العنوان المجتمع الثقافي (1621)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004
مشاهدات 77
نشر في العدد 1621
نشر في الصفحة 50
السبت 02-أكتوبر-2004
العيون الزرق
وفاء الحمري
فتح عينيه المثقلتين بصعوبة بالغة، تلقفه الظلام الدامس، ظن في البداية أنه فقد البصر، لولا خيوط ضوئية بيضاء تزحف أمامه المرة بعد المرة، رفع رأسه في محاولة للنهوض فارتطم جبينه بسقف خفيض، لكنه كان كافيًا ليرفعه إلى عنان السماء مع النجوم المتلألئات والأنوار الساطعات لبضع ثوان، ثم ينزل مرة أخرى إلى الأرض، أرض الواقع يتحسس صفحة وجهه بكفيه الغليظتين اللتين شاكتهما شعيرات شاربه لينزعهما بخفة من هناك، ويعود بهما إلى هنا جهة صدره وبطنه ورجليه، كاد يحمد الله على سلامة بدنه لولا انسياب ساقه اليمنى من بين يديه لتسقط بجانبه دون أن يشعر هو بأي شيء، مد كفه لساقه اليسرى فأسقطها على الجانب الآخر، لم يشعر بشيء، أي شيء، لا إحساس لا حـيـاة، لم يدر كيف تجـسـدت له لحظتها كل صور القبر وأهواله التي قرأ عنها في الكتب، لوحات ظن للحظة أنه جزء منها، راح مـغـيـبـًا فـي اسـتـهـاماته المرعبة حين أحس بیدین تشدان شعره بقوة وتسحبانه إليها، فبدأت الرؤية تتوضح والظلمة تتبدد، والحقيقة تتجلى قائمة منتصبة أمامه، بعيون زرق وشعر أشقر وبنية رشيقة، سلم عليه بسخرية وسأله إن كان مستعدًا للجولة الثانية، أبدًا ما فعلت فيه لفظة مثل ما فعلت لفظة جولة، لم يكن المسكين يظن أن هذا النوع من البشر يحمل مثل تلك القساوة، سكنت في مخيلته سحنة الجلاد السمراء وعيونه السود وشنبه الكث ولغده المتدلي وبطنه النافر، لذلك كانت جولته الأولى مع الجلاد الأشقر الرشيق الحليق مفاجأة بكل ما تحمله اللفظة من معنى.
حين أوقف الرجل قبل أشهر عند الحاجز المروري بين الفلوجة والنجف، ووضع في السيارة العسكرية الأمريكية لم يرف له جفن ولم يسرع له نبض، استلقى بثقة وكبرياء على مقعد السيارة يتأمل في السحنات البيض الجميلة والعيون الزرق البريئة، تبادل التحية مع الجند المرافقين له، وحاول السؤال عن سبب توقيفه وحمله معهم في السيارة العسكرية وهو الحامل لبطاقة هوية عربية وجنسية عراقية، بل الأكثر من ذلك حامل المودة صافية للقوات التحريرية الأمريكية، وكاد يفتخر بأنه أول من نزل بالنعل على وجه تمثال صدام حين سقوطه، وأول من التقطت له الصور بفرحة الإطاحة بالعدو الطاغية بيد الصدق الأمريكي الحنون، بل كاد ينزل عناقًا على ذلك العسكري الأمريكي الذي أوكل إليه مرافقته لولا انطلاق السيارة بسرعة فائقة زحزحته من مكانه ليعود إلى موقعه صامتًا.
أنزل في باحة السجن، سجن أبي غريب، وهو ليس عنه غريب، يعرفه جيدًا، بل كان من أشهر نزلائه أيام الطاغية، هناك تعرف على الجلادين الذين سبق وصفهم، اهتز فؤاده للحظة، لكن نظرة واحدة من عيون الجندي الزرق كانت كافية لتعيد إليه السكينة.
أدخل زنزانة التعذيب، لم يستطع لحظتها امتلاك مشاعره التي جمعت من كل ذكرى مرعبة وصورة مفزعة، ظن للحظة أن الأمريكيين فتحوا السجن للزوار حتى يقفوا على مدى الخروقات الحقوقية والتجاوزات اللاإنسانية التي كانت تحصل، بل أكثر من ذلك ظن أنه اختير كشاهد شرف سجين سابق ليشهد على ما كان يحصل هناك، حتى أنه -وبدون شعور منه- بدأ في تعديل ياقة قميصه ونفض الغبار عن سرواله ولمع في غفلة من نظرات الجنود حذاءه بقطعة منديل ورقي، حتى تطلع الصورة في أبهى لقطاتها فيراها أبناء العشيرة والأهل والجيران على شاشات التلفاز واضحة صافية، فيفخرون بابن البلد الذي دافع باستماتة ضد الحكم الظالم مستعينًا بأمريكا ودول التحالف، كان صاحبنا كاتبًا صحفيًا ذا قلم ذابح ولسان جارح وشكيمة لم تضعف أمام العذابات التي تلقاها إبان حكم صدام.
تقدم بفخر مع العساكر الأمريكان إلى داخل زنازين التعذيب، إلا أنه استعجل حضور الصحافة والإعلام والكاميرات لتصوير وتوثيق الحدث البارز، وراح بخياله بعيدًا مع ألوان الطيف التي تبدت له بعد لحظات بألوانها الطبيعية، ينبوع دم أحمر تفجر من أنفه وفمه جعله يرفع يديه ليتحسس الجرح فيتلقى لحظتها ضربة قوية تحت بطنه من عقب رشاش الجندي الأشقر الذي رافقه رحلته الخيالية، فأعاده إلى مسرح الواقع الواضح المعالم نقي الألوان، اللون الأحمر قد رأه رأي العين ولمسه لمس اليد ولعقه لعق اللسان، أما ألوان الطيف الأخرى فرآها باهية زاهية بعد الغيبوبة التي عاد منها للتو.
جره الجندي الأمريكي من شعره من تحت السقيفة وأمره بالنهوض، بحلق فيه صاحبنا بحلقة المنخدع ونظر إليه نظرة المصدوم ركله بقوة على ساقيه فتلاشتا في اتجاهين مختلفين مثل قوائم خروف مذبوح، ركله ثانية ليتأكد من شلل رجليه بالفعل، امتعض الجندي من هذه النتيجة السريعة وهو المليء حقدًا وعدوانًا ورغبة في التنكيل بذلك الصيد الثمين لمدة أطول وبطرق أفضل.
أحس الجندي بامتلاء مثانته، فانتعشت في رأسه فكرة تخفف عنه جموح رغباته العدوانية، وقف قبالة الرجل تبسم بمكر وهو يستمتع بصوت شرشرة السائل وهو يبلل جسد الرجل، وصدق حدس صاحبنا إذ أحضرت للتو الكاميرات الرقمية الحديثة، وأرخت اللحظات الخالدة، لم يخذلوه هذه المرة، حققوا أمنيته بالظهور على الشاشات إذ بعد شهور من الحدث، وجسد هذا العراقي موار في بيته المتهدم داخل كرسيه المتحرك والذي لم يتحرك أبدًا منذ أطلق الأمريكان سراحه بعد استيفاء شروط مغادرة السجن (الشلل التام).
ظل الرجل جامدًا ساكنًا إلى حين عرض تلك الصور الصافية الواضحة، بل علم أنه لم يكن وحده المكرم عند هؤلاء، بل ظهر غيره وهم كثر في وضعيات ولقطات نادرة، بل ومبتكرة، فكانت تلك اللقطات تنطق بمدى الخذلان الذي مني به الرجل وكل من توسم خيرًا في العم سام وزبانيته الذين يسمون أنفسهم المحررين الجدد.
ثروت مكايد عبد الموجود
نحو جيل جديد
لعلك حين تقرأ ما كتب في جرائدنا السيارة، وتطالع أخبار الوقائع الجارية شرقًا وغربًا، يحزنك ذلك الغين الواقع على المسلمين في أرجاء الدنيا، وتحسب أن القوى الغاشمة ظلمتنا حين استباحت الأرض والعرض، ولعلك تبكي وتئن غير أننا في الغالب ننظر إلى طرف واحد من المعادلة تنظر إلى تلك القوى ذات البطش ولا نبصر هواننا نحن وضعفنا المبين، إذ لا تنهش الذئاب غير النعاج وإن هي لم تفعل -أي الذئاب- خرجت عن طبيعتها، وكذا الدول ذات النفوذ تميل بطبيعتها إلى التوسع وبسط نفوذها، فإن هي لم تفعل كان ثمة علة، غير أن توسع الأمم ذات الرسالات السامية يعتبر فتحًا، بينما توسع الأمم ذات النزعات العنصرية استعمارًا أو استعبادًا في الأرض.
ولا يكون استعمارًا وتوسعًا إلا إذا سادت قوة، وترنحت أخرى فإن نظر الناظر إلى بطش المستعمِر -بكسر الميم- دون أن يبصر هوان المستعمر بفتح الميم، ظل في حزنه مقيمًا دون أدون أن يبصر حقيقتنا.
فلا نحن أصحاب غاية تشغل منا الدماغ وتدفعنا دفعًا لعمل يحقق تلك الغاية، ولا نحن أصحاب فكر ومن ثم هوية نرجع إليها لترى على ضوئها في أي سبيل نسير، وماذا نأخذ وماذا ندع؟ وإنما نحن مجموعة من الخراف تتعارك على مرعى أو نعجة، وإلا أخبرني أي فكرة شغلت العقل العربي، وتحرك بها على مدى القرون الأخيرة؟ وأي معركة خاضها ذلك العقل في تلك القرون العجاف؟
لعلك -يا قارئي- تنظر حولك، فترى معارك جمة وفتنا،مدلهمة فتحسب أن العقل العربي يخوض الغمار، ويركب الأخطار لكن قف قليلًا وكرر النظر، وسترى أن معاركنا أشبه بمعارك «دون كيشوت» تلك التي يحارب فيها طواحين الهواء، إنها معارك وهمية كمعارك الصغار، يشعلها الغرب حينًا، وحينًا آخر يشعلها غربان حياتنا الثقافية الضحلة، لتظل الساحة مشتعلة بهاتيك المعارك الوهمية فتبقى المقاعد لأصحابها، ونبقى نحن سوقًا للغرب الاستعماري ومتنفسًا لهوس الطائشين من حكامه، غير أنك قد ترى مثلي -أن- ما تفعله بنا تلك القوى الغاشمة يشمل خيرًا.
يكفي أنها تقضي علينا نحن الأجيال النكدة اللينة الهشة لتأتي من بعدنا أجيال جديدة فيها حياة وفيها عزة الأناسي وشموخ المسلم الذي لا يخضع لجبروت، ولا يستكين لظلم.
الإضافة الثقافية والحضور
محمد السيد
إن الثقافة تتمثل في ما تحمله الأمة من إضافة حضارية، وهذه الإضافة هي التي تحدد مقدار الحضور للأمة، والمكان الذي يمكن أن تتبوأه في المرتقى المكاني والزماني.
في الخروج الأول لأمتنا منطلقة من الجزيرة العربية، حملت في صدور رجالها وسلوكهم جديدًا عظيمًا، بمرجعية التزامية لا تلين، وكانت كلمات ربعي في حضرة قائد فارس «رستم»: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، تحمل ذلك الجديد العظيم الذي لم يعاين مثله ولا قريبًا منه الرجل الفارسي العادي، وقد راودت أحلامه تلك الكلمات التي تنطق نطقًا صريحًا واضحًا من خلال بيان ثقافي فخم بالخلاص من العبودية للبشر، وطأطأة الأعناق لأناس اغتصبوهم الحياة الكريمة الحرة.
كما كانت تلك الكلمات تتكئ على مرجعية واثقة سامقة، تبدأ من حدود كلمات الله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (سورة الإسراء: 70) مارة بسلوك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الأعرابي الذي أمسك به من تلابيبه قائلًا له: إنكم بني عبد المطلب مطل، إذ أوقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض الصحابة الذين هجموا على الأعرابي يريدون البطش به، واكتفى بالقول: كان أحرى بكم أن تطلبوا مني حسن الأداء، وتطلبـوا مـنـه حـسـن الطلب، وأمر بأداء حق الأعرابي وإكرامه.
إذن فإن سيادة العرب المسلمين وفتح البلاد، أمامهم وانتشار دينهم بسرعة هائلة لم يتحقق إلا من خلال الإضافة الثقافية الهائلة المتميزة التي حملوها.
وتتخلى أمتنا اليوم عن هذه الإضافة الثقافية ومرجعيتها، وينفخ فيها المتخاذلون ببوق الحداثانية الإلحاقية، التي لا تحمل معها سوى تقليد الغير والذيلية له بدون تبصر ولا وعي، رغم أن جديدًا يحدث كل يوم، مبرهنًا على أن هذا الغير الذي يراد لنا أن نتبعه لا يحمل إضافة ثقافية مقنعة ولا مرجعية لهذه الثقافة يمكن احترامها، بل إن هذا الغير نراه في مؤتمر ديربان لمكافحة العنصرية يتمسك بإصرار بالعنصرية والدفاع عن سلوكياتها في فلسطين، وتدميرها لكل قيم الإنسان وكرامته هناك، لقد زرعت أمريكا الشوك، وفرضت القهر على الشعوب، وهي تسعى لتثبيت هيمنتها وتفوقها والمحافظة على سيادتها الكاملة على العالم، ولو أنها استخدمت قواها وإمكاناتها الهائلة في سبيل إقامة ثقافة العدل وإنصاف المستضعفين لحصدت الحب والسيادة معًا، ونأت بنفسها عن الكره وثقافة الكره المريرة.
فهل يعي الأمريكيون ومن يدعو إلى تقليدهم مدى ما تلبس ثقافتهم من انحراف فيعيدوا النظر فيها وفي بنيانها العنصري المؤسس على التفوق والهيمنة والقهر والكره بدلًا من إرسال التهديدات يمينًا وشمالًا، والتوعد بالانتقام؟ لقد حقق الأمريكان الحضور، ولكنهم فقدوا حب الآخر وثقته، فهل من تصحيح عاقل متأمل يبدأ من فلسطين؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل