; المجزرة وثورة الدم في فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان المجزرة وثورة الدم في فلسطين

الكاتب عبدالعزيز العمرى

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1990

مشاهدات 74

نشر في العدد 968

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 29-مايو-1990

       حكومة العدو ذهلت من تفاعل أهل (48) مع المجزرة.. وخافوا من انتقال الانتفاضة إلى الخط الأخضر

الحقد اليهودي سيؤدي حتمًا بدولة العدو إلى الزوال.. فهؤلاء القوم يعلمون تمامًا أن استخدام العنف في مواجهة الشعب الفلسطيني سيؤدي إلى تفجر غضبه.. وتصاعد ثورته.. ورغم علمهم بذلك.. ورغم يقينهم أن مصلحتهم تقتضي عدم إثارة مشاعر الشعب الفلسطيني أو استفزازه، إلا أنهم لا يستطيعون إخفاء حقدهم.. فينفجر ذلك الحقد كل مرة بصورة..

وهذه المرة تفجر حقدهم اليهودي بارتكاب مجزرة بشعة ضد العمال الفلسطينيين العزل..

جندي يهودي مسلح، يوقف «باصًا» يُقل عمالًا فلسطينيين الساعة السادسة صباحًا بتوقيت فلسطين، قرب مستعمرة «دبيشون تسيون» وتحت تهديد السلاح يأمرهم بالوقوف صفًّا واحدًا.. ثم- بكل هدوء- يبدأ بالتدقيق على هوياتهم.. ثم- وبكل هدوء أيضًا- يسألهم: أتعرفون لماذا أوقفتكم؟ فيجيبونه: لا.. فيرد عليهم: من الأفضل لكم أنكم لا تعرفون؟! ثم يفاجئهم بفتح نيران سلاحه «إم 16» في وجوههم.. ويستخدم في ذلك (3) مخازن من الذخيرة.. فقتل سبعة منهم على الفور وجرح تسعة آخرين استشهد أحدهم في المستشفى متأثرًا بجروحه.

ثورةالغضب والدم 

وما إن انتشر خبر استشهاد العمال حتى خرج أهالي قطاع غزة والضفة الغربية عن بكرة أبيهم إلى الشوارع في تحد غاضب للاحتلال وجنوده وآلته القمعية.. فاشتبك الناس مع الجنود في كل مكان وسط حالة من الثورة والغضب، لم تشهد الضفة والقطاع لها مثيلًا.. متوعدين الجنود بالأخذ بالثأر والتصميم على مواصلة الطريق رغم كل أعمال العنف.. ورغم المجازر..

لم يستجب الناس لإعلان حظر التجول الذي فرض على الضفة وغزة.. وقام الآلاف من الشباب والنساء والأطفال بالتصدي لجنود الاحتلال، وإقامة المتاريس وإشعال الإطارات وإلقاء الزجاجات الحارقة على الدوريات «الإسرائيلية»؛ مما أدى إلى جرح أحد عشر جنديًّا.. وفي هذه الأثناء عاد العمال الفلسطينيون العاملون في الأراضي المحتلة عام 1948 إلى القطاع، وهم يركبون الباصات ويلوحون بقمصانهم السوداء، ويهتفون «الله أكبر» والموت للمحتلين.. وقد التهبت المشاعر أكثر فأكثر إثر قدوم العمال ومشاركتهم في المواجهات.. والتحم الشعب بكل فئاته واتجاهاته في تحد استشهادي.. وبدأوا بمهاجمة ثكنات الجيش في جبالها والنصيرات والبريج والشاطئ وغيرها.. وقد واجه جنود العدو الجماهير بإطلاق الرصاص الحي؛ مما أدى إلى سقوط ثمانية شهداء آخرين وأكثر من ألف جريح..

وقد حاولت سلطات الاحتلال إخماد جذوة الثورة.. فقامت بتعزيز ثكنات الجيش بالجنود.. وضاعفت أعدادهم في معظم المواقع، واستخدمت راجمات الحجارة كما استخدمت طائرات الهليكوبتر لإلقاء الحجارة وملاحقة المتظاهرين..

لكن الحالة التي يواجهها جنود الاحتلال اليوم.. لم يألفوها من قبل، رغم كل صور البطولة والتضحية والثبات التي ضربها الشعب الفلسطيني خلال هذه الانتفاضة.. فكانت المواجهات والثورة أعنف ما شهدته فلسطين منذ تفجر الانتفاضة.. وألهبت المجزرة النفوس بأعنف مما فعلته حادثة المقطورة التي كانت الفتيل الذي أشعل شرارة الانتفاضة.

وقد ذعر الجنود من شدة غضب الأهالي.. وأخذوا يتركون أماكنهم، ويهربون أمام غضبة الجماهير الثائرة، وشوهدت نقاط التفتيش وهي تخلو من الجنود.. وسمعت نداءات عاجلة في مخيمات غزة تطالب الفلسطينيين التبرع بالدم.

وقود المعركة

وفي صبيحة ذلك اليوم وبعد ساعة من المجزرة وتفجر الثورة، أصدرت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بيانًا للشعب الفلسطيني بعنوان: «الدم وقود المعركة.. ونموت جميعًا وتحيا فلسطين» جاء فيه: «لقد ارتكبت سلطات الاحتلال النازية مجزرة دموية رهيبة ضد عمالنا فجر هذا اليوم؛ حيث قتل أحد الجنود سبعة من إخواننا وجرح العديد عندما فتح عليهم نيرانه، ونحن لا نستبعد أن يبرروا ذلك بقولهم: إن هذا الشخص مجنون كعادتهم، وأمام هذه المجزرة، نوجز ما يلي:

أولًا: ينفذ إضراب عام في كافة مدن وقرى ومخيمات فلسطين لمدة ثلاثة أيام متتالية اعتبارًا من اليوم.

ثانيًا: يتضمن الإضراب تصعيدًا دمويًّا واشتباكًا مع جنود الاحتلال والمستوطنين في كافة المناطق.

ثالثًا: نتوجه إلى أهلنا في مناطق (48) للإعراب عن سخطهم على هذه المجزرة البشعة.

رابعًا: نرجو أن تكون هذه الحادثة إشارة جديدة على استحالة التعايش مع هؤلاء القتلة.

كما أصدرت حركة «حماس» نداءً آخر للسكرتير العام للأمم المتحدة بيريز ديكويلار طالبته فيه التحرك والضغط على «إسرائيل» لإيقاف نزيف الدم الفلسطيني وانسحاب الجيش من المخيمات في أسرع وقت ممكن.

تضامن

وفي منطقة (48) أصدرت الهيئات المختلفة بيانات أدانت فيه المجزرة.. وأدانت حكومة «إسرائيل» التي هيأت الظروف لمثل هذه الأعمال، وقام أعضاء هيئة السلطات الإسلامية بعقد اجتماع طارئ فور سماعهم لخبر المجزرة، وتم الاتفاق على سرعة التحرك لمواكبة هذا الحادث، ودعوة لجنة المتابعة العليا للاجتماع واتخاذ الإجراءات المناسبة.

ومن الجدير بالذكر أن ثورة أهل (48) وغضبهم في أعقاب ورود أخبار المجزرة، كانت عنيفةً ومميزةَ.. وقد أذهلت المسؤولين في حكومة العدو الذين خافوا أن تنتقل الانتفاضة إلى داخل الخط الأخضر.. حيث حدثت مصادمات متعددة مع جنود الاحتلال، ورفع الأهالي الإعلام السوداء تضامنًا مع إخوانهم في الضفة والقطاع.

مجنون

وسارع قادة العدو إلى شجب الحادث واستنكاره كما فعلوا دائمًا تجاه العديد من الجرائم الدموية المماثلة.. وسارع شامير وحكومة الاحتلال إلى الادعاء بأن مرتكب المجزرة مجنون ومعتوه ويعاني من أمراض نفسية.

وهكذا تمر كل جرائمهم.. بمثل هذا العذر.. فالمجنون لا يؤاخذ ولا يحاسب على تصرفاته... وهذا المجنون «!!» يقوم بكل هذه الترتيبات المحكمة.. وبكل هدوء.. يحمل سلاحه.. ويحمل معه (3) مخازن ذخيرة ويوقف الباص.. ويحقق مع العمال.. وينفذ المجزرة.. ثم يهرب بسيارة معدة لذلك.. ولا عجب فالذي أحرق المسجد الأقصى.. قالوا عنه: مجنون.. والذي فتح النار على المصلين فيه، قالوا عنه: مجنون..

والحقيقة أن هذا الحادث يجب أن ينظر له في سياق سياسة العدو من جهة، وفي سياق المرحلة من جهة ثانية.

وكل ذلك يؤكد أن هذه المجزرة مرسومة ومتعمدة من حكومة العدو.. وليست فعلًا منفردًا لمجنون.. كما يحاولون الادعاء..

فسلطات الاحتلال تتبنى سياسة القمع وإحداث المجازر ومحاولة إيجاد جو مستمر من الإرهاب وتوقع المخاطر من أجل إحداث مزيد من الضغوط على شعبنا في محاولة لدفعه باتجاه الهجرة طلبًا للأمن وهروبًا من المجازر وأعمال العنف.. وليس مستبعدًا أن تكون هذه المجزرة بداية دموية لمرحلة ودورة جديدة من العنف ضد شعبنا؛ لإضعافه وبث الذعر في صفوفه وتهجيره.. لتخلو الساحة لموجات المهاجرين من الاتحاد السوفياتي وغيره..

كذلك فإن المجزرة.. وفي هذا الوقت بالذات قبل انعقاد القمة العربية في بغداد تأتي لتؤكد سياسة «إسرائيل» وثوابتها.. ورفضها لكل أطروحات السلام التي يعول عليها الطرف الفلسطيني.. ويحاول في مؤتمر القمة أن يحقق التزامًا عربيًّا بمسيرته السلمية وخطه التسووي..

إن اليهود يؤكدون كل يوم تشددهم وتمسكهم بثوابتهم وأطماعهم وأحلامهم التوسعية.. ويبرهنون كل يوم أنهم لن يتعاملوا مع خطة «السلام» الفلسطينية.. وأنهم لن يوافقوا على دولة فلسطينية مستقلة.. ولن يفاوضوا منظمة التحرير..

والطرف الفلسطيني يحاول دائمًا التأكيد على نواياه الحسنة.. غير العدوانية ورغبته في العيش بسلام ووئام.. واستعداده للجلوس مع العدو والتفاوض.. وإقامة العلاقات «الطبيعية» مع الجارة «إسرائيل»؟! وينتقي دائمًا العبارات والتصريحات التي لا تثير غضب «إسرائيل».

وهكذا فإن اليهود ينتقلون من مرحلة إلى مرحلة أكثر عنفًا وتشددًا ودموية في تعاملهم مع شعبنا.. ويسيرون بخطى حثيثة وثابتة باتجاه تحقيق أطماعهم التوسعية بإنشاء «إسرائيل» الكبرى.. وتهجير اليهود، والطرف الفلسطيني يسير من مرحلة إلى مرحلة أكثر تراجعًا وتنازلًا وقبولًا بالعصر اليهودي البغيض..

مرحلة التأثر

وكما كانت حادثة المقطورة شرارة الانتفاضة المباركة.. فإن مجزرة العمال الفلسطينيين يجب أن تكون نقطةً ومنعطفًا للتحول إلى مرحلة جديدة من التعامل مع الاحتلال وجنوده.. مرحلة أشد عنفًا وإيلامًا.. وقد استوعب شعبنا الإشارة.. فانطلق ثائرًا في نفس يوم وساعة وقوع المجزرة.. انطلق في ثورة غاضبة وعارمة.. وقدم (20) شهيدًا و(1250) جريحًا في ذلك اليوم، ومازال مستمرًا في مواجهاته وتضحياته من أجل إحداث النقلة النوعية في التعامل مع الاحتلال والتصدي له.

لكن الذين لم يستوعبوا الإشارة.. ولم يفهموا دروس التاريخ هم الذين يحاولون أن يفهموا الأشياء والحقائق بطريقتهم الخاصة وبما يناسب أطروحاتهم الخاطئة.. ولا يحاولون تعديل أطروحاتهم و«التراجع عن تراجعاتهم» لتتناسب مع المرحلة.. مرحلة الجهاد لا السلام.. ومرحلة الثأر.. لا التعايش والتسوية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل