; المحاكاة | مجلة المجتمع

العنوان المحاكاة

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-2014

مشاهدات 90

نشر في العدد 2073

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 01-يوليو-2014

تفضل الله علينا بعمرة لزيارة البيت الحرام، مجموعة من النساء أردن تعلم الإسلام عن طريق المحاكاة، والتفاعل مع الآيات طوال وجودهن في هذه الصحبة الطيبة.

كانت إقامتنا في فندق يزيد على أربعين طابقاً، وبالرغم من زيادة عدد المصاعد، فإنه مع زيادة العدد يمكنك أن تنتظر المصعد مدة طويلة من الزمن، وعندما تفتح أبوابه وتتنفس الصعداء، قد يخيب رجاؤك فليس لك فيه مكان، عندما تكرر هذا الأمر انتظرنا حتى فتحت أبواب المصعد، وبسرعة قالت إحدانا لمن بداخله: أفسحوا يفسح الله لكم، وكانت المفاجأة؛ إذ توسع المكان بشكل لافت للنظر فاتسع لنا ولمن كان ينتظر في الأدوار المتبقية.

أخذتُ أفكر، سبحانك ربي! يحوي القرآن أكثر من ستة آلاف آية تنتظر من يتحرك بها ويطبقها، من يستحضرها أو يسمعها؛ فيمتثل لها ويقول: سمعنا وأطعنا، وهذا هو عهد الله وميثاقه مع المؤمنين؛ (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا) (المائدة:7)، فتنتظم أمورنا ونسعد بالحياة الطيبة في الدنيا وحسن الجزاء في الآخرة.

قررنا في رحلتنا المباركة هذه أن يكون القرآن وآياته وفعل رسول الله ومحاكاته هو النبراس لنا، ولم نتأخر كثيراً، ففي مداخل المسجد مثلاً نرى تكدس المسلمين عند البوابات، بالرغم من أن في الداخل توجد أماكن كثيرة، ولكن أنى الوصول إليها، فتردد أي أخت: يا أخواتي، تفسحوا في المجالس، هذا أمرُ مَنْ أتيتم لزيارته، فتتسابق المعتمرات في الإفساح، بحيث يجد الجميع بغيتهم، وكان لطيفاً جداً في مرة من مرات صعودنا بالمصعد، أن قررت إحدى الأخوات التحرك بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم عن إلقاء السلام؛ لأن كل من تدخل للمصعد تدخل صامتة، وأغلب المتواجدات نساء، فقالت الأخت: موجهة حديثها للجميع: مَنْ التي توجه التحية؟ الداخل علينا أم نحن؟ فتبتسم الداخلة للتو وتلقي السلام وهي تعتذر، ليحدث التعارف ونتحرك بقول الله سبحانه وتعالى؛ (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (الحجرات).

وتستمر الحياة رائعة بالتحرك بالقرآن والسُّنة، فمثلاً ونحن في الطريق من مكة للمدينة المنورة، احتجنا إلى التوقف في الطريق للصلاة، وعند دخولنا حمامات الاستراحات بالطريق، كانت الرائحة نفاذة تضطر كل من أرادت الدخول بحركة غير إرادية أن تضع يدها على أنفها مع إظهار التأفف والاشمئزاز، وإذ بإحدى الأخوات تتحرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: "إن الله نظيف يحب النظافة".

وإذ بها ممسكة بالممسحة في الممشى (الطريق) الذي يؤدي للحمامات، قائلة بصوت يسمعها الجميع: يا من تحببن خالقكن، إنه نظيف ويحب النظافة، هيا تقرباً من جلاله سبحانه بتنظيف هذا المكان، هيا أختاه ضعي لي المياه، وفوراً وجدنا أنفسنا جميعاً نتنافس في هذا الخير، من ترفع الأوراق الملقاة، ومن تسكب لها المياه، ومن تملأ "الجرادل" بالمياه وتلقي بها في عمق الحمامات، ومن تشارك في كنس المكان، وما هي إلا عشر دقائق بالدقيقة، وقد صار المكان أفضل مما كان، وقد امتلأت الوجوه بابتسامة الراحة والطمأنينة.

ونحن نهمّ بركوب الحافلة، قالت الأخت: هكذا دنيانا؛ إن تركناها من بعدنا وقد تحركنا فيها بالدستور الإلهي بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، سنتركها بلا حسد ولا غل ولا كراهية، بل بحب وعدل وسلام، غفلت عيناي قليلاً وأنا لا أستطيع نسيان الفرق الذي أحدثته هذه الأخت الفاضلة في هذا المكان، بمبادرتها وتجاوبنا معها، فنحن جميعاً نحفظ هذا الحديث، ولكن العمل به هو الفيصل الحقيقي.. فعلاً هو الفيصل الحقيقي.

عند وصولنا إلى المسجد النبوي، مشتاقات بالطبع إلى زيارة المسجد الذي إليه تشد الرحال، وصلنا قرب وقت الصلاة، وبنفس الآية دخلنا جميعاً نحن ومَنْ وراءنا: تفسحن أخواتي يفسح الله لكن؛ حقيقة رأيناها بأم العين أن المكان أصبح يتسع للجميع، وهو نفس المكان الذي كان يبدو ضيقاً من قبل.

في العشاء بعد رجوعنا لمكان إقامتنا، قالت أختنا عائشة (أم يوسف): كم أنا متمتعة في هذه الرحلة من التطبيق العملي للقرآن والحديث، وكم تأثرت به؛ ولذا سأروي لكنَّ قصة حدثت معي.. ففي أيام غزو الكويت كانت تقيم معي في منطقة صباح السالم أختي مديحة (أم إبراهيم) وأشارت إليها، وأخي وأولادهم مع أولادي، وكان الوضع قاسياً إلى حد بعيد جداً، وفي يوم طرق بيتنا طارق، فإذا هي صديقة لنا مسكنها في مكان بعيد عنا في منطقة الروضة، بعد الترحيب بها كان وجهها شاحباً، فقالت بدون أي مقدمات أو وضع رتوش لتزيين كلماتها: أختاه، لا يوجد خبز بمنزلي لأولادي، لم أدعها تكمل، ولكن أمهلتها قليلاً ودخلت حجرتي على الفور وفتحت صوان ملابسي (دولابي) لأخرج العشرين ديناراً التي هي رأسمال كل هذه العائلات المقيمة معي، وولد أخي في إثري ممسكاً بذيل ثوبي: عمتي، هذا كل ما نملك، لا تعطيها المال، اعتذري لها، وأنا أقول بيقين: ربك قال سبحانه: (وماأنفقتم من شئ فهو يخلفه) (سبأ:39)، حقاً كان لدي يقين أن الله سبحانه لن يضيعنا، وأنا واثقة بربي، واصلت طريقي إلى صديقتي التي استنجدتْ بي، ووضعت المال بيديها، ولم تمهلني إذ بسرعة خرجت لعلها تقدم العون لأولادها.

لم تصل الأخت بعد لمنزلها وإذا ببابنا يطرق للمرة التالية: أين أم يوسف؟ قلت له: أنا، قال وهو يدفع لي ظرفاً: هذه ألف دينار لك، وأين أم إبراهيم؟ خرجت له أختي؛ فدفع لها ظرفاً مماثلاً بألف دينار مردداً: هذا حقكم وانصرف! سجدت لله شاكرة حسن ظني به وثقتي بوعده، العشرون أصبحت ألفين، في بضع دقائق.. نعم في بضع دقائق فقط!

في اليوم التالي بعد الصلاة، ذهبت إحدى الأخوات التي سمعت قصة أم يوسف لإحضار العشاء لنا، ودخلت علينا وهي ممسكة بكيس فاكهة منوعة، وهي تردد: آمنت بعطاء الله وكرمه وجوده، وجلستْ تروي ما حدث معها، حيث قالت: تأثرت جداً بقصة أختي بالأمس، واليوم وأنا أشتري العشاء وجدت امرأة فقيرة تشير إلى فمها تطلب طعاماً، فطلبت من صاحب المطعم أن يعطيها وسأدفع له، وبالفعل خرجت من المكان وأنا في طريقي إليكن عرجت على صاحب الفواكه لأشتري بعضاً منها، ولكن، وبعد أن أعد الرجل ما طلبت ووضع أيضاً زيادة عليه، طلبت منه إخباري بالثمن فقال: لا شيء، ففي كل مقدار من الربح يأتيني لابد من أن أبيع مجاناً للزبون القادم؛ وقد كنت أنت هذا الزبون، حاولت معه بلا فائدة، وتحقق معي ما قالته أختي بالأمس، فقبل رجوعي إليكن وبمجرد إطعامي للمسكينة كان عطاء مولاي؛ (وماأنفقتم من شئ فهو يخلفه)، أخذت أم يوسف بعضاً من الفاكهة، وكذلك فعلت أم إبراهيم، ولسان حالهما يقول: يحق لنا أن نطعم من عطاء الله سبحانه.

قبل أن ينفض المجلس، قالت إحدى الأخوات: يا حبيباتي، لي ملاحظة على هذا الموضوع، إن ما سمعناه ورأيناه اليوم آيات لنا تثبتنا على طريقنا، والتاريخ الإسلامي مليء بمثل هذه الوقائع والآيات، ولكن.. إذا حدث الإنفاق وتأخر الإخلاف فلا يشكنَّ أحد في وعد الله تعالى، فهو سبحانه قال: (وماأنفقتم من شئ فهو يخلفه)، ولكنه سبحانه لم يحدد موعد الإخلاف ولا مكانه ولا شكله وطريقته، ولكنَّ وعد الله حق، تعالت الأصوات باستحسان ما قالته الأخت والتأمين عليه والدعاء لها.

انتهت أيام العمرة كما بدأت، وتعاهدنا بعد أن رأينا من بركة التحرك بالقرآن والسنة ما رأينا، أنه مازالت أمامنا الآلاف من الآيات نريد أن نتحرك بها على الأرض، لقد تيقنا أن التحرك بالقرآن والسُّنة هو الحياة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

222

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

118

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 3

135

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة