; المجتمع تفتح حوار عن: وسائل تغيير المنكر | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع تفتح حوار عن: وسائل تغيير المنكر

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1988

مشاهدات 101

نشر في العدد 870

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 14-يونيو-1988

صلاح شادي: لا يجب تغيير المنكر إذا نجم عنه منكر أشد.

في العددين الماضيين، ناقشت المجتمع قضية «أساليب تغيير المنكر»، حيث دعت عددًا من كبار المشتغلين في حقل الدعوة الإسلامية للحوار حول هذه القضية؛ بغية تحديد الموقف الإسلامي من حالات تغيير المنكر وفق الظروف التي نعيشها. وقد نشرنا إجابات كل من السيد عبد الله علي المطوع، رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي، والدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، الأستاذ المشارك بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية في المدينة المنورة، وفي هذا العدد ننشر إجابات الأستاذ صلاح شادي وذلك كما يلي:

المجتمع: هناك جماعات متعددة في الساحة الإسلامية تدعو إلى – بل تمارس – عملية تغيير المنكر باليد والإصلاح بالقوة.. فما هي حالات هذا الأسلوب؟

أجاب الأستاذ صلاح شادي بقوله: إن لأسلوب تغيير المنكر باليد حالات وهي كما يلي:

1.     أن يتم تغيير المنكر بحيث لا يتخلف عنه منكر أشد منه.

2.     أن يتساوى الوضع المتخلف عند التغيير بمثيله قبل التغيير.

3.     أن يغير المنكر ويتخلف عنه منكر أقل من الذي أريد تغييره.

4.     أن يتغير المنكر بحيث يزال نهائيًّا.

المجتمع: متى يتوجب على المسلم ممارسة أسلوب تغيير المنكر باليد؟

أجاب الأستاذ صلاح شادي: حول هذه النقطة، لا بد من الرجوع إلى علماء الشريعة الإسلامية الذين اتفقوا على وجوب إزالة المنكر كما هو في الحالة التي يزال فيها نهائيًّا، وهي الحالة الرابعة، أو في الحالة التي يتوفر بعدها منكر أقل من المنكر الذي أريد إزالته.. وهو الحالة الثالثة التي أشرت إليها قبل قليل.

المجتمع: هل هناك حالات لا يتوجب فيها على المسلم أن يمارس أسلوب تغيير المنكر باليد؟ وما هي؟

قال الأستاذ صلاح شادي: لقد اتفق العلماء على أنه إذا نجم عن المنكر المطلوب إزالته منكر أشد منه، عندها لا يجب تغيير المنكر الأول، وذلك كما هو في الحالة الأولى من أساليب التغيير باليد.

وتابع الأستاذ صلاح شادي فقال: أما في حالة استواء المنكر المطلوب تغييره بما يتم بعد التغيير، فقد اختلف الفقهاء فبعضهم أجازه، وبعضهم لم يجزه.

المجتمع: في بعض الحالات.. يرى شباب بعض الجماعات الإسلامية أن المسؤولين عن مكافحة المنكر وتغييره بالأساليب القانونية لم يقوموا بواجبهم.. فكيف يجب أن يكون موقف هؤلاء الشباب أمام هذه الحالات؟

قال الأستاذ صلاح شادي: على القواعد الشرعية السابقة، نستطيع أن نحكم على كل الأمور التي ترد والتي يلزم للمؤمن أن يغيرها بيده أو بلسانه أو بقلبه، ولكن يلتزم معرفة بعض الشروط للتغيير باليد أو باللسان أو بالقلب، فإذا قام شخص من عامة الناس على تغيير المنكر بيده، ولم ينظر إلى السلطة الشرعية المنوط بها هذا التغيير، لأمكن حدوث فتنة أشد من المنكر نفسه، ولكن إذا ترك هذا الأمر للسلطة الشرعية المنوط بها هذا التغيير باليد لأمنت عواقب الفعل. وفي ظروفنا الحالية، تجري جرائم يحكم فيها الشرع بالحدود ولا تعاقب عليها الحكومات الراهنة، ومن هنا حدث الالتباس في قلوب الكثير من عامة المسلمين، فأنت ترى المنكر يجري ارتكابه علنًا في أماكن اللهو التي يباح فيها شرب الخمر مثلًا، وترى السلطة الحاكمة تحرس المكان وترى رواده.

ويتابع الأستاذ صلاح شادي إجابته على السؤال نفسه فيقول: ومن هنا يحدث انفصام في وجدان المسلم، وهو يرى المنكر يُرتكب عيانًا جهارًا والدولة تحفظه، الأمر الذي فتن الكثير من المسلمين عن دينهم وأرادوا إزالة هذا المنكر قهرًا، وعلموا أن الحكومة لن تفعل هذا، فظنوا أن من واجبهم أن يفعلوا ذلك بأنفسهم حفاظًا على شرع الله أن يعبث به عابث، ولكن لم ينظروا أنه في هذه الحالة يترتب على إزالة المنكر منكر أشد منه، وفتنة أقسى من الأولى.

المجتمع: هل لكم أن تذكروا لنا مثالًا أو شاهدًا من التاريخ الإسلامي حول ترك تغيير المنكر إذا كان سيترتب على التغيير منكر أشد منه؟

قال الأستاذ صلاح شادي: نعم.. فلقد سبق للإمام ابن تيمية أن رأى جنودًا من التتار يتعاقرون الخمر، وكان رجل يسير معه، فوجه نظره إلى هؤلاء السكارى، وأن من واجبه أن يمنعهم عن الخمر، فقال: «لا.. إنهم إن استفاقوا اعتدوا على الأعراض وأزهقوا الأرواح، ولذلك تركهم على هذا الحال آمن من إيقاظهم ليسفكوا الدماء ويعتدوا على الأعراض». وكان ذلك جريًا على القاعدة الشرعية التي انتهجها ابن تيمية، وانتهجها المسلمون من بعده.. وهذا هو الرد الذي ينبغي أن يقال للذين يريدون التغيير بالقوة مهما كانت أضرارها.

المجتمع: وماذا عن مشروعية أشكال وأساليب التغيير الأخرى؟

الأستاذ صلاح شادي: هناك التغيير باللسان، وهو واجب الفرد إذا رأى منكرًا أمامه، فيجب أن يقول كلمة الحق لصاحبه ليدفع المنكر الذي رآه، ولا يقول الحق مجزأ، وإنما يقول الحق جميعه بتفصيله، ولا يخاف في الله لومة لائم مهما كان الذي وجهت إليه كلمة الحق، فإن كان حاكمًا جائرًا، كان هذا أعظم الجهاد عند الله: «كلمة حق عند سلطان جائر». ولا يجب أن ينظر دافع المنكر إلى ما يناله هو من أذى، فيظن أن الأذى الواقع عليه أكبر من المنكر الذي يدفعه، فيمتنع عن توضيح الحق، فإن واجبه يلزمه بكلمة الحق يقولها إن استطاع، مهما نالت من حياته، وإلا فهو رهين بقدرته يقول أو يسكت.. فإن سكت وجب عليه أن يغيره بقلبه، وهذا التغيير يستلزم منه ألا يتواجد حيث يتواجد المنكر ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (الأنعام:68). فهذا هو واجبنا الذي نلتزم فيه بألسنتنا، ولا نشارك فاعل المنكر فيما يُطلب منا أن نفعله، ولو كان غير متعلق بالمنكر ذاته، فقديمًا كان العلماء يرفضون إعطاء الولاة المحبرة لأنهم لا يعرفون ما سيخطون بها من مظالم.

ويختتم الأستاذ صلاح شادي إجاباته فيقول: إن كل الحكومات المسلمة، التي تحكم شعبًا مسلمًا عليها واجب إزالة المنكر وإلا فقد أشاعت الفتنة بهذه السلبية القاتلة التي نشهدها في غالبية حكوماتنا التي تبيح الخمور وتنظم المراقص والفجور، وتعلن في سفور انتهاكها لشريعة الله وأحكامه، بل وتنظيمها لهذا الانتهاك في غير حياء أو خجل.

المجتمع: جزاكم الله خيرًا.. وندعو الله سبحانه أن يلهم المسؤولين في بلاد العالم الإسلامي أن يقوموا بكل واجباتهم في تغيير المنكر إلى ما يرضي الله سبحانه.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرابط المختصر :