العنوان المجتمع المسلم المنشود
الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي
تاريخ النشر السبت 07-مايو-2005
مشاهدات 64
نشر في العدد 1650
نشر في الصفحة 56
السبت 07-مايو-2005
يتميز المجتمع الإسلامي بخضوع الناس لرب العالمين حكامًا ومحكومين
كثيرًا ما تطلعت نفسي إلى تأمل حقيقة المجتمع الإنساني الذي قضى الله أن ينشئه في هذه الحياة على أسس وقواعد ربانية محكمة تحكمه شريعته السمحة، وتسوده قيمها وأعرافها وأخلاقها ومبادئها، وهي الشريعة التي أراد الله لها أن تكون أكمل وأشمل وأدق شريعة عرفتها الدنيا منذ خلق الله السماوات والأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).
وتمثلت الفترات الوضيئة من تاريخنا التي صاغ فيها الكتاب والسنة نفسيات الأفراد، وأحكما تكوين الأسر وأقاما بنيان المجتمعات، فرأيت عجبًا.
رأيت إنسانًا اجتماعيًّا راقيًا فذًّا، وأسرة سعيدة متحابة متماسكة، ومجتمعًا حضاريًّا مستقرًا فعالاً متوادًا متكافلاً، ما عرفته البشرية إلا في هذا الدين، وما شق الإسلام طريقه، وبنى حضارته، وأسس دولته، إلا بهذا المجتمع.
كان هذا المجتمع مفقودًا حتى أرسل الله محمدًا ﷺ وأوحى إليه، وأبلغه تفاصيل المنهج الرباني الذي اختاره الله للبشر، فنهض محمدﷺ بالمهمة التي ألقيت على عاتقه خير قيام فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأنشأ ذلك المجتمع الفريد الفذ الذي كان أكبر برهان على صحة الإسلام وعظمته، وعلى أنه دين الله الخالد الخاتم للأديان.
والإنسانية اليوم في أمس الحاجة إلى هذا النمط من المجتمعات، مجتمع مسلم صادقحر نظيف راق فعال، يسوده العدل والحب والنصيحة والتكافل والإيثار، وينتفي منه الظلم والكراهية والغش والأنانية والاستعلاء.
هذا المجتمع الذي تربطه آصرة واحدة، هي آصرة العقيدة التي تذوب فيها الأجناس والأوطان واللغات والألوان، وغيرها من الأواصر التي لا علاقة لها بجوهر الإنسان.
هذا المجتمع الذي تكون العبودية فيه لله وحده لا للحاكم ولا للمنصب، ولا للشهرة ولا للمال ولا للهوى ولا للمتع والشهوات.
هذا المجتمع المتكافل الذي يضمن لكل مواطن فيه العيش الكريم العزيز، والأمنوالحرية والمساواة وتكافؤ الفرص وحفظالحقوق.
هذا المجتمع الذي يقوم على الشورى، وتنبع خططه وتنظيماته وبرامجه من مبادئ الإسلام وقيمه وأحكامه ومثله، لا من الأهواء والأمزجة والنزوات.
هذا المجتمع الذي يتميز على سائر المجتمعات البشرية بخضوع الناس فيه جميعًا لله ولشريعته، حاكمين ومحكومين، وينفذون حكم الله وشريعته متساوين جميعًا أمام اللهرب العالمين، وأحكم الحاكمين.
لقد شاقني أن أكتب في هذا الموضوع، فأجلي حقيقة هذا المجتمع الفذ الذي يحتاج المسلمون إلى معرفته اليوم أكثر من أي وقت مضى، بعد أن مزقتهم الفرقة وسرى إليهم الوهن وعشش في مجتمعاتهم التخلف، كما تحتاج إلى معرفته الإنسانية التي غرقت في الرفاه المادي، وصفرت حياتها من المثل العليا والقيم والأخلاق والروحانيات، كما أرادها الله لعباده وأوحاها إلى رسله، وجعل خلاصتها في الإسلام؛ فالإنسانية في الغرب اليوم لا تقيم وزنًا كبيرًا للرفاهية المادية لأنها غارقة فيها، ولكنها تقيم وزنًا للقيم والمثل الإنسانية التي لا تملكها وهي متعطشة لها، وتود أن تراها في مجتمع متحرك يترجم تلك القيم والمثل إلى واقع حي.
ولقد تبين لي من تأمل النصوص والوقوف على أغراضها ومراميها، أن رحمة الله كانت كبيرة جدًّا بعباده، إذ أنزل إليهم تلك الشريعة الخالدة السمحة شريعة الإسلام التي قام المجتمع المسلم على أساسها، وأراد لهم باتباع هذه الشريعة وتطبيقها تطبيقًا صادقًا كاملاً أن يعيشوا كراماً أعزة سعداء قادرين على إنجاز مهمة الاستخلاف التي عهد بها إليهم على أحسن وجه.
ذلك أن هذه الشريعة الخالدة السمحة جاءت كاملة متكاملة شاملة كل ما يحتاجه الإنسان من تشريع وتنظيم في حياته الفكرية والروحية والمادية والاجتماعية والسياسية، وربطت تطبيق هذه التشريعات في المجتمع المسلم بالعبودية لله سبحانه، وهي الغاية من خلق المخلوقات كلها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
لقد أحكمت بهذا الربط بين تنفيذ أحكام الشريعة والعبودية بناء المجتمع المسلم على أساس مكين؛ إذ جعلت تنفيذ التشريعات والقوانين في المجتمع المسلم عبادة، فإذا لم يكن تنفيذ هذه التشريعات والقوانين صحيحًا صادقًا أمينًا، أحبط العمل، وضاعت العبادةوكان الخسران المبين.
ومن هنا يأتي الإخلاص في العمل في المجتمع المسلم والإتقان والجد والاستقامة والأمانة؛ لأن القضية قضية عبادة، لا مجرد أداء عمل، يحاسبك عليه المسؤول عنك، أو يؤنبك ضميرك إذا أنت قصرت فيه.
وينسحب هذا المقياس على العاملين كلهم في المجتمع المسلم من رأس الهرم إلى قاعدته ويترتب على صحة هذا المقياس نتائج باهرة في بناء المجتمعات، وخلو عمليات البناء من الفساد والخيانة والغدر.