العنوان الثورة الإريترية في مهب الريح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1976
مشاهدات 81
نشر في العدد 282
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 13-يناير-1976
الحاجة إلى عَون إسلامي عاجل
التاريخ الإسلامي لإريتريا بدأ مع فجر الدعوة الإسلامية ذاتها، فقد كان الساحل الإريتري هو مرفأ الهجرة الأولى وملاذ الدعاة الأوائل الذين
صاحبوا الرسول لدى مولد الدعوة وبذروا هناك بذرتها الأولى.
وفي التاريخ الحديث كانت إريتريا كبقية بلاد الوطن الإسلامي، مشمولة بالحكم العثماني والخلافة الإسلامية حتى مجيء الاستعمار. ولما بدأت حركة الاستقلال كان العنصر الإسلامي في المقدمة حيث شكل مواطنوها حزب الرابطة الإسلامية واندرجوا تحت لوائه مطالبين بالاستقلال وكان الانتماء الإسلامي هو الحصن المنيع الذي حفظ لهذا البلد استقلاله من سياسة الاستيعاب الأثيوبية. ذلك لأن الشعب الإريتري بحكم ثقافته الإسلامية ومشاعره الدينية ظل يتطلع إلى الانتماء للعالم العربي الإسلامي ويتمثل الفارق العقائدي والسياسي بينه وبين الكيان الأثيوبي المجاور.
كان «حزب الرابطة الإسلامية» هو التنظيم الجماهيري والقيادة الطليعية.
وكان الإسلام هو روح النضال الوطني وعقيدته، وكان العالم الإسلامي هو وجهة الأمة وقبلتها.. وكانت المواجهة صريحة مع الكفر الأجنبي المتمثل في التحالف بين هيلاسلاسي والاستعمار.
بعد اكتساح القوات الأثيوبية للإقليم في مطلع الستينيات، كان رد الفعل عنيفًا بين المسلمين. وعم السخط جماهير المدينة والريف على حد سواء. وتشكلت خلايا الثورة الأولى من أعضاء حزب الرابطة وخريجي الأزهر والمعاهد الدينية. على أن هذه الطلائع وهؤلاء الرواد استشهدوا وهؤلاء جميعًا أو سقطوا في الأسر منذ المرحلة الأولى لانطلاقة الثورة. ثم كان أن خرجت الثورة في مراحلها التالية إلى العالم الخارجي طلبًا للدعم العسكري والمالي والسياسي ولما لم تكن هناك دولة إسلامية يتوجهون إليها اتجهوا إلى الدول الاشتراكية والدول العربية اليسارية.
وبالطبع كان ثمن السلاح والعتاد غاليًا وكلف الثورة الكثير من منطلقاتها الفكرية والسياسية، من هنا بدأ الطابع الإسلامي للثورة يتراجع ويحل محله التيار اليساري وتبع ذلك انضمام سكان المرتفعات من النصارى إلى ركب الثورة بعد أربع سنوات من بداية الثورة وهم يشكلون الطبقة المتعلمة من الشعب الإريتري.. وكلما أبدى هؤلاء تخوفات من الإسلام قدم الثوار مزيدًا من التنازل عن الروح الإسلامي. حتى ضعف التيار الإسلامي تمامًا داخل قواعد الثورة.
على أن الوضع الأكثر خطرًا ليس هو وضع الإسلام السياسي وإنما الوجود الإسلامي في أعماق الشعب ذاته. فإذا أخذنا قطاع اللاجئين المسلمين الذين يعيشون في السودان مثلًا.. نجد أنهم مجتمع مزقته الحرب.. اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا فالطفل الذي كان ينشأ في مجتمع إسلامي ويتعلم في وسط اجتماعي مستقر له مثله وأعرافه وعاداته. أصبح الآن ينشأ في مجتمع قلق وممزق لا عرف فيه ولا ثقافة ولكنه الصراع المأساوي من أجل لقمة العيش ومن أجل الضرورات. وهكذا نجد الطفل يشب بعيدًا عن ثقافة مجتمعه التليدة فيكون مصيره الضياع. ونجد أن الانحراف هو مصير الشبان والفتيات.. وفي مثل هذا المناخ نشطت الإرساليات النصرانية تقدم الغذاء والدواء والتعليم.. وعقيدة الثالوث!!
من هنا فإن الجهود الإسلامية المخلصة مطالبة بالتوجه لإنقاذ هذا الشعب الذي يواجه خطر الضياع ويتحمل من التحديات ما هو فعلًا فوق طاقته.
إن مستقبل التعليم في معسكرات اللاجئين الإريتريين سوف يحسم نهائيًا مستقبل الإسلام في أرتريا. وأن الشباب الذي يتلقى تعليمه الآن في «مدارس الكادر» وفي الإرساليات النصرانية وفي معاهد الدول الاشتراكية والدول العربية اليسارية.. هذا الشباب هو مستقبل الثقافة الإريترية.. وهذا أمر ينذر بالخطر.
لقد أبدى الكثيرون من الشباب المسلم الذي تعلم في الأزهر وفي الجامعات الإسلامية قلقًا بالغًا لهذا الموقف وهم على استعداد لمواجهته، غير أن الإمكانيات تقف دائمًا عائقًا لجهودهم المخلصة.. ولا شك في أن أي جهد في هذا الاتجاه، فوق أن الله سيباركه بعونه وقدرته سيلقى تجاوبًا سريعًا في ضمير الشعب الإريتري المحب لدينه وعقيدته وسيحقق نجاحًا مؤكدًا.. وسيحفظ للأمة كيانها الإسلامي الراسخ مهما كانت التأثيرات على السطح السياسي.