط كوكبة علمية إسلامية جامعة، عقدت رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالقاهرة، مؤتمرًا لتكريم عميد الأدب الإسلامي المقارن العلامة الدكتور حسين مجيب المصري، بعد رحلته العلمية الطويلة التي أبدع خلالها ٦٦ كتابًا، تتضمن ستة دواوين بالعربية، وديوانًا بالفرنسية، وآخر بالتركية، وثالثًا بالفارسية، أبدعها في لغاتها الأصلية، كما تجلت قدراته اللغوية في مراجعاته لتراجم القرآن الكريم في اللغات الألمانية والإيطالية والفرنسية والتركية والروسية بتكليف من المؤتمر الإسلامي عام ١٩٥٧م، وإدارة البحوث بالأزهر الشريف عام ١٩٦٤م، حيث يجيد العلامة د. حسين مجيب المصري إحدى عشرة لغة، يعتمد ثماني منها اعتمادًا مرجعيًّا ولسانيًّا فائقًا.
وفي بداية هذا المؤتمر قال د. المصري: أفنيت عمري في العكوف على العلم، وكنت منذ صدر شبابي قد وضعت لنفسي شعارًا يقول: «اعمل واعلم وتوكل على الله وحده». ومن ثم فقد كان لا يعنيني علم أي شيء، ولا عمل أي شيء، وظللت عمري حتى الآن لا أبحث عن مكاني إلا في العمل، ولا عن مكانتي إلا في طلب العلم، بعيدًا عن الزلفى إلا لله، وبعيدًا عن تبوؤ الأماكن إلا في مرضاة الله تبارك وتعالى، ﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ (الرحمن: 27). وقد نشرت ديوانًا بالفرنسية وعمري ستة عشر عامًا وأنا طالب بالمرحلة الثانوية، واتبعته آخر بالفارسية عنوانه «صبح» أي الفجر، وآخر بالتركية «صولغون بركل» أي «وردة ذابلة». وبحوثي ومؤلفاتي في الأدب المقارن والفكر الإسلامي والمعاجم العربية ومعاجم لغات الشعوب الإسلامية قد بلغت ستة وستين كتابًا، ولدي مثلها تقريبًا تحت الطبع، ذلك لأنني أعتبر اللغات هي المفتاح الحقيقي للدراسات المقارنة، كما أنني أعتبر لغات الشعوب الإسلامية الفارسية والتركية والأردية والعربية، أغصانًا لشجرة واحدة هي شجرة العربية والإسلام، وتراثنا العربي ليس العربية وحدها، ولكنه مبثوث في آداب الشعوب الإسلامية جميعها.
شجرة التراث الإسلامي
من هنا، فإن تراثنا يظل منقوصًا لو تطلبناه في العربية وحدها، ولقد أيقنت بهذه الحقيقة منذ عمري الباكر، لذلك فأنا أحب دائمًا أن أطوف بالباحث والقارئ على كنوزنا ونفائسنا وتراثنا الضخم المكنون، عبر مظانه ومنابعه وعيونه الصافية في آداب شعوبنا الإسلامية، وأتخذ من ذلك المنهاج وسيلة لوحدة الهدف ووحدة الغاية لأمتنا الإسلامية الواحدة ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92). ورغم أنني رهين المحبسين، إلا أنني لا أمل، وهذا مما يسر لي أن أقرأ في كل المراجع الأجنبية بيسر وسهولة، وأستطيع أن أعلق بكفاءة على آراء المستشرقين في لغاتهم الأصلية.. ثم ألقى د. حسين مجيب المصري قصيدة تحية وتعارف إلى ضيوف المؤتمر قال فيها:
أرشفتموني قطرة من بحركم
فغمرتموني في الحياة بفضلكم
من روضكم ناولتموني وردة
ولقد ثملت بنفحة من عطركم
من كنزكم أهديتموني درة
فسماء ليلي أنجم من دركم
من شمسكم أتحفتموني ومضة
عجبًا لشمس أشرقت من بدركم
أكرمتموني والمثوبة مالكم
الله يكرمكم بأعظم أجركم
العلم قد حييتموه بفضلكم
الله يعلي في الورى من قدركم
أيقظت شعرًا ظل في أحلامه
فسمعتموه اللحن في أوتاركم
فمددت شعري في الربوع مجاهدًا
ذكرتكم ذاك الجناح الطيركم
تبر وفي جوف التراب رأيته
فرفعتموه إلى الذرا بيمينكم
هي وحدة للمسلمين بدينهم
تلك الحقيقة عزكم في دهركم
ولهم كذلك وحدة بتراثهم
فلتدركوا هذا بثاقب فكركم
أفنيت عمري في التراث جمعته
فلتقرأوه صحائفَ في سفركم
ورأيت فيه الخير حين درسته
فلتجعلوه النور في معراجكم
هذا التراث موزع في أرضنا
لا تحسبوه جميعه في مصركم
هو ذخرنا، هو نعمة كانت لنا
عمرًا مديدًا شاهدًا في عمركم
وغايتي من كل هذا أن أعلن على الملأ أن الدراسات الإسلامية المقارنة هي المظهر الأصيل للوحدة الإسلامية، وصدقة العلم عندي قامت أساسًا على ترجمة وتيسير وتفسير هذا التراث الإسلامي النفيس.
ثم ألقى د. عبد الحليم عويس المفكر الإسلامي كلمة في هذا المؤتمر، مؤكدًا أن د. مجيب المصري وثلة من الرجال المؤمنين كانوا قلاعًا حصينة في الثلاثينيات والأربعينيات التي كان يراد فيها للفكر الإسلامي والتراث الإسلامي أن يُضربا في جامعة القاهرة، وفي كلية الآداب على وجه الخصوص، حيث كان يقبع هناك طه حسين ومحمد خلف الله وآخرون، ولا يزال هذا العرق ينزع إلى اليوم، حيث عبد المنعم تليمة وجابر عصفور وثلة من غلاة الشيوعيين والعلمانيين، التي لا تفتأ تطعن بالقرآن والسنة والفكر الإسلامي، فشاءت إرادة الله أن يخرج من هذه الدار نفسها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات من أمثال العلامة محمود شاكر، والعلامة د. حسين مجيب المصري، وبنت الشاطئ، ود. شوقي ضيف، وآخرين من أصحاب مدرسة «الإحياء».
وشاءت إرادة الله تعالى أن يركز أستاذنا في دراساته وبحوثه وأشعاره وأفكاره على فلسفة «إقبال» التي تجعل من بعث الذات الإنسانية طريقًا إلى إحياء الشخصية الإسلامية.
وحول أهمية الفكر الموسوعي أكد د. عويس أن الإرادة الحضارية لا بد لها من تمكن في النفس والوقت وصناعة الأجيال، وإن هذا الحديث لشيخنا يجعلنا نبكي على أعمارنا التي ضاعت، كما يجعلنا نخشى أن يمثل هذا الرجل نهاية عصر الفكر الموسوعي والثقافة الإسلامية الشاملة، فهو أكبر من بحوثنا ومقولاتنا جميعًا، وسيظل شاهدًا على فكرنا وثقافتنا الموسوعية متمثلة في الشخصيات التي تصنع التاريخ، وتمد تيار الحضارة والفكر في الزمان والإنسان.
مهاجرون بلا أنصار
و«د. حسين مجيب المصري رائد له فلسفته ومكانته في العديد من دول العالم، ولقد كرمته العديد من الهيئات والجامعات». جاء هذا في كلمة الدكتور الصفصافي أحمد المرسي أستاذ ورئيس قسم اللغات الشرقية بكلية الآداب جامعة عين شمس، وأضاف أن د. المصري وإن كانت بعض الجهات عندنا قد جحدته فضله وريادته في زمن كانت البلاد تتجه فيه بالإكراه لغير دينها ورسالتها، إلا أنه قد كرم في كثير من بلاد العالم، فمنحته الحكومة التركية عام ١٩٩٧م وسام الخدمة العالية، وهو أرفع وسام للعلماء في تركيا، ومنحته كراتشي وسامها الذهبي عام ۱۹۹۹م، ومنحه الرئيس الباكستاني ضياء الحق وسام الامتياز -وهو أرفع وسام يمنح للعلماء-و في عام ١٩٨٧م، كما منحته جامعة مرمرة بإسطنبول الدكتوراة الفخرية عام ١٩٩٥م.
وعالمنا لم يطرق باب مسؤول قط، وهو قمة ونسيج وحده في خلق العلماء، وكم كان اضطهاد المسؤولين له، يزيده ثباتًا وإصرارًا.
ثم أردف د. عبده زايد أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، فقال: هذه قامات قلما تتكرر، وهو إدانة لنا معشر الشباب، ثم توالت بحوث وكلمات د. بديعة عبد العال أستاذ الأدب الفارسي بجامعة عين شمس، ود. سعد أبو الرضا الأستاذ بآداب بنها، الذي أكد أن د. المصري أستاذ أجيال، وهو رائد للأدب الإسلامي من أول يوم في حياته إلى آخر نفس في عمره، حيث أخرج للمكتبة الإسلامية دراسته الأخيرة في الأدب المقارن «القدس بين شعراء الشعوب الإسلامية»، وهذا نموذج يغني عن الحصر، فهو الرائد الكبير، حتى وإن كان مهاجرًا بلا أنصار.
وحول تجاوز الجهات المسؤولة بحق الدكتور المصري في جوائز الدولة، بل وفي اضطهادها له، قال د. جابر قميحة: من حسن الحظ أن عاش هذا الرجل مضطهدًا مظلومًا، حيث انقدحت عبقريته تحت وطأة هذا الموقد. وفي بؤرة اضطهاده كان شموخه وعظمته، حيث كان تصويبًا لكثير من القيم والمبادئ المزيفة، كما كان إيقاظًا لكثير من المعاني الضائعة، وكم أتمنى على الله ثم عليه، أن يقدم لنا تجربته علميًّا وعمليًّا ونقديًّا في دراسات مستقلة، تكون للأجيال هداية ومنارًا. وفي هذا المؤتمر ألقى الشاعر فتحي الطريوي قصيدة تكريم للدكتور مجيب المصري منها:
أهديتنا درًّا وإنك كنزه
وأضأت ليل السالكين بنجمكم
أفنيت عمرًا في التراث فمدكم
عمرًا مديدًا شاهدًا في سفركم
«أحسيننا» و«مجيبنا» أسعدتنا
فلأنت سعد سائر في «مصركم»
ثم ألقى الشاعر محمد فايد عثمان قصيدة طويلة، قال فيها:
قم عانق الشمس بالأمجاد والفخر
يا واحد الشرق في شعر وفي نثر
يا عامرًا صدره بالحب كالنهر
يا ناطقًا باللسان الحق والفكر
خلدت للقدس ديوانًا من الشعر
يبكي على القدس أم يشتاق للنصر
يا ليلة القدس كوني ليلة القدر
حي «المجيب» الحسين العالم «المصري»
عش خير عمر وخلف خالد الذكر
وحول آخر دراسات د. المصري «القدس بين شعراء الشعوب الإسلامية» دارت ندوة موسعة شارك فيها كوكبة من النقاد والأدباء منهم د. عبد المنعم يونس رئيس فرع الرابطة بالقاهرة، ود. عبده زايد، والشاعر الكبير عبد المنعم عواد يوسف، وكاتب هذه السطور، ود. وجيه يعقوب، وعدد كبير من الكتاب والصحفيين والنقاد، كما أهدته الرابطة درعها وكتاب الله عز وجل كجائزة تقديرية لعميد الأدب الإسلامي المقارن.
مناقشات مفتوحة
ثم دارت مناقشات مفتوحة مع الرائد الكبير د. المصري والحضور من الباحثين وأساتذة الجامعات والكتاب حول قضايا الفكر والتغيير والترجمة من الشعر وإليه، والغزو الفكري والتشويه العلماني لقضايا الأصل والنقل والعقل، ودور الأدب والفكر الإسلامي في هذه الحقبة الشديدة الأهمية من حياتنا، سيما في قضايا الصراع حول القدس والمقدسات.
تقدم.. أيها البطل
شعر: عبد الله الهجري
أقبل.. فإنك أنت الشهم والبطل
وراية الظلم حين تراك تستفل
أقبل.. فإنا ثكلنا من مصائبنا
والشرق والغرب يشهد أنك الرجل
لله درك.. يجري اليأس في دمنا
وطائعًا يرتمي في حضنك الأمل
بالله كيف أوتيت العزم أجمعه
فليس يثني خطاك الحادث الجلل؟
أعدت «حمزة» و«المقداد» في زمن
يكاد يسقط من قاموسنا «البطل»
اثأر.. فإن دماء الدين نازفة
وحرمة الأمة الغراء تنتعل
يكفيك فخرًا بأن أظهرت مضمرنا
ورحت تصنع ما تاقت له دول
عفت المهانة والنعماء مقبلة
وبت كالصقر في العلياء ترتحل
ماذا أقول؟ قوافي الشعر عاجزة
فاليوم تهرب من أفكاري الجمل
إنا رفعنا أكفًّا كلها أمل
أن يحفظ الله من للدين قد بذلوا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل