العنوان المجتمع الثقافي (1541)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 08-مارس-2003
مشاهدات 52
نشر في العدد 1541
نشر في الصفحة 50
السبت 08-مارس-2003
قراءة نقدية
حين تصهل «خيول الفجر» لدى الشاعر عبد الرحمن العشماوي
محمد شلال الحناحنة (*)[1]
جاء مهرجان التراث والثقافة «الجنادرية» الثامن عشر في الرياض لهذا العام، متميزًا في ندواته الفكرية والثقافية، إذ شارك فيه نخبة من مفكري وعلماء وأدباء العالم الإسلامي، ولعل موضوع الندوة الكبرى «هذا هو الإسلام»، كان معبرًا عما تعانيه الأمة الإسلامية من هجمة صليبية يهودية شرسة ضد وجودها وتراثها وحضارتها وقيمها الإسلامية السامية، وقد كرم المهرجان هذه السنة في المجال الثقافي والأدبي الأستاذ الأديب أحمد بن على المبارك، وهو رائد من رواد الأدب والثقافة في هذا البلد المعطاء وله سجل حافل بالإنجاز والتألق.
وكانت قصيدة الافتتاح للشاعر الإسلامي د. خالد بن سعود الحليبي، قد استمدت ضياءها من شموس نابضة بالحب والسمو كما رشفت رحيقها من خيرية هذه الأمة وأمجادها العريقة، وفاض نداها من مروج التقى ورياض الفضيلة، إذ قال شاديًا:
أطلق خيالك كل الكون إلهام وارشف رحيقك كل الورد بسام |
أما إنشاد المهرجان لهذا العام «خيول الفجر» الذي كتبه بإيقاع عذب الشاعر الإسلامي د. عبد الرحمن العشماوي، فقد قدم من خلاله خلاصة الفكر الإسلامي الناصع معبرًا عن الآمال المشرقة للأمة، وعن مواجعها وهمومها المؤرقة، وأوجز رسالتها السامية في مخاطبة الناس أينما كانوا بما يحمله الإسلام من خير ونور لإخراج البشرية من ظلمات الكفر والإلحاد والفجور إلى هدى الله وشرعه:
يا خيول الفجر هيا حمحمي أسمعي الآفاق أحلى نغم |
لماذا الخيول؟ ولماذا الفجر؟! الخيل رمز للخير، بل معقود بنواصيها الخير، وأما الفجر فهو رمز لهذا الإسلام الذي أنار للبشرية ظلمات جهلها، وأيقظها من رقادها والخيول هي التي امتطاها فرسان الإسلام، ففتحوا باب الهدى للأمم آنذاك، كما يقول شاعرنا العشماوي، وإن كانت أمتنا اليوم تعاني الفرقة والتمزق والضعف، لكن شاعرنا ينطق التاريخ ليعيد أمجاد الأمة وانتصاراتها:
يا خيول الفجر هذا القلب هاما حينما جاوزت بالركب الزحاما |
التكرار: لدى العشماوي منجز جمالي يلح عليه كثيرًا، وفيه إثراء للفكر والصيغ التعبيرية والمعاني التي يستحضرها لنا من عبق الإسلام في أوج قوته وانتشاره، ويظل هذا التكرار نبضًا متجددًا في قصائده عمومًا، مما يحشدنا للمشاركة في أحاسيسه ومشاعره ولم يكن التكرار اجترًارا أو محدودية في الأفكار والتعبير، كما نجد عند بعض الشعراء ويمكن ملاحظة تكرار فعل الأمر «اسألي» وما فيه من دلالات على المستويين النحوي والتعبيري.
أما نافذة المكان في «خيول الفجر» فهم مفعمة بنسمات شذية من صفاء الماضي وبطولاته رغم ما يعكر هذا الصفاء من مأسي الحاضر وفجائعه، إلا أن ثقته بنصر الله عظيمة، وفضاء أمله الإسلامي واسع، فيشدو لنا:
من مكة الخير سافر بي إلى حلمي إلى فضاءات أشواقي وأشجاني |
ولأن عبد الرحمن العشماوي شاعر الإسلام في قيمه وفكره ومواقفه، فهو يبصر الفجر القادم في ليل المصائب والمآسي، وهذا الهوان لذا نراه يغرس فينا أزهار الأمل، وشموخ الحق المنتصر، ومن هنا تصهل خيوله:
إنني أبصر في ليل المآسي وثبة الفجر على متن حصان |
هذا الشعر يفتح لنا جسر عبوره من قبس القرآن الكريم، ويروي ظمأنًا بعذوبة آياته وسوره، ومن هنا تأتي نكهته الإيمانية الخاصة وفنيته الراقية التي تضاء بأنوار الروح في مواءمة عذبة بين صوره الحسية والمعنوية، ولذا يشدنا إيقاعه أيضًا في:
بين أحزاب وأنفال ونور فتح المجد لنا جسر العبور |
أما نقطة البداية الجهادية المبشرة لخيول الفجر، فلن تحيد عن البيت الحرام، إنها تجوب الميدان الفسيح للإسلام، كما يطوف الركع السجود بيت الله، آتين من كل فج عميق، إنه سفر القلوب الحانية، والنفوس التائبة، إذ تهوي الأفئدة مؤمنة خاشعة إلى تلك الظلال الوارفة متطلعة إلى إنقاذ العباد في هذه الأرض من الجهل والظلم، ومن عبادة الطواغيت إلى هدي الرحمن وتوحيده:
بدايتنا من البيت الحرام وغايتنا الهداية للأنام
|
ولعل النبض الشعري لدى العشماوي في الأبيات الأخيرة اقترب من النظم، بعيدًا عن الصور الشعرية المتوهجة والإيقاع العذب الذي لمسناه في بعض المقاطع.
إلا أن هذا الإنشاد يظل منتظمًا في عقده من خلال خمسة مشاهد حية وخاصة، والحق أن فيه الكثير من رقي الفن الشعري الإنشادي صورة ومعنى، مما يحتاج إلى وقفات نقدية تليق به وتليق بشعر العشماوي خاصة مهما لوى المرجفون رؤوسهم.
[1] (*) شاعر وناقد
وظائف اللغة العربية ومدلولاتها (1 من ٢)
كان لابد من الانتظار هذه القرون حتى تتطور العلوم ويتمكن الإنسان من الصعود إلى أعلى طبقات الجو لاكتشاف العلاقة بين «الحرج» والتصعيد في السماء كما وردت في القرآن الكريم
د. حافظ جنید
يقول الله جل جلاله: ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 125).
يقولون إن وظائف اللغة ست:
الوظيفة الموضوعية وتكون عندما يشير الكلام بشكل أساسي إلى الموضوع.
الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية إذا أشار الكلام بشكل خاص إلى موقف المرسل نفسه من رسالته.
الوظيفة التأثيرية: إذا كانت اللغة تتوجه إلى المستقبل لتؤثر فيه.
الوظيفة الاتصالية: إذا حوت المكالمة عناصر تهدف إلى التحقق من حسن سير الاتصال أو حسن انتباه المستقبل.
وظيفة المصطلح اللغوي: إذا استخدمت الرسالة لشرح النظام اللغوي.
الوظيفة الشعرية: إذا تركز هدف الرسالة في بناء تركيبها الخاص لذاته.
هذه الوظائف الست للغة ليست لها معايير لغوية شكلية حقيقية، مما يجعلها قابلة لإضافة وظائف أخرى إليها، كالوظيفة الجمالية مثلًا، كما أننا لو دققنا في الموضوع لرأينا أن كل هذه الوظائف الست تنبعث أصلًا من الوظيفة الرئيسة للغة وهي الوظيفة الاتصالية.
وبناء على ذلك، فإنه يمكن إضافة وظائف أخرى للغة مثل الوظيفة الرمزية المستخدمة بكثرة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وأنا أجعل للغة وظيفة أخرى هي الوظيفة التخزينية، وأعني بها إمكان «تخزين» مفهوم المعنى مستقبلي يمكن أن تحمله «الكلمة» ولما يعرف بعد، مثال ذلك الآية الكريمة التي صدرت بها مقالتي، وأعني بالذات قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ﴾ (الأنعام: 125). إن الآية الكريمة قد «خزنت» في محتواها بهذا التركيب المتميز ﴿حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ﴾ مفهومًا مستقبليًّا، لم يكن يعرفه أهل الزمان الذي نزلت فيه الآية ولا الذين أتوا من بعدهم واستمر الأمر كذلك حتى عصرنا الحاضر، وإن كان من مضوا قد فهموها بحسب المدلول اللغوي لكلمة «حرج» في ذاك الوقت.
قرأ ابن عباس هذه الآية السابقة ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ ۚ﴾ فقال: هل هنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم قال: ما الحرجة فيكم؟ قالوا: الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه فقال ابن عباس كذلك قلب الكافر.
وقرأ عمر بن الخطاب الآية ذاتها فقال: إيتوني برجل من كنانة واجعلوه راعيًا، فأتوا به فقال عمر: يا فتى، ما الحرجة فيكم؟ فقال: الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة، فلا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير.
فابن عباس وعمر رضي الله عنهما قد استأنسا- كي يفهما المدلول اللغوي الواقع لهذه الكلمة «حرج»- برأي هذين الرجلين اللذين يعرفان بحكم طبيعة المكان الذي كانا يعيشان فيه المدلول العملي، أو المفهوم الواقعي لكلمة «الحرجة» وبناء على ما سمعا منهما شرحا الآية استنادًا إلى مدلولها اللغوي، إلا أنهما لم يربطا مفهوم هذه الكلمة بما أتى بعدها وهو ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚۚ﴾(الأنعام: 125).
فما علاقة «حرج» بالتصعيد في السماء؟ ما كان بإمكان ابن عباس ولا عمر ولا أحد غيرهما أن يعرف شيئًا عن طبيعة هذه العلاقة بين الحرج والتصعيد في السماء التي في الآية لم يكن بإمكان أحد قبل القرن العشرين أن يعرف معنى هذا التركيب الذي أنزله الله في كتابه ولا العلاقة بين الحرج والتصعيد في السماء، كان لابد من الانتظار هذه القرون حتى تتقدم معارف الإنسانية في العلم، ويتمكن الإنسان من الصعود في السماء إلى أعلى طبقات الجو بالطائرات، وليعاني هذه المشكلة بشكل عملي مباشر.
وأستبق لأقول: إن المعنى الحقيقي لكلمة «حرج» وعلاقته بالتصعيد في السماء كما ورد في الآية الكريمة، هو ما يطابق المفهوم الفيزيائي الحديث المعنى «الحرج» بفتح الراء أو كسرها.
لقد تبين جليًّا معنى «الحرج» في العصر الحديث، عندما حلق الإنسان في السماء بالطائرات إلى الطبقات العليا من الجو، وعاني ولأول مرة وبشكل عملي، من ضيق وحر الصدر الذي رافق صعوده في السماء، ولأول مرة أصبح معنى ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ﴾ واضحًا جليًّا.
كلنا يعلم اليوم أن الإنسان وهو على سطح الأرض وعلى مستوى سطح البحر، يتحمل جسمه أو قل يحمل ثقلًا «وزنًا» يضغط علي بما يقارب ۲۰,۰۰۰ كجم على كامل جسمه على اعتبار أن مساحة أو سطح جسم الإنسان يساوي تقريبًا«٢٠,٠٠٠ سم»، أي أن كل ١سم من جسم الإنسان يتحمل ضغط واحد كيلو غرام وهو وزن عمود الهواء الواقع على كل ١ سم٢ من الجسم. إن هذا الوزن أو الضغط الكبير لا يشعر به الإنسان، لأنه اعتاد عليه وولد فيه، بل لا يمكنه أن يعيش بدونه فإذا صعد الإنسان بالطائرة إلى أعلى في السماء قل وزن الهواء الواقع على جسمه تدريجيًّا مع صعوده إلى الأعلى أي قل الضغط الذي يحيط بجسمه وهو على سطح الأرض وبالتالي فإنه يعاني من نقصان هذ الضغط «ثقل الهواء» على جسمه، وتبدو هذه المعاناة واضحة على الإنسان إذ يشعر بالضيق والحرج في صدره «قلبه» مع تدرج صعوده إلى أعلى فيغمى عليه أولًا ثم يصعد إلى النقطة «الحرجة» فيموت، ويكون سبب موته عندها تفجر شرايين قلبه أو دماغه، إذ يزداد ضغط الدم على جدرانها الداخلية بقوة ولا يوجد ما يقابل هذا الضغط الداخلي للدم من الضغط الخارجي الذي اعتاد عليه وهو ضغط الهواء على سطح الأرض!
لقد صورت الآية القرآنية هذا الإحساس وهذه المعاناة عند الإنسان أدق وأصدق تصوير، عندما وصفت ذلك، بأن الله ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ﴾ «انتبه إلى كلمة يصعد التي تشير إلى التدرج في لعملية». إن مفهوم الضيق والحرج الذي يعانيه قلب الإنسان في هذه الحالة، هو المفهوم الفيزيائي الحديث ذاته الذي كشف عنه العلم حددته الدراسات الفيزيائية يذكر أن الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أرادوا أن ينقلوا العالم الذري «ريزر فورد» ويهربوه من بلده إلى أمريكا، كيلا يقع أسيرًا في أيدي الألمان بعد أن أحاطت قواتهم الغازية ببلده فأرسلوا طائرة خاصة لتحمله من بلده إلى بلاد هم الحلفاء، وعندما ركب بها «ريزر فورد» الطائرة أعطاه قائدها قبعة الرأس الخاصة التي من خلالها سيتم الاتصال بينهما، وقد ركب في المقعد خلف الطيار وعندما جرب «ريزر فورد» أن يلبس القبعة وجدها صغيرة جدًّا على فرماها، ولما وصل الطيار فوق جيش العدو، خشي أن يكتشف وتسقط طائرته، فأراد أن يحلق فوق الغيوم ليختفي عن أنظارهم، فأخبر «ريزر فورد» عن طريق الهاتف المتصل بالقبعة، أن يأخذ احتياطه، لأنه سيصعد إلى فوق الغيم، ولما لم تكن القبعة على رأسه، فإنه لم يسمع التحذير وبعد أن تجاوز الطيار الخطر قال له: لا بأس بأن ونظر خلفه فوجده ملقى على أرض الطائرة مغمى عليه وكاد أن يموت.
إننا اليوم نسافر بالطائرات التي تطير على ارتفاعات عالية، بمتوسط ٣٠ إلى ٤٠ ألف قدم فوق الأرض دون أن نعاني هذه الحالة التي ذكرناها، لأن الطائرات الحديثة مصممة على أن يبقى الضغط الجوي بداخلها مقاربًا للضغط الجوي على سطح الأرض، أما في الماضي فكانت تستخدم «بزات» خاصة يشدها الطيار على جسمه لتضغط عليه ولتخفف من تأثير انخفاض الضغط الجوي.
نعود لبيان ما ذكره القرآن عن هذه الحالة المصاحبة لتصعد الإنسان في السماء، وهو الضيق والحرج الذي يصيبه وهو في الطبقات العليا من الجو، عندما يقل الضغط الخارجي كثيرًا مما يؤدي إلى أن يضغط الدم بقوة على جدران الشرايين كلما خف الضغط الجوي الخارجي، حتى يصل إلى المرحلة أو «النقطة الحرجة» بمعناها الفيزيائي الحديث التي قد تؤدي إلى الموت كما ذكرنا.
حول أدب الأطفال
أدب الأطفال في التراث العربي
د. وجيه يعقوب
أدب الأطفال- كما نعلم- يشترك مع أدب الراشدين في العناية بالتعبير والتصوير فنيًّا ووجدانيًّا عن العادات والآراء والقيم والمشاعر وغيرها من العناصر اللازمة للإبداع الأدبي، لكنه يتميز- في الوقت ذاته- بأنه يراعي حاجات الطفل وقدراته ومراحله العمرية المختلفة.
وقديمًا كانت الفكرة الشائعة، هي أن الطفل رجل صغير، لذلك لم يجد المربون غضاضة في تبسيط كتابات الكبار وتقديمها للأطفال، والواقع أن الطفل ليس رجلًا صغيرًا، لكنه يعيش مرحلة مختلفة، حيث إن حاجات الأطفال وقدراتهم وخصائصهم تختلف في اتجاهها عما يميز الراشدين، فهناك صفات معينة تختص بها الطفولة وحدها، وهي تزول عندما يكبر أولئك الأطفال.
ولعل هذا هو ما دفع كثيرًا من الباحثين إلى الاعتقاد بأن أدب الأطفال حديث النشأة عرفه العالم في بدايات القرن العشرين بعد تطور دراسات علم النفس، وأنه لا توجد صلة بين ما نكتبه اليوم للأطفال وبين ما كان يكتبه الأدباء قديمًا، وأنه لا يوجد مفهوم واضح لأدب الأطفال في تراثنا العربي.
ولاشك أن هذا الكلام فيه كثير من المبالغة، وينطوي على جهل بالتراث وبمفهوم الأدب عمومًا، فقد تحدثنا في حلقة سابقة عن اهتمام الإسلام بالطفولة، وإدراك الرسول صلى الله عليه وسلم لطبيعة الأطفال وحاجاتهم النفسية والتربوية، ومن ثم حرص على إرشادهم وتوجيههم بلغة تناسب إدراكهم، وفتح المجال بذلك أمام الكتاب والمربين لكي يستلهموا الأفكار العظيمة والطريقة التي يعرض فيها هذه الأفكار، أو القالب الفني كما نقول.
وعندما نتصفح تراثنا الديني والأدبي والفكري- على غزارته- نجد إدراكًا واضحًا لطبيعة الأطفال وما ينبغي أن يقدم لهم. ويمكن تصنيف الكتابات التراثية القديمة التي تصلح للأطفال إلى:
أعمال كتبت خصيصًا ويقصد بها أصحابها الحديث المباشر إلى الأطفال، وأكثر هذه الحكايات لم يدون، وكان المعلمون والمريون يلجأون إليها للتأثير على الأولاد، وقد حفظ لنا الجاحظ في كتبه، عددًا كبيرًا من هذه الحكايات والنوادر على السنة الوعاظ والمعلمين والمؤدبين، وأظن أن الكثير من هذه القصص قد ضاع مع ما ضاع من تراثنا.
وكتاب الإمام أبي حامد الغزالي «أيها الولد المحب» عبارة عن رسالة بليغة في التربية يتوجه بها الغزالي إلى أحد تلامذته، ردًّا على سؤال التلميذ: أي العلم ينفعني وأي أنواع العلوم لا ينفعني؟ هذه الرسالة القصيرة احتوت على فوائد وأسرار كثيرة في تزكية النفس وطهارة القلب، وهي لا غنى عنها لمن يريد أن يكتب في التربية.
وهناك كتاب مهم لابن ظفر الصقلي ذكره الشيخ أمين الخولي في كتابه عن الإمام مالك عنوانه «أنباء أبناء النجباء» وواضح أنه يترجم لحياة الأطفال النابغين والنبهاء، وأظن أن الهدف التربوي والتعليمي والتثقيفي للطفل كان الدافع لتأليف هذا الكتاب، ولعل هذا الكتاب هو أقدم ما كتب في هذا الباب، وقد وجدنا في العصر الحديث كتابات كثيرة تتحدث عن طفولة العظماء، أظن أيضًا أنها قد تأثرت بهذا الكتاب أو بفكرته، ولكني لا أجزم بذلك.
أما الصنف الآخر من الكتابات التي لم تكتب للأطفال، ووجد فيها الأطفال بغيتهم وأقبلوا على قراءاتها، فهي أكثر من أن تحصى، ويأتي في طليعتها كتاب كليلة ودمنة، ويرى كثير من الباحثين أنه من تأليف عبد الله بن المقفع وليس ترجمة عن الفارسية أو الهندية كما هو شائع- وقد قرأ لافونتين- الذي يعد من رواد الكتابة للأطفال- كليلة ودمنة وتأثر بها.
وقد جذبت كتابات الجاحظ الأطفال نظرًا لروعة أسلوبه، وخفة روحه في الكتابة، وميله إلى الأسلوب الساخر، الذي يكشف عيوب المجتمع بقصد نقدها وتغييرها.
وهناك الكثير من الكتب التي تقدم زادًا ثقافيًّا وفنيًّا للأطفال مثل المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي، ونهاية الأرب والكامل وغيرها، وقد جمع الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم ومحمد أحمد جاد المولى وعلي محمد البجاوي مئات القصص التي تغطي معظم جوانب الحياة، ونشروها في أربعة مجلدات كاملة، وهذه الوفرة تدل على تراث أدبي وقصص عريق للأطفال.
بقيت ملاحظة أخيرة وهي ذات دلالة، حيث لجأ كبار كتاب الأطفال إلى استلهام تراثنا القصصي وقدموه للأطفال برؤية معاصرة، وكثير من كتاب الغرب لا ينكر تأثيره بكليلة ودمنة وألف ليلة وليلة وإخوان الصفا ونوادر الجاحظ ومع ذلك حين بدأنا الكتابة للطفل في عالمنا العربي، لجأنا إلى النقل والترجمة عن لافونتين وسويفت وتشارلز بيرو، وأهملنا تمامًا الكنوز الدفينة في هذا التراث، بل راح البعض يهاجم استلهام هذا التراث والنقل عنه.