; المجتمع المحلي (1639) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع المحلي (1639)

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1639

نشر في الصفحة 8

السبت 19-فبراير-2005

في ملتقى الشريعة الإسلامية الثاني عشر: «أمن الكويت ضرورة شرعية وأمانة وطنية»

د. المعتوق: الوقت لم يفت لمراجعة النفس وترك الفتاوى الشاذة 

الإسلاميون لا يحتاجون إلى دليل يثبتون به ولاءهم لهذا البلد لكن الذي يحتاج إلى دليل هم الذين ارتموا في أحضان اليسار فكان منهم التفجير والتعدي على أكبر رمزية في البلاد

أخطر أنواع الانحراف.. انحراف الفكر والبعد به عن القصد.. وعلاجه يكمن في تصدي أصحاب المنهج الوسطي له 

نظمت جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت ملتقى الشريعة الإسلامية الثاني عشر يومي ١٣ - ١٤ فبراير الجاري تحت رعاية وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبدالله المعتوق. في الندوة الأولى تحت عنوان «أمن الكويت ضرورة شرعية وأمانة وطنية»، وتحدث فيها الدكتور جاسم المهلهل الياسين أمين عام اللجان الخيرية بجمعية الإصلاح الاجتماعي والدكتور فيصل المسلم عضو مجلس الأمة، وأدارها الدكتور محمد الشطي

د. عبد الله المعتوق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية فقال: إن الله تعالى ميز أمة الإسلام عن الأمم أجمعين بأن كرمها بمهمة الأنبياء وهي الدعوة لهذا الدين بقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران:۱۱۰)

 وجعل الشريعة الإسلامية حماية للمجتمعات ولبقاء الدين في علو وليس غلو، وقرر خط سير أمة الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة:١٤٣).

وهو الذي أمرنا بالدعوة للإسلام ووضع لنا منهجًا لأسلوب الدعوة بقوله ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل:125). فالله تعالى خاطبنا في القرآن وضرب لنا الأمثال والقصص حتى لا يكون لنا حجة يوم السؤال . وحذرنا من قسوة القلوب لأنه جل وعلا يريد بهذا الدين الرحمة لا العنت، وربط انتشاره بلين القلب وحسن الخلق فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران:۱۵۹) 

وأضاف د. المعتوق: إنه مما يؤسف له أن يخرج منا من انحرف خطهم عن الأمة الوسط وأفسدوا في الأرض وانعكست أعمالهم على أمن البلاد والعباد وفتحوا على الإسلام أفواه الحاقدين ويسروا لمن يتحين الفرص لينهش الإسلام وكل ذلك بجريرتهم.

وقال د. المعتوق إنني من هذا المنبر أذكر كل من يشهد أن لا إله إلا الله بأن الحلال بين والحرام بين، وأن الوقت لم يفت لمراجعة النفس وترك الإصرار على اتباع فتاوى شاذة سوف تهلك الأمة لا محالة لو استمر القائلون بها والمتبعون لها، والضحية أمة الإسلام، فوقت العودة إلى طريق الصواب قد آن، وإن الله جلا وعلا لا يظلم الناس ولكن الناس أنفسهم يظلمون. ودعا د. المعتوق أن يحف الله الكويت بعنايته ويجعلها في كنفه وسائر بلاد المسلمين ويهدينا وأبناءنا إلى سبيل الرشاد.

شرطان لتحقيق الأمن

وقال د. محمد الشطي: لعل الأحداث الأخيرة التي شهدتها هذه البلاد الطيبة المباركة دعت الكثير من المؤسسات الشعبية والحكومية أن تتداعى لإقامة مثل هذه الندوات لتبصير شباب الأمة الإسلامية بضرورة حفظ أمن وأمان البلاد. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:92) وهذه الآية الكريمة اشترطت شرطين لتحقيق الأمن في البلاد والعباد الأول: الإيمان والثاني ألا يخلط المسلم إيمانه بظلم أو شرك أو معصية. 

حتى عز ذلك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يارسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:13).

وشدد د. الشطي على أن الكل ينشد الأمن والأمان. ولذلك كان شعار الملتقى «أمن الكويت ضرورة شرعية»، لأنه لا يستطيع الإنسان أن يقيم الأمن شعائر الله سبحانه وتعالى مع عدم وجود الأمن و«أمانة وطنية» لأنها مسؤولية الجميع دون استثناء أفرادًا ومؤسسات.

عطاء مشهود

ومن ناحيته أثنى د. فيصل المسلم عضو مجلس الأمة على الجمعيات الإسلامية والخيرية على عطاءاتهم ومواقفهم المشهودة.

 وأكد د. المسلم أن الجمعيات الإسلامية لا تحتاج إلى الثناء أو الشكر، ولكنه يجد نفسه مجبرًا على أن يقول لهم جزاكم الله خيرًا، بعد الحملة المسعورة التي يتعرضون لها من بعض المرضى وأصحاب الأهواء. 

وعن أهمية الأمن أكد د. المسلم أنه لا يعرف قيمة الأمن إلا الذي فقده، فكل شخص لا يستطيع أن يعبد الله إلا في جو آمن.. ولا يمكن أن يزدهر المجتمع أو يتطور إلا إذا نعم بالأمن.

 ولذلك حرص الإسلام على الضرورات الخمس: حفظ النفس والدين والعقل والعرض والمال.

وأضاف د. المسلم أن ما نراه من ملابس فاضحة في الشارع هي لبناتنا وليست لأناس من الخارج.. فأين الآباء وأولياء الأمور؟

نشر الوسطية

ونبه د. المسلم إلى ضرورة في نشر وسطية الدين واعتداله من خلال منهج كامل متكامل ودائم وليس رد فعل، وأن تقوم الجمعيات الإسلامية والديوانيات والنقابات والاتحادات الطلابية وكافة أطياف الشعب بدورها في ذلك الأمر. كما يجب أن تعلم الحكومة أن هذا واجبها سواء من الناحية الشرعية أو العقلية أو مواد الدستور، فحفظ الأمن والأمان أحد واجبات حكومات الدول.

تغريب المجتمع

وتعجب د. المسلم من مطالبة البعض بمواجهة هذه الأحداث عن طريق تغريب المجتمع وانفتاحه وحيى د. المسلم صمود وزير التربية في وجه تغريب المناهج، وتعجب من هذا التيار الاستغلالي الذي تحرك بعد وقوع الأحداث مباشرة للمطالبة بتغيير المناهج ويقصدون بها المواد الإسلامية والفكرية والتربوية، وطالب د. المسلم وزارة الأوقاف بضرورة زيادة مناهج الإيمانيات والدروس والمواعظ، فهي العلاج لهذا المجتمع، مشيراً إلى أهمية تطبيق ميثاق المسجد على كل مساجد الكويت وأئمتها.

وشدد د. المسلم على ضرورة إنشاء قناة فكرية دينية ثقافية، موضحًا أن وزير الإعلام السابق رفض هذا المشروع بزعم تكلفته الكبيرة، ومازال الوزير الحالي يعدنا بتنفيذه. وأكد المسلم أن السعي لتطبيق الشريعة الإسلامية يجب أن يكون على رأس الأولويات، مشيرًا إلى ضرورة الدعم الشعبي لمجلس الأمة في هذا الصدد.

معالجة متكاملة

وقد ألقى الشيخ الدكتور جاسم مهلهل الياسين في الملتقى محاضرة ضمت معالجة متكاملة لأحداث العنف التي شهدتها الكويت مؤخرًا. وفيما يلي نصها: 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:8).

 بعد أن هدأ قليلًا صوت الرصاص، وانتهت مرحلة الصدمة التي عاشها الشعب الكويتي المسالم، وهو يرى هذه المطاردات البوليسية بين رجال الأمن وبين هذه الفئة التي ضلت سبيلها وانحرفت عن جادة الحق، وبعد أن خفت أصوات الشجب والاستنكار والإدانة والتي كان مبعثها عاطفة وطنية جياشة، وبعد أن استغلت أصوات أخرى الحدث لتصفية حساباتها السياسية مع خصومها السياسيين، ومحاولة التحريض الفاضح على التيارات الإسلامية، بل وحتى على الشعائر التعبدية المحضة مثل المساجد ودور القرآن.

بعد هذا كله نؤكد أن ما نريده الآن الارتقاء بالوحدة الوطنية إلى ما فوق الخلافات، وسياسة التوتر الدائمة والاصطياد في الماء العكر، ومحاولة إضفاء نفس حزبي أو طائفي أو شعوبي على كل حدث في الكويت سيجعل الشارع متوتراً لفترات طويلة، وستكون الممارسة الديمقراطية في نتائجها الهزيلة ضحية ما يحدث من استغلال سيئ لوسائل الإعلام والتعبير التي تحولت إلى سيوف تطعن في الثوابت الوطنية وتطعن المجتمع الكويتي الذي نشأ على التعاون والتعاضد والتكاتف والوحدة الوطنية. نعم نحن مع حرية الرأي والتعبير لكننا مع حرية الرأي المسؤولة، التي تطرح فكراً مدعماً بالحجة والدليل والبرهان. ولا يهمنا درجة مخالفته أو اتفاقه مع باقي الآراء المطروحة، ما دام ملتزماً بالحد الأدنى من آداب الحوار والمصداقية، ولكننا من جهة أخرى ضد أصحاب أقلام الفتنة. فهؤلاء هم الذين يضعون النتيجة سلفاً ثم يبحثون بعد ذلك عن أساليب لي عنق الحقيقة للوصول إلى النتيجة المبتغاة مهما كانت الوسيلة في ذلك، والتي تبدأ بتصفية الرأي الآخر ، والانتقال من التجريح في الفكرة إلى التجريح في الشخص، مع إيراد كمية من المعلومات غير الدقيقة، والاجتزاء المخل من أفكار الطرف الآخر، وانتهاءً بالافتراء وتشويه السمعة، واختلاق الأحداث والأخبار التي لا وجود لها إلا في مخيلة كاتب المقال، وربما القفز وتجاهل نفي الطرف الآخر لحدوث تلك الأخبار.

أحبتي الكرام: إن الإسلاميين بل والمجتمع الكويتي بكل فئاته لا يحتاج إلى دليل يثبت فيه ولاءه لهذا البلد فهم عبر التاريخ كانوا نموذجًا للعطاء والبذل، وقد أثبتت أحداث الثاني من أغسطس عام ١٩٩٠ هذه الحقيقة، ومحاولة 

هذه الأعمال الصبيانية تصدر من نبت مغرر به.. لا علاقة له بالنهج الإسلامي الكويتي والخليجي المعروف بالاعتدال

 المزايدة عليها لن تأتي بنتيجة لهؤلاء المرجفين، بل إن الذي يحتاج إلى دليل يؤكد به ولاءه، هو هذا النبت الغريب الذي ارتمى في يوم من الأيام في أحضان اليسار بكافة أطيافه من قوميين عرب وماركسيين أو بعثيين «ميشيل عفلق» وحتى التنسيق مع جيفارا وكوبا، فكان منهم التفجير والتعدي على أكبر رمزية في البلاد في الستينيات، ووزارة الداخلية في الشامية ومحاكم أمن الدولة دليل صارخ على هذا الأمر. 

وبعد أن سقط الخيار الماركسي الشيوعي بكل أشكاله اليسارية التفت هذا النفر أو أفراخهم - بعد أن التهى الكبار يجمع المال والارتماء بكل الأحضان - نقول: ألتفت هذا النبت الجديد من أصل الشجرة القديمة والغريبة إلى المجتمع الكويتي، فرأيناهم يرتمون في أحضان السفارات الغربية وينسقون تنسيقًا كاملًا مع السلطات الأجنبية وعلى رأس هذا التنسيق الترتيب المسبق مع السفارة الأمريكية في الكويت.

إن التيار الإسلامي برموزه وعلمائه والتحاقه بالمجتمع أكبر وأسمى من أن يلتصق بهذه الأعمال الإجرامية الصبيانية التي أتت من نبت مغرر به. لا علاقة له بالنهج الإسلامي الكويتي والخليجي المعروف بالاعتدال والوسطية لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هو مستورد من أناس يعيشون في ظروف نفسية ضاغطة وتأزمات اجتماعية معقدة. دفعتهم إلى مثل هذا الأمر فكتبوا ما كتبوا من مؤلفات ومصنفات، من يطلع عليها يشعر بنفسية متوترة ومتحاملة على كل فئات المجتمع إلا من يدخل ضمن إطارهم وأفكارهم.

إنه من المهم جدًا لفئات المسلمين المختلفة لزوم الجماعة المسلمة وعدم الشذوذ عنها قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:105)

وفي شرح العقيدة الطحاوية يقول المؤلف: «ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف

والفرقة».

وهنا نقول إنه ليس المراد بلزوم الجماعة إقرار الانحراف الذي لا يخلو منه مجتمع إسلامي بطبيعة التكوين البشري، ولكن بإنكار المنكر بالوسائل الشرعية المعتبرة وضوابطها وآدابها التي لا تتحول معها عملية الإنكار إلى رصاص يغتال الآمنين والأبرياء. فأي منكر هذا الذي يتم تغييره بسفك الدماء وانتهاك الحرمات؟!

والإسلام في حرمة النفس البشرية يتعامل بمنهج الوقاية، فالإسلام بتعاليمه السمحة وشرائعه العظيمة قد وضع سداً منيعاً دون إحداث أي خلل في المجتمع، فليست الجرائم وحدها التي حرمها الإسلام، بل إنه حرم المداخل المؤدية إليها. 

ولذا حرمت تعاليم الإسلام حمل الحديدة في وجه المسلم وجرمت ترويع المسلم بقول أو فعل من باب إقفال المنافذ المؤدية إلى الإجرام، ومن الخطورة قتل النفس المعصومة شرعًا. فحرمتها كحرمة مكة وحرمة يوم عرفة، حيث قال عليه السلام في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، وحرمة الدماء أعظم عند الله حرمة من الكعبة المشرفة. 

قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء:93). 

وقد ورد في الأحاديث الشريفة من التغليظ في قتل المسلم ما يفسر هذه الآية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم» «رواه الترمذي الجامع الصحيح- ١٣٩٥، والنسائي في السنن ۳۹۸۷». 

وأحسب أن التيار الإسلامي محتاج اليوم إلى سبعة موازين لا يجب أن يغفل عنها في تعامله مع هذه الأحداث الإجرامية وهي:

 الميزان الأول: العقيدة

وإرجاع الأمور كلها لله سبحانه وتعالى، وضرورة اللجوء إليه واستشعار الافتقار إلى عونه وتوفيقه، فهو سبحانه وتعالى المعطي والمانع وهو الضار والنافع، وهو سبحانه على كل شيء قدير، وهو القادر على حفظ دعوته ونصرة أوليائه ودفع الأذى والشر عنهم، ولا يكون شيء إلا بأمره.

 الميزان الثاني: الوسطية

فكثيرًا ما ينشغل الدعاة بمحاربة التفريط، ولكنهم مقصرون بشكل جلي في محاربة يحول دو الإفراط والدعاة - إلا من رحم الله – على الرغم من مهامهم الجليلة في القيام بواجبهم في التنبيه على الناس في النهي عن التفريط.

 الميزان الثالث: التثبت

ففي الفتن تكثر الشائعات ونقل الحقائق، وربما نسب إلى بعض الدعاة والمشايخ والعلماء ما لم يقولوه. وربما قالوا شيئًا وتم تحريف أقوالهم حسب الأهواء والأغراض والمصالح، فالأصل في المؤمن والدعاة على وجه الخصوص التثبت من الأقوال وعدم ترك النفس لرغباتها في تصديق ما يرفضه العقل، أو يخالف مواقف العلماء والمشايخ المعلنة. حتى يأتيه الدليل المبين توجيه على ما قالوا، وليتثبت أكثر من صحة النقل.

الميزان الرابع: الثبات

فالأزمات كالعواصف التي تهز سفينة الأمة، والمحن التي تصيب القلوب الضعيفة بالهلع تجعلها كورقة في مهب الريح، فتحتاج النفوس حدثت في إلى التثبيت والثبات على دين الله. فلا يخرج الداعية من المحنة سليم البدن مصاب الروح، وقد مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم محن وأزمات لو اجتمعت على أمة لأهلكتها، ولكنه عليه الصلاة والسلام صمد لها صمود الجبال الرواسي وقهرها يحسن اتصاله بمولاه، وصبره وصموده وتضحياته في سبيل تبليغ الرسالة إلى أمته.

 الميزان الخامس: میزان الالتزام

فبعض الدعاة وأمام أبواب الفتن والمحن يضعف التزامه أو يتلاشى، وربما استصعب مسيرة الدعوة رغم يقينه بصواب خطواتها.

 الميزان السادس: الصبر

فكثيرًا ما أدى الاستعجال بالدعوات إلى الهلاك والفناءK وهدم كل ما بنته الدعوة خلال سنوات بسبب القفز على سنة الأناة والتدرج والحلم والحكمة، فأصعب أنواع التغيير تغيير النفوس، ومحاولة التغيير التي تتم دون فهم للظروف والملابسات المحيطة ودون إعداد جيد. ودون البذل والتضحية والعمل في المجتمع وإصلاح الناس ودون مقومات قوية وأساليب مبدعة ووسائل مقنعة. هذه المحاولة ستأتي بنتائج قد تأتي على بنيان الدعوة ومؤسساتها.

الميزان السابع: علو الهمة

فالفتور بين الدعاة من الخسائر الداخلية غير المحسوبة في ميدان الدعوة، وهو الذي يحول دون تحقيق الأهداف وإطالة المدة الزمنية لإنجاز التكاليف والبقاء في المربع الأول لفترة طويلة بسبب مرض التسويف الناتج عن الفتور والكسل والتراخي والتباطؤ في أداء الأعمال الدعوية.

العمل الخيري المظلوم

من الضروري في هذا المقام أن تلفت النظر إلى حالة الحزن التي تصيب المؤمن وفاعل الخير، عندما يتم «حشر» العمل الخيري في كل قضية مثارة على الساحة، ففي أي تجاذب سياسي أو توتر بين التيارات السياسية يتم توجيه الاتهام إلى العمل الخيري، حتى أصبح الناظر إلى الساحة الكويتية يظن أنه سبب كل المشكلات والتوترات والقضايا الكويتية.. ونريد أن نعرف حقيقة: ما علاقة العمل الخيري بهذه الأعمال الصبيانية الإجرامية التي حدثت في الكويت؟ 

لا نفهم حقيقة هذا الهجوم على العمل الخيري الذي يتم بسبب ومن غير سبب، فإذا كانت الإدارة الأمريكية شهدت قبل فترة قليلة بأن أموال العمل الخيري تذهب إلى مصارفها الشرعية. فماذا يريد هؤلاء المشككون في العمل الخيري؟ فلم يجبرهم أحد على التصدق. وأمامهم ألف وسيلة وباب إن فكروا يومًا بعمل الخير ولا تمر هذه الوسائل باللجان الخيرية، فلماذا هذه المحاولات لإبطال صدقات ديرة الخير «الكويت» بكثرة المن والأذى قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ (البقرة: 264)

إن العمل الخيري - على عكس ما يعتقد المرجفون والمغرضون - صمام أمان لهذا البلد الكريم، فصنائع المعروف هي التي تقي مصارع السوء، والعمل الخيري من جهة أخرى باب مفتوح للشباب الكويتي ليفرغ طاقاته وينمي إمكانياته ويزيد من خبراته الميدانية، بدلًا من صرفها في مصارف الغلو والتطرف، أو الانحلال والفساد وإيذاء العوائل في الأسواق والمجمعات التجارية. 

والعمل الخيري كذلك صمام أمان من خلال رعايته للفقراء، حتى لا تضغط عليهم الحاجة والفقر فيحقدوا على المجتمع ويحاولوا الإضرار به، فيصبحوا مادة خامًا صالحة للاستخدام في صناعة الإرهاب.

لا نعلم حتى متى يبقى العمل الخيري شوكة في عيون بعض الناس، بينما يراه كل إنسان معتدل وردة جميلة على تاج الكويت.

التطرف والتطرف المقابل

إن التطرف الحاصل في العالم العربي اليوم له وجوه كثيرة، ولا نحسب أن التطرف في الدين فقط، فالتطرف في الدين - أحيانًا - قد يكون رد فعل للتطرف في الدنيا، وقد يتغذى التطرف الموجود على التطرفات الأخرى التي تواجهه، فمن التطرف مقابلة العنف الموجود والمنبوذ بعنف مقابل يأخذ المحسن بجريمة المسيء، ويعامل الناس على الظنة، ويهمش أنواع العلاجات الأخرى التي تجفف منابع هذا التطرف وتعزله. 

ومن التطرف أيضًا المبالغة في تحليل الحدث ورصده وتحويله إلى ظاهرة مستوطنة في الكويت، فما هو ظاهر الآن أنه تطرف مستورد يتخذ مرجعيته من رموز خارج الكويت. 

ومن التطرف -أيضًا - الهجوم على فريضة الجهاد وتسفيه الداعين إليها واتهامهم بتهم الإرهاب والخروج عن القانون الدولي، لمجرد أن هذه الفئة الباغية لم تحسن فهم الجهاد ولا میدانه ولا نصوصه الشرعية ولا ضوابطه ولا آلياته، وخصوصًا أن القرآن يحدثنا بأن التدافع البشري سنة ماضية إلى يوم القيامة. 

ومن التطرف - أيضًا - المقابل لتطرف التكفير تطرف تمييع الولاء والبراء وخلط الأوراق بين ما تتطلبه العلاقات الدولية من اتفاقات ومعاهدات تقتضيها المصالح الدولية والإقليمية، وبين الحب والميل القلبي والتعلق بالغرب وأسبابه من دون الله وشريعته وجماعة المسلمين.

ومن التطرف -أيضًا - أن يُتحول من الهجوم على هذه الفئة الباغية إلى هجوم على الدين وشعائره   وسننه وفرائضه ودعاته ورموزه .

 والدعوة إلى فتح أبواب الفساد ونشر الفواحش والاختلاط المحرم، ووصف الإسلام أو دعاته بالتجهم وبأنهم أعداء الفرح، وهو تلاعب مكشوف بالألفاظ، لأن الدعاة الصادقين إلى الله هم أعداء الرذيلة والفواحش، ولا علاقة لهم بالفرح والحزن، فليفرح من يفرح وليحزن من يحزن، ولكن ليس على حساب الدين والأخلاق والقيم، لأن الافتراء على دين الله وقيمه قد يغري قوى التطرف بالانزلاق نحو مهاوي تكفير وتجهيل المجتمع، عندما يرون الظالم يتعدى على حدود الله ولا يجد أحدًا يردعه.

دعاة التزلف

وإذا تركنا دعاة التطرف بكل أنواعه وأطيافه، فهناك دعاة للتزلف، وهؤلاء المتزلفون أنواع. وهم يستغلون مثل هذه الأحداث ليتزلفوا ويتقربوا بها إلى قوى مختلفة بُغية تحقيق المكاسب والحفاظ على المصالح، فهناك دعاة التزلف للأنظمة أولئك الذين يصوبون كل أعمالها ويشبهونها بالخلافة الراشدة، فلا ينصحون ولا يصلحون.

فهذا التزلف الذي يغطي العيوب ولا يعالج الثغرات هو أحد أسباب الجمود وبقاء الأخطاء على ما هي عليه، ومثل هذه البطانة - وقد يكون منهم علماء سوء يلوون أعناق النصوص والحقائق الشرعية لينالوا عرضًا من الدنيا - هم الذين أفقدوا الشباب الغض الثقة في العلماء لما رأوا من سقوطهم وتزلفهم وتقربهم في سبيل الدنيا ومكاسبها.

 إن أخطر أنواع الانحراف انحراف الفكر والبعد به عن القصد ذلك أن السلوك نابع منه ومتأثر به، وقد قال علماء الأخلاق والتربية: إن كل عمل لا بد أن تسبقه خطوات: العلم به ثم الاقتناع، ثم توجه الإرادة لتنفيذه، فالسلوك بغیر دافع من رأي، أو عقيدة تخبط. ومن أجل هذا كانت العناية بتقويم الفكر وتصحيح الاعتقاد هي أول نقطة في برنامج كل إصلاح جاء به نبي من الأنبياء، وهي في حاجة إلى مدة طويلة ومتابعة مستمرة بالوسائل المتعددة لتحويل الفكر إلى مساره الصحيح.

مثال على العلاج

إن علاج هذا النوع من الانحراف عن منهج الوسطية يكمن في تصدي المعتدلين الخيرين أصحاب المنهج الوسطي من علماء الأمة، بنشر العقيدة والعلم الشرعي خاصة في منهج الاستدلال والاستنباط، معالجة بعض المظاهر الشاذة والخاطئة التي تحياها المجتمعات الإسلامية من غياب شرعة الله. وغربة الدين والعداء له والتحريض عليه وعلى شعائره، وإفساح المجال للتحلل الخلقي وأهل التغريب.

ومن الطبيعي أن يكون علاج أي انحراف بعلاج أسبابه ودواعيه، وفكرة الإصلاح وعلاج الانحراف تكون في نطاقين: أولهما السلوك الذي نتج عنه ضرر، وثانيهما الفكر الذي أدى إلى هذا السلوك.

وفي النطاق الأول لا بد من تطبيق القانون العادل على العابثين المعتدين على الحقوق قال تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (النساء:1۲۳)، والتطبيق العادل يكون بعد التحري والتثبت حتى لا يؤخذ البريء بجرم المذنب، ولا تذهب حقوق أو أموال ممتلكات أو دماء بسبب وشاية ظالمة أو بلاغ مكذوب، فالظلم حرام بأي أسلوب يكون، فكل علم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه كما ورد في الحديث. 

وفي النطاق الثاني لا يكون العلاج بالعنف والإرهاب، فقد يولد ذلك في نفوس المنحرفين شعورًا ابأنهم على حق وأنهم كالرسل صحابهم ذوو رسالة لا بد أن توضع في ريقها الصعاب، وأن النصر لهم في النهاية ذلك فالعلاج الأمثل إنما يكون بالحوار، وهذا صوار لا يكون إلا من المتمكن في مادته قوي في أسلوبه.

 إن من الأهمية بمكان فتح أبواب الحوار،ثم المزيد من الحوار حول هذه الظاهرة في مختلف وسائل الإعلام، مع ضرورة الانتقال من مرحلة التنظير العام الهلامي حول حرمة دم المسلم ودم المعاهد والذمي، إلى الدخول في تفاصيل الفقهية، وإسقاط كل الحجج والبراهين المزعومة والاجتهادات الخاطئة التي يبرر بها هؤلاء أعمال العنف التي يقومون بها. 

إن فتح باب الحوار لن يكون مجديًا فقط لإعادة الوعي لبعض تلك العقول المبرمجة على القتل في سبيل الفكرة المسيطرة على عقولهم، بل سيكون مفيدًا أكثر لبعض المتعاطفين معهم لأسباب تتعلق بتردي الأوضاع العربية.

  

الرابط المختصر :