; المخاوف الغربية من تسلح نووي إسلامي | مجلة المجتمع

العنوان المخاوف الغربية من تسلح نووي إسلامي

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992

مشاهدات 70

نشر في العدد 986

نشر في الصفحة 22

الأحد 26-يناير-1992

لم ينقطع الإعلان عن المخاوف الغربية من أن تصل أسلحة نووية أو تصل تقنية صناعتها إلى بلد من البلدان الإسلامية ولم تنقطع الجهود المبذولة للحيلولة دون ذلك بتركيز كبير، ولا يميز الغربيون في هذا الموقف المبدئي الثابت إطلاقًا بين دولة وأخرى من حيث الاتجاه أو نسبة ارتباط المصالح أو نوعية نظام الحكم أو الظروف الدولية والإقليمية الآنية.. وأول ما يجب طرحه من الأسئلة للنظر في هذا الموضوع نظرة موضوعية:

1- ما هي صور التعبير عن تلك المخاوف والجهود؟

2- ما هي مبرراتها الموضوعية على أرض الواقع.. وأهدافها الحقيقية تبعًا لذلك؟

وكان انهيار الاتحاد السوفيتي قد أحدث نقلة بعيدة المدى في حجم حملة الإعراب عن المخاوف المذكورة وطرحها للرأي العام الغربي لتبرير الجهود المبذولة، والمحتمل بذلها في هذا الاتجاه في المستقبل أيضًا، فمنذ ظهر أن تفكك الدول الكبرى في الشرق واقع لا محالة أصبحت التصريحات الغربية حول الموضوع نقطة ثابتة على جدول الأعمال اليومي لمعظم الساسة الغربيين مما يدفع في هذا الموضوع إلى الاكتفاء باختيار نماذج من ذلك مما ظهر في الآونة الأخيرة، ولعلها تنطوي جميعًا في إطار بعض ما حددته الصيغة العامة الجديدة لحلف شمال الأطلسي وفق ما أقرها مؤتمر قمته الأخيرة في روما في 8/ 11/ 1991م، إذ أكدت على تفادي كل ما من شأنه أن يؤدي إلى انتشار أسلحة نووية ووسائل أخرى للتدمير الشامل.. فإذا أردنا تحديد المقصود بذلك أمكن العودة إلى مقابلة أجرتها مجلة الشبيجل الألمانية المعروفة مع الأمين العام للحلف مانفريد فورنر، ونشرتها يوم 4/ 11/ 91م فشرح فيها أمرين: أولهما انتقال مركز ثقل الوجود العسكري من أوربا إلى عرض البحر الأبيض المتوسط كهدف رئيسي في السنوات المقبلة، وعلل ذلك بمواجهة الأخطار المستقبلية المتوقعة مما وصفه بحزام الأزمات، وحدده جغرافيًّا بالمنطقة الممتدة من المغرب إلى باكستان.. 

والأمر الثاني: هو المهام الثلاثة الرئيسية المطلوبة على صعيد هذه المنطقة، وإحداها: منع وصول الأسلحة النووية وسواها من أسلحة التدمير الشامل إليها.. 

•  المطلوب تجريد البلاد الإسلامية من أي قوة ردع.. وليس حماية الشمال المدجج بالسلاح النووي من خطر عسكري من جانب بلد إسلامي

والجدير بالذكر أن المهمة الثانية هي مكافحة الإرهاب، والثالثة مكافحة ما يوصف بالمبدأ الأصولي الإسلامي.

وعندما زار وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر خمسًا من الدول الناشئة عن انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر العام الميلادي الماضي صرح قبل الزيارة وبعدها بأن الهدف الرئيسي هو تحديد مصير الأسلحة النووية وضبط التصرف بها لضمان عدم انتقال شيء منها أو من تقنية صناعتها أو من الخبراء في ذلك إلى بلد من بلدان الشرق الأوسط. ولم تنقطع منذ ذلك الحين المساعي الغربية في هذا الاتجاه، وآخرها المبادرة التي تقدمت بها ألمانيا الآن لحلف شمال الأطلسي ليدخل في اتفاق أمني شامل مع رابطة الدول المستقلة الشرقية بما يتضمن إشراف حلف شمال الأطلسي مباشرة على إتلاف الأسلحة النووية باستثناء ما يبقى لروسيا؛ أي في الدرجة الأولى الأسلحة الميدانية النووية «التكتيكية» الموجودة بنسبة 9% في البلدان الإسلامية الستة بما فيها كازاخستان والأسلحة النووية السوقية الموجودة بنسبة 7% في كازاخستان من أصل مجموع حجم الترسانة النووية للاتحاد السوفيتي المنهار.

وقد دارت في المجلس النيابي الاتحادي في بون في منتصف كانون الثاني- يناير الجاري مناقشة حول مهام الجيش الألماني في المستقبل ولاسيما ما يتعلق برغبة الحكومة في تعديل الدستور ليسمح بمشاركة الجيش في مهام قتالية تحت مظلة الأمم المتحدة خارج نطاق أراضي حلف شمال الأطلسي، فكان من التعليلات الرسمية الرئيسية على لسان وزير الدفاع جيرهارد شتولتنبيرج ضرورة التلاقي مع ما وصفه بالأخطار المحتملة من المنطقة الإسلامية نظرًا إلى عدم استبعاد أن تصل بعض دولها إلى مستوى صناعة الأسلحة النووية، ونظرًا إلى تنامي التيار الإسلامي فيها.

ودعا رئيس الوزراء البريطاني جون ميجو فور استلام بريطانيا رئاسة مجلس الأمن الدولي إلى عقد مؤتمر قمة له ستكون في نهاية كانون الثاني- يناير الجاري، وسيطرح فيها ثلاثة مواضيع: أحدها تعزيز منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وعندما سألت جريدة الحياة 17/ 1/ 92 المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة ديفيد هاناي في هذا الموضوع عن مدى جدية الجهود المبذولة لمنع انتشار الأسلحة النووية ما دامت قائمة على أساس الانتقاء، إشارة إلى التركيز على البلدان العربية والإسلامية واستثناء ما هو معروف عن صناعة السلاح النووي الإسرائيلية.. فكان جوابه: «أوافق على القول إننا نعتمد أسلوبًا انتقائيًّا، وأشك في أن أحدًا يعتقد أن مسألة القدرة النووية الإسرائيلية يمكن أن تعالج خارج إطار عملية السلام في الشرق الأوسط».

ويمكن تفسير هذا الموقف بأن المراد أن تبقى الطاقة النووية الإسرائيلية على المستوى العسكري ورقة بيد الطرف الإسرائيلي دون مقابل إلى أن تسفر عملية السلام عن نتائج تتلاءم مع هذا الخلل في توازن القوى.. وهذا ما ينقلنا إلى ربط حملات الإعراب عن المخاوف الغربية في الوقت الحاضر بالأغراض السياسية المقصودة منها، فلا يستغرب أن تظهر فجأة حملة على الجزائر تثيرها جريدة بريطانية أثناء بروز التيار الإسلامي عن طريق الانتخابات فتزعم أن كميات من اليورانيوم المشع وصلت من العراق إلى الجزائر قبل حرب الخليج الماضية، وأن في الإمكان الاعتماد عليها لصناعة أسلحة نووية في مصنع الطاقة النووية الذي بدأ بناؤه بالتعاون مع الصين في منتصف عام 1991م، ويتبين مدى افتقار هذه الحملة لإثارة مخاوف الرأي العام الغربي إلى أي أساس موضوعي إذا علمنا أن الانتهاء من بناء المصنع النووي المذكور وهو الأول من نوعه يحتاج إلى سنوات عديدة، وأن أسلوب عمله لا يصلح في الأغراض العسكرية، وأن طاقته لن تتجاوز 15 ميجا واط سنويًّا، فهو صغير لا يقارن بالمستويات العالمية الحالية مثل طاقات المصانع الأمريكية للطاقة النووية بحجم (100.000) والفرنسية بحجم (40.000) والألمانية الأضعف من سواها بحجم (11000) ميجا واط في العام الواحد.

كما يبرز الهدف السياسي من وراء إثارة المخاوف المزعومة من خلال مثال الحملة على مصنع نووي مماثل من الصين لسورية على ضوء موقفها فيما يجري باسم عملية السلام، وكذلك مثال إيران لعرقلة تعاونها المتنامي مع قازاقستان وسواها من البلدان الإسلامية وسط آسيا، بغض النظر عن تقويم هذا التعاون في هذا الموضع.

وقد بدأت الحملة الراهنة أول ما بدأت بإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم 6/ 3/ 1991م أمام الكونجرس الأمريكي عن أربع نقاط كمبادئ رئيسية في سياسته، كان إحداها اتخاذ إجراءات لوقف انتشار أسلحة الدمار الشامل، وسرعان ما تبين أن القصد هو البلدان الإسلامية وأنه يتجاوز نطاق قطاع التسلح النووي إلى قطاع الأسلحة التقليدية الحديثة إجمالًا عندما وضعت وزارة الدفاع الأمريكية خطة كشفت عنها جريدة نيويورك تايمس يوم 14/ 9/ 91م.

وأعلن وزير الدفاع الأمريكي تشيني بعد أسبوع واحد أنها صحيحة ومحورها مراقبة تيارات التسلح في الشرق الأوسط وأهم بنودها العمل على خلو البلاد العربية والإسلامية من الأسلحة الكيمياوية والحيوية والنووية.

إن هذه الصورة المجملة تستدعي ملاحظة أمور جوهرية:

1- لقد أدى زوال أزمة الشرق والغرب إلى إسقاط العنصر العسكري في المستقبل المنظور في طبيعة العلاقات بين قوى الشمال ومحاوره، بغض النظر عن استمرار الصراع في ميدان التقنية الحديثة والإنجازات الاقتصادية المادية.. ولكن هذا التطور الدولي لم يسقط على الإطلاق العنصر العسكري في التعامل مع قضايا الجنوب عامة بما في ذلك المنطقة الإسلامية.

2- إن في مقدمة العوامل التي أسقطت مفعول أسلحة الدمار الشامل ومنها السلاح النووي في علاقات الغرب والشرق هو ما عرف تحت عنوان «عامل الردع»، والمراد الآن أن ينعدم مفعول هذا العامل على مستوى علاقات الشمال بالجنوب انعدامًا تامًّا ليس على مستوى أسلحة الدمار فقط، بل وعلى مستوى الأسلحة التقليدية المتقدمة أيضًا.

3- إن ما يثار من مخاوف تجاه احتمال تسلح بلد إسلامي بالسلاح النووي يعرض كما لو كان ذلك قابلًا للتحقيق بين ليلة وضحاها، ويبدو أن الهدف الحقيقي من طرح القضية بأسلوب التخويف هو إعداد الرأي العام العالمي وداخل دول الغرب خاصة لتقبل أسلوب التعامل مع البلدان الإسلامية وقضاياها من منطلق الحصار وهضم الحقوق على أكثر من صعيد.

4- إن الهدف لا يكمن في منع نشوء خطر من جانب بلد إسلامي تجاه الغرب ومصالحه أو تجاه كتلة الشمال عامة وسيطرتها الراهنة دوليًّا، وإنما يكمن في تجريد البلدان الإسلامية جميعًا من أن تملك أي قدر من أسباب الردع تجاه من لا يزالون يستخدمون العنصر العسكري في تعاملهم معًا ويحققون من خلال استخدامه أو مجرد التلويح باستخدامه ما يريدون تحقيقه من أهداف سياسية أو اقتصادية.

التركة النووية السوفيتية في البلدان الإسلامية

لا تقتصر مسألة التركة النووية السوفيتية وما سيصنع بها على قازاقستان من بين الدول الإسلامية الستة المستقلة في تركستان وقفقاسيا، بل يشمل البلدان الأخرى أيضًا. وكان تقرر في آخر معاهدة أمريكية- سوفيتية عقدت بعد أن أصبح مستقبل الاتحاد السوفيتي مجهولًا على الأقل أن يجرى إتلاف سائر الأسلحة النووية الميدانية «التكتيكية» في الاتحاد السوفيتي، وهذه منتشرة في البلدان الإسلامية الستة بخلاف الأسلحة النووية السوقية المنتشرة في قازاقستان إلى جانب روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء.

توزيع الأسلحة السوقية وتوزيع الأسلحة الميدانية

وكان في دول البلطيق الثلاثة 780 قطعة سلاح نقلت إلى روسيا كما يوجد في جورجيا وأرمينيا ومولديفيا 710 قطعة سلاح، ويوجد في بقية البلدان الإسلامية 680 قطعة سلاح نووي ميداني، منها 300 في أذربيجان، و125 في تركمانستان، و105 في أوزبكستان، و75 في كل من طاجكستان وقيرغزيا.

القتل البطيء

أجرت الرابطة الدولية للأطباء لمنع حرب نووية دراسة تقول: إن التجارب النووية التي كانت تجرى فوق سطح الأرض وبلغ عددها 423 بين عامي 1945 و1980م ستسبب وفاة ما لا يقل عن 430 ألف إنسان بإصابات سرطانية قبل حلول عام 2000م ووفاة ما لا يقل عن 2.4 مليون إنسان بالمجموع من بعد ذلك التاريخ أيضًا.

وكان حظر التجارب النووية فوق الأرض بمعاهدة وقعت عام 1963م وتتوزع نسبة إجراء التجارب النووية حاليًا بين دول النادي كما يلي: (الفترة من 1945 إلى 1991).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل