العنوان المجتمع النسوى: العدد 997
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الأحد 19-أبريل-1992
مشاهدات 67
نشر في العدد 997
نشر في الصفحة 38
الأحد 19-أبريل-1992
كيف تنمين شخصية طفلك؟
صحيح
أن في كل منا ناحية في شخصيته تعزز عنده حب الذات، وهذا إذا لم يتجاوز حدًّا
معينًا يعتبر طبيعيًا، بل مطلوبًا. وهذه الزاوية تجعلنا نتمنى أن يحمل الناس ما
نحمل من أفكار ويؤمنوا بما نؤمن به من مبادئ. ولعل الصورة التي نقصدها تتجسد في
العلاقة القائمة بين الأم وطفلها، على اعتبار أن هذا الطفل في مراحل نموه الأولى
يكون عجينة مرنة قابلة للتكوين حسب مشيئة الكبار، فهو ربما يكون أرضًا خصبة لز ر ع
كل ما تحملين من بذور.
ربما
يفوتنا هنا أن هذا الطفل مخلوق بقالب تكويني خاص به وحده، يمنحه تميزه وخصوصيته،
وربما يفوتنا أيضًا أنه من الأنانية الشديدة أن نحاول تعميم شخصيتنا على جميع من
حولنا، وبالذات أطفالنا، وربما يفوتنا أنه ليس من مصلحة المسيرة الإنسانية أن يكون
أطفالنا صورة طبق الأصل عنا؛ كيف وقد خلقوا ليعيشوا زمنًا غير زمننا، ومشاكل غير
مشاكلنا، وأزمات غير أزماتنا.
بناء
عليه، كان من الأصلح أن تأتي الأجيال المتعاقبة مختلفة في كثير من الأشياء حتى
تكون مؤهلة لخوض معارك المستقبل وتحمل مسؤولياته؛ فكل جيل يأتي باستعدادات تختلف
عن استعدادات الجيل الذي سبقه لكي يكمل مسيرة التطور الإنساني، وبالتالي يجب ألا
تقفي بطفلك عند مرحلة زمنية معينة، أو تحاولي وضعه في قالب واحد تريدين بذلك
لتجعلي منه نسخة عنك.
يسعدنا
جدًا أن نرى بعض صفاتنا تنتقل إلى أطفالنا، ولم نُحرم في الواقع من هذه المتعة،
فالعوامل الوراثية تتولى مهمة القيام بهذا الدور وتعمل على اختيار وانتقاء بعض
صفات الوالدين لتنقلها إلى الأطفال. يتم ذلك ضمن قانون خاص بها، وضعه خالق الكون،
لم يكتشف سره حتى الآن، ويتمثل في ذلك العرق المتوارث الذي يمتد إلى أجيال وأجيال.
أما
ما تبقى من أفكار واتجاهات وآراء، فليس مطلوبًا منا أكثر من توجيهها وجعلها قائمة
على أساس عقائدي سليم يضمن الاستقامة في المنشأ؛ لأن صفاء الابتداء دائمًا يؤدي
إلى حسن الانتهاء، وواجبك الحقيقي يتمثل في زرع القيم الإسلامية في نفسه، ومن ثم
البحث عن ميوله الحقيقية ومحاولة تنميتها حتى وإن كانت تلك الميول لا تستهويك.
ازرعي
في نفسه الولاء والحب لشخصيات إسلامية تاريخية يجمعه بها دين وحضارة، ولكن لا تجمديه
في عصر معين، على العكس من ذلك حركي في نفسه رغبته في التفاعل المستميت مع مشاكل
عصره، وآلام جيله، حتى يدرك العوائق الفعلية التي تواجهه ويبحث عن سبل حلها، لا أن
يعيش مشاكل غير عصره وحلولها له إلا للاستفادة والعبرة، فكل مشكلة تحتاج لحل من
جنسها، ولن ينفع في شيء أن يأتي بحلول قديمة ليواجه بها مشاكل جيله!
كذلك
لا تحاولي أن تجري مقارنات مستمرة بينك وبينه، أو بين طفولتك وطفولته؛ فطفلك وإن
كنت «والدته» إلا أنك لست «صانعته»، وهو وإن كان له عليك حق توجيهه وتعليمه
وتهذيبه، إلا أنه حين خلق، اختار له الخالق أن يكون تركيبة فريدة، لا يطابقه فرد
آخر في هذا الكون مطابقة تامة حتى ولا أنت!
سيكون
الخير لك وله أن تبحثي عن طبيعة استعداداته الذهنية والجسمية، وتحاولي إعطاءها
الصبغة الصحيحة الواضحة مع الاحترام التام لتميزها وتفردها. والخير أيضًا أن تنقبي
عن مهاراته وإمكاناته بهدف صقلها وتنميتها، مع مراعاة عدم تذويبها في مهارات أنت
تفضلينها.
شجعيه
على بذل الجهود، وقوي عنده عزيمة السعي وراء كل ما فيه خير ومصلحة، ولكن حذار من
أن تقتلي عنده جوانب الابتكار بجعله صورة طبق الأصل لأي من الناس.
فنحن
سنحاسب عن مدى ما نبذل من جهود بالنسبة لقدراتنا نحن، وليس بالنسبة لقدرات غيرنا،
من هنا كان الأجدر أن تعلميه كيف يستغل أقصى طاقاته الفكرية، والعملية، وإلا فأنت
مقصرة.
إن
ما يميز أحدنا عن الآخر هو اختلاف درجات الطموح ونوعيته، ومدى ما نقدم من جهد
لتحقيقه. والله حين خلقنا نفخ فينا من روحه، وروحه جل وعلا تسمو عن أن توضع في
قوالب سواء كانت قوالب زمنية أو مكانية.
فإذا
أسست الأساس السليم ووضعت الركائز المتينة المبنية على حب الله ورسوله وحب الخير
باختلافه، فليس لك بعد ذلك أن تفرضي ما يناسب شخصيتك وميولك؛ لأن هذا إن كان فيه
إحياء لشخصيتك فإن فيه قتل لملكات طفلك.
فقط
ركزي، وباهتمام شديد، على السنوات الأولى وعلى عملية الغرس الأولى. وأنت دون أن
تفرضي شيئًا ستكونين بالرغم من كل هذا المثل الأعلى عند طفلك، فلا تطلبي أكثر من
حقك حرصًا على سلامة التركيبة البشرية والمسيرة الإنسانية، ولا تجعلي من أمومتك
طوقًا تخنقين به من حولك وتفرضين من خلاله نظرة واحدة، ورأيًا واحدًا. وأكرر ما
قلته في مواضع أخرى.. لا تقولي كما قال فرعون: ﴿مَا
أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: 29).
من أحزان مراهقة
عزيزتي
الأم، إذا كنت تودين معرفة ما يضايق ابنتك في سنها الحرجة، تابعي هذه الزاوية.
وإذا كنت قد توصلت ببصيرة الأمومة عندك إلى صور أخرى من أحزان ابنتك المراهقة فأرسلي
بها إلينا.. لتعم الفائدة والنصح.
طوقك الجميل يكاد يخنقني «أحيانًا أشعر
أنني في مكتب محقق»، بادرت ليلى بالقول، وتوقفت قليلًا ثم واصلت: «أحب والدتي
وأحتاج إلى نصحها، أتشوق لأن أكون أكثر قربًا منها، ولكن الأسلوب الذي تعاملني به
يعذبني، فأنا لا أكاد أسمع منها سوى عبارات تتكرر وتدور كلها في دائرة واحدة هي
السيطرة وسوء الظن!».
سألتها
مرة: «لماذا يا أمي كلما زارتني إحدى صديقاتي وانفردنا في جلسة ودية لا حقتني
نظراتك باللوم؟ ولماذا أسئلة الاتهام هذه؟ ماذا قلتما؟ فيم تحدثتما؟».
أجابتني:
«لأنني لا أثق في صديقاتك».
وتساءلت
كثيرًا إن كانت أمي تحب السيطرة لدرجة تجعلها تحد من حريتي في كل تصرف وسلوك مهما
كان بسيطًا؟ وتساءلت كثيرًا لماذا تكثر أمي من ذكر عبارات مثل: «لا تفعلي هكذا»،
«لا تقولي هذه العبارة»، «تجنبي هذا الأسلوب»، ولماذا أصبح كلامها معي عبارة عن
مجموعة من الأوامر الرافضة لكل ما أقوم به؟ حتى تسريحة شعري!
حين
تصل الفتاة إلى هذه المرحلة من الظنون بأمها فإن هذا يعد مؤشرًا لأزمة أسلوب
تعامل، لا أكثر. فالأسلوب حين يكون خاطئًا يقتل الكثير من المعاني الجميلة، ينطبق
هذا على أية علاقة مهما اختلف عدد أطرافها.
صحيح
أن الأم باسم أمومتها يحق لها فعل الكثير، بل يتوجب عليها فعل الكثير. إلا أنه لا
بد من الأخذ بعين الاعتبار أن ابنتك تمر بمرحلة تكوين الشخصية، فهي تستقل عنك
شيئًا فشيئًا.
قد
يزعجك أن تلاحظي أنها لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تستسلم لك وأنت تهتمين
بتنظيفها، وتسريحها، وإطعامها، وقد يخيفك هذا، إلا أنه من الأمور التي يتحتم عليك
تقبلها، وتجاوز ذلك للبحث عن أساليب تعزز دورك في حياة ابنتك بدون إشعارها أنك عبء
عليها أو طوق يكاد يخنقها. امنحيها ثقتك الواعية ولا تجعلي من مخاوفك عليها أداة
تدمير لهذه الثقة.
تؤكد
دراسات علم النفس أن الجلسات الهادئة والتي يتبادل فيها الطرفان شرح مشاعر كل
منهما للآخر وتوضيح مواقفه هي أنجح أسلوب للوصول إلى نقطة التقاء، ومؤسف ما تشير
إليه إحدى الإحصائيات من أنه لا توجد إلا ثلاث دقائق يوميًا للتحدث في الأمور
الشخصية بين أفراد الأسرة الواحدة!
اجلسي
مع ابنتك، اشرحي لها مشاعرك نحوها، بيني لها أهميتها في حياتك، ثم وضحي لها رغبتك
في حمايتها ورعايتها. اقنعيها أنك تحترمين خصوصيتها، ولكنك بحكم مسؤوليتك عنها
أمام الله لا تستطيعين تركها بدون متابعة. اتفقا على أسلوب للمخاطبة، واعلمي ما
يزعجها من كلامك، فغالبًا ما تكون عبارات بسيطة يمكن استبدالها بسهولة.
واعلمي
عزيزتي الأم أنه لا بد من احترام تطور ابنتك، ولا بد من إخضاع علاقتك بها إلى
تغييرات عديدة نتيجة المتغيرات التي تنتج عن اختلاف مراحل النمو.
وتبقى
العلاقة بينكما علاقة حب بالرغم من حالات الشد والجذب؛ لذلك وجب الإبقاء على
السلام يتوج هذه العلاقة.
والحب
إن وجد في أية علاقة كان كافيًا لتحدي ما هو دونه. بيني لها باسم حبك أنك لا
تهدفين للسيطرة عليها ولكنك ترمين إلى رسم حدود بين الخطأ والصواب في سلوكياتها.
وترمين إلى إبقائها في حماية جناحك إلى أن تكتسب القدرة على مواجهة تحديات هذا
العصر. واعملا معًا بمبادرة منك على صياغة علاقة تتجدد حسب متطلبات مراحل النمو
عند ابنتك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل