العنوان حملات القمع الصيني ضد مسلمي تركستان الشرقية
الكاتب توختي آخون أر كين
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1239
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 25-فبراير-1997
المجتمع تنشر التفاصيل الحقيقية لأحداث تركستان
خاص لـ المجتمع من: توختي آخين أركين
كاتب تركستاني متخصص في شؤون آسيا الوسطى
بدأت الأحداث ليلة السابع والعشرين من رمضان حينما منعت السلطات الشيوعية المسلمين من دخول المساجد.
تقديرات المسلمين تشير إلى وجود أكثر من ثلاثمائة قتيل وخمسة آلاف معتقل خلال خمسة أيام فقط.
تناقلت وكالات الأنباء العالمية أخبار الأحداث الدامية التي وقعت بين المسلمين والقوات الصينية في مدينة «بينيين» في إقليم شينغيانغ في غرب الصين، ونقلت عنها الصحف العربية والعالمية أخبار تلك الأحداث مشوهة مبتورة، حسبما صورتها أجهزة إعلام حكومة الصين الشعبية، حتى إن اسم المدينة التي وقعت بها الأحداث لم تضبط كما سماها الصينيون، ولم يعرف اسمها الإسلامي، واعتبرت بلدة صينية، مما تعذر الاستدلال إليها في المعاجم وكتب الخرائط، وكذلك أشارت المصادر الصينية أن الأحداث قام بها مجموعة من مثيري الشغب أو دعاة الانفصال غذتها عناصر أجنبية، قيل: إنها من قازاقستان أو أفغانستان، وعالج الصحفيون والصحف الحدث بالإثارة، ولم يتطرق إلا قلة منهم إلى التحليل والتوضيح، مما أدى إلى تكرار الادعاءات الصينية حول حقيقة الوضع في تلك المنطقة، ولا شك أن الإثارة مطلوبة لجذب الانتباه إلى قضية مجهولة يفرض عليها الإعلام الصيني التعتيم والتشويش، بيد أن الجمع بين الاثنين يخدم مثل هذه القضية الإسلامية، وينير الرأي العام بحقائق الأمور وأبعادها، ويفوت على الأجهزة المعادية فرصة خلط الأحداث وتزييف الحقيقة.
فالمدينة التي تردد ذكرها باسم آخر لا يعرفها به أهلها هي «ينينغ» Yining وهو اسم أطلقه الصينيون على مدينة «غولجة» Gulja، وهي عاصمة ولاية «إيلي» Ili من ولايات تركستان الشرقية، التي سماها الصينيون «سنكيانغ» Sinkiang وفي العهد الشيوعي المعاصر سميت أو بالأحرى تغير لفظها إلى «شنجانغ» Xinjiang.
وتقع مدينة غولجة في أواسط حوض نهر إيلي شمالًا بنحو 55 كيلو مترًا من حدود جمهورية قازاقستان، وفي عام ١٩٥٤م كان عدد سكان ولاية إيلي ٤٨٩ ألف و٤٠٠ نسمة، عدد الصينيين منهم ۱۲ ألف و٤٠٠ نسمة أي بنسبة ٢,٥% في الولاية كلها، وفي عام ١٩٩٤م بلغ عدد سكان ولاية إيلي مليون و٩٢٩ ألف و٢١٤ نسمة، وصل عدد الصينيين المهجرين إلى ٦٣٠ ألف و۸۰۱ نسمة، وارتفعت نسبتهم إلى ٣٤% وفي الوقت الذي تضاعف عدد سكان ولاية إيلي ثلاث مرات خلال أربعين سنة، تضاعف عدد الصينيين المهجرين لأكثر من خمسين مرة.
والواقع أن مدينة غولجة عند مراجعتها في المصادر الإسلامية تذكر أنها كانت إمارة إسلامية عرفت باسم «الماليق» Almaliq التي تقع خرائبها شمال بلدة قورغاس، أي بنحو ثلاثين كيلو مترًا شمال غرب مدينة غولجة الحديثة جنوب بحيرة «سيرام» Sayram ممر «تالكي» Talki وكانت موطن قبائل القارلوق التركية التي حالفها المأمون والي خراسان حينذاك في عهد خلافة والده هارون الرشيد، وسبق أن دخل منطقتها الجيش العربي بقيادة زیاد بن صالح الخزاعي الذي اشترك مع الترك في معركة طالاس «طراز» في عام ٧٥١م، وبعدانهيار دولة قرة خان الإسلامية على إثر غزوات قرة خيتاي الوثنية لشمال تركستان في عام ١١٢٤م تمكن أوزار خان أن يصد هجمات قرة خيتاي، وأسس مملكة إسلامية عاصمتها الماليق، وتلقب باسم طغول أوزار خان، واحتفظ أنجاله بمراكزهم في عهد جنكيز خان، وتزوج ولده سغناق تكين بحفيدة جنكيز خان من ابنه جوجي، وبعد وفاته عام ٦٥١هـ- ١٢٥٣م خلفه في الحكم نجله دانشمند تكين، ولا يعرف الكثير عن الأمراء الذين استمرت سلطتهم في عهد جغتاي خان الذي اتخذ مقرًّا له بالقرب من الماليق، وعرفت المنطقة كلها في عهده باسم «أيل أرغو» Il Argu. وبقيت الماليق مراكز لعائلة جغتاي خان، تردد إليها كثير من الأمراء والمبعوثين والرحالة، ويقول المؤرخ والأديب جمال قرشي الذي ولد فيها عام ٦٢٨هـ- ١٢٣٠م عن الماليق: إنها «قلب الإسلام»، وفيهاوضع العالم الجليل ظهير الدين أشرف بن نجيب المتوفى عام ٦٥٩هـ- ١٢٦١م أول ترجمة تركية لمعاني القرآن الكريم في تاريخ الترك عمومًا.
وفي العصر الحديث أقام المسلمون فيها سلطنة إسلامية أسسها السلطان أبو الأعلى خان «لا يزال حفيده في ألما أتا» في عام ١٨٦٧م، ولكن روسيا القيصرية التي كان جيشها يواصل احتلال الإمارات الإسلامية في الجزء الغربي من ترکستان، وقد احتلت خانية خوقند في 8 فبراير ١٨٦٧م، راعها قيام دولة يعقوب بك وسلطنة إيلي في الجزء الشرقي لتركستان، استولت على إيلي عام ۱۸۷۱م، وأكملت احتلال وادي فرغانة إلى عام ١٨٧٦م. وهكذا وقعت سلطنة إيلي الإسلامية التي كان عاصمتها «غولجة» في يد روسيا القيصرية، ولكنها تنازلت عن جزء منها بما فيها غولجة إلى الصين المانشورية مقابل مبلغ من المال بموجب معاهدة سانت بتروسيورغ عام ۱۸۸۱م، وإبان الاحتلال الصيني كانت غولجة عاصمة لجمهورية تركستان الشرقية التي أعلن الثوار التركستانيون استقلالها عن الصين وتشكيل حكومتها برئاسة الشيخ الجليل علي خان توره ساغوني «وقد طبع كتابه المسمى «تاريخ محمدي» في السيرة النبوية في طاشقند عام ۱۹۹۱م»، في ١٢ نوفمبر ١٩٤٤م، ولكن التداخلات الروسية السوفييتية تسببت في تفريط التركستانيين في انتصارهم بتوقيع معاهدة سلام مع حكومة الصين بتاريخ ٦ يونيو عام ١٩٤٦م.
غولجة تحت الاحتلال الشيوعي الصيني
وفي عهد الحكم الصيني الشيوعي غدت مدينة غولجة من أهم المدن الإسلامية التيقاومت الاستبداد الشيوعي، وخاصة عندما بدأ الشيوعيون بتطبيق نظام الثورة الثقافية بمسمى الوثبة الكبرى في عام ١٩٦٢م قاوم التركستانيون ذلك، واضطر أكثر من ستين ألف تركستاني على اللجوء إلى قازاقستان في أبريل عام ١٩٦٢م.
تفاصيل الأحداث الدامية الأخيرة في غولجة
لقد بدأت الاشتباكات الدامية ليلة الأربعاء ۲۷ رمضان ١٤١٧هـ الموافق 5 فبراير ۱۹۹۷م، وهي الليلة التي يلتمس المسلمون فيها ليلة القدر العظيمة التي يُجلها كل المسلمين في أنحاء العالم، ويخصونها بالزيادة في العبادة بالصلاة والدعاء طوال الليل إلى صلاة الفجر، ويتجه أكثرهم إلى المساجد للاعتكاف والصلاة وقراءة القرآن الكريم، وقد انتهز المسلمون التركستانيون مثل غيرهم هذه الفرصة في العبادة والتقرب إلى الله عز وجل، بينما انتهزها الشيوعيون فرصتهم إلى تطبيق تعليمات السلطات الصينية الشيوعية لمنع فئات ثلاثة من المسلمين من دخول المساجد، وهي:
1 - الشباب الذين تقل أعمارهم عن ٣٠ عامًا.
۲ - موظفو الدول ومنسوبو الحزب الشيوعي العاملون منهم والمتقاعدون.
3 - النساء عمومًا.
وفي الوقت الذي كان الموظفون يرجعون من أبواب المساجد عند رؤيتهم لرجال المباحث الشيوعيين وخاصة بعد أن سبق تسجيل أسمائهم عند حضورهم لصلوات الجُمع، ثم تم استدعائهم في مكاتبهم ومراكز أعمالهم وهددوهم بالفصل من أعمالهم وإيقاف رواتبهم، حتى المتقاعدين منهم إذا مارس أحدهم شعيرة دينية أو تكرر ذهابهم إلى المساجد بحجة أن عليهم الالتزام بروح ونظام الدولة الماركسية المادية، ومن يخالف ذلك عليه أن يترك العمل ويحصل على راتبه من المسجد.
ولكن الشباب والنساء بحرصهم على حضور صلاة التراويح وصلاة التهجد التي انتشرت في المساجد اقتداءً بما يجري في الحرمين الشريفين، ورغبتهم بالقيام في ليلة القدر المباركة التي لها مكانة عظيمة عندهم، رفض الشباب من رجال السلطات الشيوعية لهم من دخول المساجد، واشتبك البعض منهم، وعندما شعر رجال المباحث المسلحون بضعفهم أطلق أفرادهم النار على المسلمين العُزل، فقتل منهم ثلاثون شخصًا منهم بضعة نساء، وجرح خمسة من المسلحين الشيوعيين.
وفي صباح يوم الأربعاء 27/ 9/ 1417هـ- 5 فبراير ۱۹۹۷م خرج المسلمون وخاصة أهالي وأقارب الشهداء والمعتقلين بمسيرة قُدر عددها بنحو خمسة عشر ألف شخص، يطالبون السلطات الصينية الشيوعية بإطلاق سراح أبنائهم ومعاقبة المسؤولين عن أحداث القتل التي حدثت في المساجد، بيد أن الحكومة الشيوعية التي وجدت هذه الواقعة فرصتها لقتل وضرب واعتقال المزيد من المسلمين لم تشأ معالجة الحادث بالحكمة والمسؤولية الوطنية أو الإنسانية، فأطلق رجال الشرطة أو ميلشيات جيش الإنتاج والبناء الرصاص على المسلمين المتظاهرين أمام مبنى الحاكم ومكتب الحزب الشيوعي في غولجة، وسقط عدد من المسلمين، ومن خلال التدافع والاشتباك غنم المسلمون بعض الأسلحة الخفيفة من رجال الشرطة والجنود، واستمرت الاشتباكات متقطعة لإصرار الشيوعيين على استئصال جيوب المقاومة الأهلية التي انتشرت في الأحياء، ومما زاد من تدهور الوضع أن السلطات الشيوعية التي أعلنت حالة الطوارئ ألغت أجازة يوم عيد الفطر، وهو يوم واحد لكل المسلمين في الصين، وانتقلت المظاهرات والاحتجاجات إلى مدن كاشغر، وخوتن، وقراقاش، وكوما، وقارغيليق، واقسو، وكوجار، وفي بعض أحياء أورومجي عاصمة تركستان الشرقية «شنجانغ».
ومع أن التقديرات الصحفية عن عدد القتلى تتفاوت من عشرة إلى ثمانين إلى مائة قتيل من مسلمين وصينيين، إلا أن التقديرات الأهلية تشير إلى أكثر من ثلاثمائة قتيل وخمسة آلاف معتقل خلال خمسة أيام فقط، كما لا يعرف عن مدى الأضرار التي لحقت بالمسلمين في المدن الأخرى، وقد أكدت الأجهزة الصينية أن الاضطرابات قد انتشرت في ثمانية مدن في مقاطعة تركستان الشرقية «شنجانغ».
وقد ادعت السلطات الصينية الشيوعية -كما جرت عادتها- أن زمرة من دعاة الانفصال الذين تحركهم عناصر أجنبية، تنسبها دومًا إلى أمريكا وتركيا، وإلى الاتحاد السوفييتي في السابق، وفي الوقت الحاضر إلى قازاقستان وأفغانستان وباكستان، أنهم وراء هذه الأحداث كما جاء في نشرتها إعلام شنجانغ «شنجاك ته شويقاتي» العدد (۹۱) لعام ١٩٩٥م، التي يصدرها المكتب الإعلامي للحزب الشيوعي لتركستان الشرقية «شنجاك ثويغور تابتونوم رايونلوق بارتكوم -ته شويقات بولومي» فيأورومجي.
الأسباب التي أدت إلى أحداث غولجة
وفي سبيل معرفة الأسباب التي أدت إلى أحداث مدينة غولجة، لا بد من مراجعة الأمور التي وقعت قبلها في تركستان خلال عامي ١٩٩٥- ١٩٩٦م، حتى تظهر الحقائق وتتوضح خفايا سياسة الحكم الصيني في هذا البلد المسلم، وينقشع ادعاءاتها الكاذبة، وما ترمي إليه من تزييف الحقائق لإنفاذ ما تهدف إليه من ممارسات جائرة ضد المسلمين وضد هذا البلد الإسلامي الذي يكاد يكون مجهولًا في العالم المعاصر.
فقد ذكرت النشرة الرسمية المذكورة أعلاه في صفحتيها 7 و8 «في السنوات الأخيرة زادت صحوة المسلمين الدينية، فزاد عدد المساجد من ١٤ ألف و ١١٤ مسجدًا قبل الثورة الثقافية إلى ٢٢ ألف و٩٤٠ مسجدًا، كما زاد عدد الحجاج لأكثر من أربعة آلاف حاج سنويًّا. وانتشرت المدارس الدينية وحلقات تحفيظ القرآن الكريم التي أقبل عليها الأطفال من ٦ إلى ١٣ عامًا، كما فتحت مدارس خاصة للبنات مما أدى إلى تزايد إقبال الشباب والنساء على المساجد، حتى إن بعض المساجد في خوتن وكاشغر أصبح فيها أماكن خاصة بالنساء، وأصبح البعض منهن يرتدين الحجاب، وأصبحت كلمة الإمام والعالم مسموعة نافذة أقوى من أوامر رجال الحزب الشيوعي، وابتداءً من شهر سبتمبر ١٩٩٤م في مدينة غولجة انتشرت الاجتماعات الشعبية المعروفة باسم «مه شره ب» استغلها المثقفون المسلمون في التوعية والإرشاد الديني، وانتشر أمثالها في المدن والقرى، وأقبل عليها المسلمون صغيرًا وكبيرًا، حتى استغلت المباني والنوادي الثقافية، وزاد عدد الحضور في إحدى الاجتماعات على عدة مئات، وتحمس الدعاة إلى توضيح عقيدة الإسلام وأحكامه لعامة الناس جهارًا.
القمع الشيوعي للصحوة الإسلامية
ماذا عملت الأجهزة الشيوعية لهذه الصحوة الإسلامية؟ وهي باعترافها أنشطة عادية كما يتضح مما ورد أعلاه، يمارسها الإنسان في أي مجتمع إنساني، علاوة أنها مجازة بحكم الدستور الصيني الذي يجيز حرية ممارسة الشعائر الدينية، وهي توجد بالفعل في مناطق صينية ذات أكثرية مسلمة، فأبناء المسلمين الصينيين يدرسون بالمئات في المدارس الإسلامية، والبنات أيضًا لهن مدارسهن الإسلامية الخاصة، ويترددن على المساجد أيضًا، ولعل من زار مسجد نيوجيه في بكين يرى النساء يصلين في الجزء الخاص بهن... ولكن الاستبداد الصيني يتجبر في تركستان المسلمة، ومثال ذلك:
في يوم الجمعة بتاريخ الأول من يوليو لعام ١٩٩٥م اعتقل إمام مسجد بيت الله في مدينة خوتن، واشتبك رجال المباحث الشيوعيين مع المسلمين العزل بسبب إصرار الحكم الشيوعي في منع دخول المسلمات إلى المسجد، ومنع دروس الوعظ والإرشاد فيه، وقد أجبر أئمة المسلمين المؤتمرين في مدينة خوتن بتاريخ ١٦ يوليو 1995م إلى إصدار فتوى بمنع دخول النساء المساجد، ومنع استعمال مكبرات الصوت في المساجد، وعدم التعرض لسياسة تحديد النسل وقضايا الأنكحة والميراث والأمور العدلية والتعليم.
وفي شهر أغسطس عام ١٩٩٥م في مدينة غولجة قامت السلطات الشيوعية بالقبض على الأئمة والمثقفين المسلمين ممن ينظمون الدروس الدينية في المساجد والنوادي الثقافية والاجتماعات الشعبية، مع أنها بدأت وتمت بموافقة الأجهزة الحكومية الرسمية، وقد نظمت عدة ندوات دينية في معهد المعلمين «غولجة سيفن، فيداكوكا»، واعتقلت آلاف الشبان المسلمين المشاركين في هذه الندوات، وقد التجأ عدد منهم إلى قازاقستان، وقيرغيزستان، ويتواجد أعداد منهم في تركيا، وباكستان، ومصر، وألمانيا.
وبتاريخ ١٣/ ٥ / ١٩٩٦م استصدر الحزب الشيوعي الصيني في تركستان قرارًا من البرلمان الصيني يعطي الجيش وميلشيات جيش الإنتاج والبناء صلاحيات كاملة لإنفاذ خطة قمعية سميت «اضرب بقوة» لمدة مائة يوم، اعتقلت خلالها أكثر من عشرة آلاف مسلم، وكان نصيب غولجة وحدها ۷۰۰ شخص، ولم تكتف السلطات الشيوعية بالمدة المذكورة؛ بل استمرت في تعسفها بدون حدود، وما حدث في غولجة مؤخرًا هو امتداد للأحداث السابقة، ولا شك أن هذا الظلم والعنف مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتسلط الصينيين المهجرين على مقاليد العمل والإنتاج والإدارة، واستعمالهم لوسائل البطش والتنكيل بالمواطنين المسلمين أهل البلاد، أثارت فيهم كوامن نزعتهم إلى الاستقلال والحرية، ورغبتهم لإدارة شؤونهم بأنفسهم بما يخدم مصالحهم الإسلامية والوطنية، وهم دعاة حق وصدق، ورد فعل طبيعي لما يلاقونه من قسوة وجبروت من المستبد الأجنبي الذي سلبهم حريتهم وحقوقهم وأمانيهم.
ومما يؤكد على ذلك نوعيات الشهداء والمعتقلين في هذه الأحداث الأخيرة، فمثلًا من المعتقلين عبد الرشيد روزي، وابنه سيف الدين، وابنته محبوبة، فالرجل تاجر، وقد اعتقل لأنه أخذ ابنيه إلى المسجد لصلاة التهجد، وكذلك عبد الجبار منصور وأخوه عبد الستار، اللذين تم اعتقالهما بسبب حضورها الصلاة وهما شابان، وأما الشهيد خليل الله محمد «عبد الله خليل» الذي ادعت السلطات الشيوعية أنه رئيس حزب إسلامي ومتسلل من أفغانستان، فهو خريج المعهد الإسلامي الرسمي الذي تشرف عليه السلطات الصينية نفسها في أورومجي، ولم يسبق له أن سافر إلى خارج تركستان، وقد ادعت الأجهزة الصينية بوجود متسللين من قازاقستان أو باكستان وأفغانستان، لأنها تهدف إلى تضييق الخناق على الأويغور أي التركستانيين الذين لهم بعض النشاط الثقافي والاجتماعي في قازاقستان؛ حيث يعيش نصف مليون منهم، وكانت قد وقعت الصين مع قازاقستان معاهدة في شهر أبريل ١٩٩٦م. وهكذا ظهرت نتائجها فعلًا، ويطول الحديث عنها هنا، وستكشف أيضًا الزيارة التي يقوم بها حاليًا الرئيس القازاقي سلطان نظر باييف الذي سافر فجأة على إثر الأحداث الأخيرة إلى بكين في ١٢ فبراير الحالي عن نتائج مثيرة في المستقبل، كما تريد أن تركز على الطلاب التركستانيين الذين لا يزيد عددهم على مائتي طالب يدرسون في باكستان، ويتخذها التركستانيون محطة في انتقالهم إلى الأراضي المقدسة؛ لأنهم يعبرون إليها من بلادهم برًا، وهي أقرب الطرق إلى الحرمين الشريفين.
موجز القرار السري الخاص بتركستان
ومن أراد أن يعرف المزيد عن أسباب أحداث غولجة وما تخططه حكومة الصين الشيوعية من سياسة محلية وإقليمية ضد المسلمين لا بد من مطالعة القرار السري رقم: م ك (١٩٩٦م) الصادر بتاريخ ۱۹ مارس ١٩٩٦م من المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني برئاسة الرئيس جيانغ زامين، وبموافقة الأعضاء الدائمين، والذي يبلغ نصه الأويغوري خمسة عشر صفحة، وملخصه ما يلي:
۱ - شنجانغ جزء لا يتجزأ من الصين، ولكن الانفصاليين في الداخل والخارج يعملون على فصلها، ويجمعون قواهم حتى إن بعض الموظفين في الحزب والحكومة ينتقدون سياسة الحكومة المركزية بشكل مكشوف، بينما بعضهم يمارس العنف والإرهاب، وقد حان الوقت لاتخاذ خطوات عاجلة لبذر الشقاق والخلاف بينهم.
٢ – لابد من تطهير جميع أجهزة الدولة والحكومة والحزب من الأشخاص المشبوهين بسرعة فائقة، وإشغال أماكنهم بالأشخاص الذين يظهرون الولاء للحزب ولا يخشون الموت في سبيله، ولا بد من إرسال وإعداد الموظفين الصينيين الشباب لإسناد المهام إليهم في شنجانغ.
3 - يجب أن تسيطر الدولة على النشاط الديني، وتمنع جميع النشاطات الدينية الخاصة، ويمنع أعضاء الحزب الشيوعي من ممارسة أي نشاط ديني، ويطرد كل من يفعل ذلك، ويجب حماية الناس من الدعوة الدينية.
٤ - يمنع التبادل الثقافي من مدرسين وطلاب وعلماء حالًا، ولا يسمح لأي شخص أجنبي أن يلقي درسًا أيًا كان نوعه في المؤسسات التعليمية، ويجب اختيار الطلاب المبتعثين من شنجانغ بدقة، وحسب التزامهم بتعاليم الحزب الشيوعي، وكذلك تحديد عدد الطلاب الذين يدرسون في الخارج على حسابهم، ويمنع علاقة المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية بمثيلاتها في الخارج، والمدارس التي لا تتقيد بهذه التعليمات تغلق حالًا ويعاقب بشدة مدراءها والمسؤولين عنها.
5 - يطور أداء الأجهزة الأمنية كافة، ويجب اختيار القضاة والمسؤولين من الموالين للحزب، وكذلك بث العملاء والجواسيس لجمع المعلومات عن دعاة الانفصال في الداخل والخارج؛ إذ إن هناك علاقة وثيقة بينهم.
6 - ميلشيات جيش الإنتاج والبناء XPCC تقوم بدور كبير في استقرار الأوضاع في شنجانغ، ولا بد من تقويته وحل مشاكله المادية، حتى يتمكن من استيعاب الشباب المهجر، ولا بد من تركيز أفراده في مواقع السلطة والإدارة في الحزب والدولة والحكومة، ولا يقتصر عمله على البناء والإنتاج، بل هو جيش كامل الصلاحية في الدفاع عن الحدود والتجاوزات.
7 - فصائل جيش التحرير الشعبي PLA لا بد من تحديثه وتسليحه بما يمكنه من صد القوى الأجنبية التي تتطلع إلى التدخل في شنجانغ، ولا بد من تعزيز علاقاته بالحزب والجيش والشعب كي يقوم بدوره في حفظ وحماية المدن والقرى من حركات الانفصاليين في شنجانغ.
8 - المراكز الرئيسية لدعاة الانفصال هي تركيا، قازاقستان، وقيرغيزستان، أما الصين فهي دولة قوية ولها دور في الشؤون الدولية، وفي ذلك لابد من العمل بالطرق الدبلوماسية بممارسة الضغوط على هذه الدول لمنع نشاط أولئك في أراضيها، ولا بد أن تكون هذه الدول هي أهدافنا الرئيسية، ولا بد من تركيز الجواسيس والعملاء؛ إذ من خلالهم يمكن بث الفتن والخلافات بينهم وضرب بعضهم ببعض، ولابد من تشتيت قوتهم ومنع اتفاقهم حتى لا تتاح لهم فرصة تدويل قضية شنجانغ.
9 – لا بد أن مكاتب وإدارات الحكومة والدولة والحزب والأمن العامة وأمن الدولة والجيش، ووحدات جيش التحرير الشعبي، وميلشيات جيش الإنتاج والبناء أن تضع خطة مشتركة لإعداد قوة عالية التجهيز والتدريب وسرعة الحركة لقمع أي حركة أو مظاهرة أو أعمال عنف في شنجانغ بقوة، كما لابد من وضع خطة أخرى للاستفادة من الوحدات الأخرى في المقاطعات المجاورة.
۱۰ - منسوبو الحزب والدولة والحكومة مسؤولون عن تنفيذ هذه القرارات التي اتخذها المكتب السياسي بكامل أعضائه للجنة الدائمة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بدون تقصير.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠)
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل