; المجتمع الكويتي وقضية الاختلاف والحوار | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الكويتي وقضية الاختلاف والحوار

الكاتب محمد سالم الصوفي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

مشاهدات 73

نشر في العدد 1265

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 02-سبتمبر-1997

تبرز قضية الخلاف في الرأي والحوار بين أصحاب الأفكار المختلفة بشكل واسع اهتمامًا في الأوساط الكويتية بشكل عام والثقافية والسياسية منها بشكل خاص، ويتضح ذلك جليًّا من خلال الندوات واللقاءات العديدة التي تعقد لتأصيل مفاهيم الحوار والخلاف ومحاولة توظيفها بشكل حضاري يعطي تلك المفاهيم مضامين التنوع والثراء وفي هذا الإطار أقامت لجنة العثمان الخيرية الاجتماعية ندوة ضمت ثلاثة محاضرين وهم: الشيخ محمد ياسر القضماني، إمام وخطيب مسجد النووي، ثم الشيخ وليد الخطيب، إمام وخطيب مسجد بوعركي، ثم الدكتور عاد حسون الخنساء، الأستاذ المحاضر في القانون، وذلك ضمن فعاليات الموسم الثقافي السنوي الذي تنظمه اللجنة بهدف إثراء المناخ العلمي والشرعي في المجتمع الكويتي، وكان موضوع الندوة «أدب الحوار والخلاف».

افتتح الندوة الشيخ محمد العوضي موضحًا الهدف العلمي والشرعي الكامن خلف هذا النشاط الفكري، وبعد ذلك ابتدأ الشيخ محمد ياسر القضماني حول «الخلاف رحمة» مبينًا أن هنالك أخطاء كثيرة شائعة بين الناس منها عدم التمييز بين الخلاف والاختلاف، ومنها اعتبار أن الاختلاف بين الفقهاء شر كبير، وهذه الأفكار أوهام، لأن اختلاف الأمة المحمدية رحمة وتيسيرة وسعة، إذا كان الاختلاف في الفروع طبعًا، فالمذاهب الفقهية ليست أديانًا إنما هي طرق وأساليب تهدف إلى مقصود أعظم وهو فهم لكتاب الله وسنة رسوله، وشريعة الإسلام السمحاء، حتى أن الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء الإسلام كانوا يختلفون في العدد من القضايا فيجد المسلم سعة وتوسعة يأخذ بالأصلح له من الآراء المختلفة، كما أن اختلافهم فكان لا يصل إلى حد الخلاف والمقاطعة والكراهية، بل على النقيض كانوا متحابين متفاهمين، متفقين على مبدأ واحد يتمثل في أن رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وأن هذا الذي رأيناه هو رأي، فمن عنده أفضل منه فليأت به حتى أن أبا حنيفة رضي الله عنه- كان يقول ما ناظرت أحدًا حتى دعوت الله أن يسدد لسانه، بمعنى أنه كان يتمنى أن يكون غيره أصوب منه خلال الحوار والمناظرة، وهذه درجة عالية من التقوى.

وكانت مداخلة الشيخ وليد الخطيب حول حقيقة الخلاف وأسباب الاختلاف، مؤكدًا على أن الاختلاف قد نشأ منذ عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم، ومن أهم أسبابه عدم تواجد الصحابة كلهم دفعة واحدة في مجلس رسول الله، ومنه اختلاف الأفهام والمدارك، وهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومنه أيضًا وجود النصوص التي تتضمن احتمالات وتأويلات متعددة مما يكون معه الاختلاف أمرًا لابد منه حيث من الصعب أن تكون النصوص كلها ذات معنى واحد والعقول كلها في فهم واحد.

وأكد أن وجود النصوص المحتملة مع الأفهام المتفاوتة سوف يعطينا آراء مختلفة، وهذا بالنسبة للفروع، أما بالنسبة للأصول فالنصوص قطعية والعقول ينبغي أن تكون واحدة، فإذا حدث اختلاف فالمرء يأخذ بالأحوط والأورع، وهكذا كان الصحابة والتابعون وفقهاء المسلمين يتعاملون، فإذا وجدنا اليوم خلافات واختلافات وتعصب وتفرق وتحزب فهذا دليل على جهل الناس لأن الفقهاء أنفسهم أصحاب بالآراء المختلفة ما اختلفوا ولا اقتتلوا، بل كان واحدهم يحب الآخر مثل حبه لنفسه أو أكثر، فهذا ابن عباس يختلف مع زيد بن حارثة ومع ذلك فعندما يود زيد ركوب دابته يقوم ابن عباس بحمله عليها، ثم يقودها به، فيقول له زيد: ماذا تفعل يا رجل؟، فيقول ابن عباس هكذا أمرنا أن نتعامل مع علمائنا، فقال زيد: أرني يدك، فأراه يده فقبلها، وقال: وهكذا أمرنا أن نتعامل مع أهل بيت رسول الله؟؟ وهكذا فإن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وهكذا ينبغي أن يكون الخلف مقتديًا بأخلاق السلف، وإلا ضاع الخلف وضاعت أخلاق السلف.

وكانت المداخلة الأخيرة للدكتور عادل حسون الخنساء بعنوان «لماذا الحوار؟» مؤكدًا على أن الحوار هو في حقيقته علاقة بين اثنين لمصلحة الاثنين معًا أو أحدهما، وكذلك لمصلحة المجتمع الذي يضمهما، وأن منع الحوار يعني الإضرار بجميع الأطراف، ثم أشار الخنساء إلى أن من الصعوبة أن نجعل الآخرين نسخًا من تفكيرنا، لأن الله سبحانه جعل الاختلاف بين البشر قاعدة عامة، والاستثناء هو عدم الاختلاف، وكذلك جعل الحوار قاعدة عامة، والسكوت هو الاستثناء، وأنه سبحانه خلق الإنسان بكلمة منه ثم طلب منه أن يقرأ وهي كلمة أيضًا، ثم دربه سبحانه وتعالى من خلال القرآن على الحوار والمحاورة، فقد حاور الله سبحانه ملائكته أولًا: ثم حاور آدم عليه السلام، ثم حاور الشيطان الذي اعترض على السجود لآدم، ثم حاور الأنبياء بطريق غير مباشر، ثم قام سبحانه بمحاورة المؤمنين عن طريق الأنبياء، ثم محاورة الكفار والمشركين والمنافقين، ثم طلب من الناس أن يحاور بعضهم بعضًا لأن الدعاة والعلماء هم ورثة الأنبياء، وهكذا سلسلة كريمة من الحوار والمحاورة.

وأشار الدكتور الخنساء إلى ان اقتلاع الحوار ومنعه يعني اقتلاع جذور الإنسان وشخصيته، ولهذا فإن المجتمع الذي يقلل فيه الحوار أو ينعدم فإنه يكثر شره ويسيطر عليه الاستبداد والتصفيات والتخلف.

وأخيرًا أكد الدكتور الخنساء على أن من أهم فوائد الحوار تدريب الناس على الطرق السليمة لحل خلافاتهم، ثم تغذية العقل وتدريبه على المرونة والفهم والنضج وحسن التفكير، ثم تغيير منهجية التخلف بمنهجية علمية نعرف من خلالها كيف نتعامل مع الآخرين، ثم تنمية الابتكار والإبداع والاختراع، فهذه الأمور تحتاج حوارًا ومناخًا علميًّا يقوم على التعايش والتسامح والارتقاء بالنظرة المستقبلية، أضف إلى ذلك أن من أهم فوائد الحوار الاستقامة في الطريق الحوار تتعمق المعاني ويتم التعرف على مواطن الخلل ويتقدم المجتمع تقدمًا صحيحًا.

"


الرابط المختصر :