; المدارس الإسلامية في البوسنة.. حارسة الهوية | مجلة المجتمع

العنوان المدارس الإسلامية في البوسنة.. حارسة الهوية

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2004

مشاهدات 56

نشر في العدد 1629

نشر في الصفحة 38

السبت 04-ديسمبر-2004

سراييفو: عبد الباقي خليفة

abdulbakihalifa@hotmail.com                                تعود للازدهار من جديد

                      المدارس الإسلامية في البوسنة.. حارسة الهوية

منصر نمساوي: لا أستطيع فعل شيء لأن المدارس الإسلامية تحصن المسلمين

مرت البوسنة والهرسك في تاريخها بعدة مراحل عرفت فيها مدًا وجزرًا فيما يتعلق بالثقافة الإسلامية، وتحديدًا المدارس التي حافظت على زخمها لعدة سنوات بعد انحسار ظل الخلافة العثمانية عن منطقة البلقان، وبالأخص البوسنة والهرسك، هذا ما أكده الدكتور عزت تارزيتش في لقائه بـ المجتمع . ففي سنة ١٣٢٧ هجرية ١٩٠٩م بلغ عدد المدارس ٤٢ مدرسة وعدد طلابها ١٦١٣ طالبًا.

وكان بإمكان الطلاب مواصلة تعليمهم في دار المعلمين التي أسست سنة ١٣١١ هجرية ۱۸۹۳م، أو في كلية الشريعة التي أسست عام ۱۳۰۳ هجرية ١٨٨٥م والتي تؤهل خريجيها لأن يصبحوا قضاة شرعيين في ذلك الوقت. 

لكن قيام المملكة الصربية الكرواتية السلوفينية على أنقاض الاحتلال النمساوي للبوسنة غير كثيرًا من الأوضاع ، ففي سنة ١٣٤٩ هجرية ١٩٣٠م انخفض عدد المدارس الإسلامية إلى ١٨ مدرسة فقط، ومع قيام الحكم الشيوعي في يوغسلافيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية (۱۹۳۹ / ١٩٤٥م) أغلقت جميع المدارس ما عدا واحدة هي مدرسة الغازي خسرف بك. 

ونتج عن ذلك فراغ كبير في البوسنة، ففي عام ١٣٥٠ هجرية ۱۹۳۱م كانت المشيخة الإسلامية تشرف على عدد من الخطباء والأئمة في ۱۱۲۰ مسجدًا منهم ٢١١ يقومون بتسجيل عقود الزواج الشرعي و ٥١ أستاذًا في ١٨ مدرسة و ۷۰ قاضياً شرعياً، حيث أدى كل هؤلاء واجباتهم في المحافظة على هوية المسلمين من الذوبان.

وبرز عدد كبير منهم، ومن بينهم درويش سباهيتش صاحب مدرسة بويسكة القريبة من زينيتسا الذي تخرج على يديه جيل من الدعاة المميزين وقد منعهم الشيوعيون من العمل.

مدرسة الغازي خسرف بك

تعد من أشهر المدارس الإسلامية في البوسنة والهرسك بل في شبه جزيرة البلقان بأكملها، وكان الغازي خسرف بك حاكمًا للبوسنة عندما شيد المدرسة المعروفة باسمه عام ١٥٣٧م. 

ظل خسرف بك في الحكم من ١٥٠٦ إلى ١٥٤٣م وهو مشهور بشجاعته في القتال وانتصاراته العديدة على الأعداء حيث أصبح من أغنى الناس في وقته، وكان يملك ٢٠٢ دكانًا وممتلكات أخرى.

وبنى مسجدًا وحمامًا وسوقًا مغطى مع الدكاكين وغيرها من المباني، ومدرسة الغازي خسرف بك تشبه مدارس الدولة العثمانية مثل بروسة وأدرنة وإسطنبول.

 ومن الناحية المعمارية لا تختلف كثيرًا عنها، حيث كانت مستقلة وتقع بجوار أحد المساجد ولها فناء داخلي محاط من جميع الجهات بحجرات الطلبة والأساتذة والفصول. 

أما المواد التي كانت تدرس في المدرسة والتي وضعت في القرن السادس عشر الميلادي، فهي علم البيان والمعاني والأصول والأحكام والحديث والتفسير وعلم الكلام وغيرها، وكان الغازي خسرف بك بعيد النظر، حيث أمر بألا تقتصر مناهج الدراسة على العلوم التي ذكرت في وقفيته بل أن تتقدم وتتطور وتشمل العلوم الأخرى حسب متطلبات الحياة ومقتضيات الزمان، وقد زادت أعداد المواد فعلاً حتى بلغت ١٤ مادة في مختلف العلوم خلال القرن السادس عشر الميلادي.

وكانت الدروس تحمل اسم الكتاب الذي يدرس منه في ذلك الوقت، وتستمر دراسة كتاب واحد في بعض الأحيان عامًا كاملاً أو عامين.

طريقة التدريس

يبدأ المدرس مع طلابه – الذين ينضمون للحلقة – من بداية الكتاب وبعد ٤ سنوات ينهي الطالب الجزء الأول من دروس المرحلة الوسطى ( وتشمل هذه الدروس ثلاثة أو أربعة كتب في الصرف والنحو واللغة العربية ثم كتابًا أو كتابين في التربية الإسلامية وهي قسم التوحيد والعبادات والأخلاق) ثم ينتقل إلى الجزء الثاني من نفس المرحلة التي كانت تدوم ٤ أو ٦ سنوات أخرى (ويدرس فيها نفس مواد الجزء الأول، لكن بالتفصيل مع دروس في المنطق كمادة جديدة) وبعد ذلك ينتقل الطالب إلى المرحلة العالية ويدرس فيها تفسير القرآن والحديث وأصول الفقه وعلم الكلام والحكمة أي الفلسفة.

وبعد دراسة تستمر لمدة ١٢ أو ١٦ سنة، يمنح الأستاذ لطلابه إجازة.

وبهذه الإجازات (أي الشهادات) يحق للطالب المتخرج أن يعين في المناصب والوظائف الدينية وغيرها كوظيفة الإمام أو الخطيب أو المعلم أو المدرس أو القاضي الشرعي في المحكمة والمفتي.

إعادة افتتاح المدارس بعد الاستقلال

في عام ١٩٩٢م أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها عن يوغسلافيا كغيرها من الجمهوريات مثل سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا، وكان من القرارات التي اتخذتها، إعادة المدارس الإسلامية لتواصل دورها التثقيفي والتعبوي بعد عقود من القهر والعبودية.

وقال محرم عمر ديتش مسؤول المدارس الإسلامية التابعة للمشيخة الإسلامية لـ

• د. تارزيتش: مدرسة الغازي خسرف بك حافظت على الإسلام بالبلقان

المجتمع: في العهد الشيوعي لم يكن في البوسنة سوى ١٠ حفاظ فقط أما اليوم فلدينا ١٦٠ حافظاً، وسيكون العدد أكبر في المستقبل إن شاء الله.

وأضاف: لدينا الآن ٨ مدارس إسلامية ثانوية منها ٦ مدارس في البوسنة، ومدرسة سابعة في كرواتيا، وثامنة في السنجق، وبهذه المدارس ١٦٠٠ طالب يتلقون إلى جانب التعليم الإسلامي منهجًا مميزًا في المجالات الأخرى. وتمتلك المدارس الإسلامية منهجًا قويًا يخرج طلابًا مميزين، ولذلك لا يسجل فيها إلا الطلبة المتفوقون فقط.

وعما إذا كان يسمح لخريجي المدارس الإسلامية بالالتحاق بمختلف الكليات، قال عمر ديتش: «ليس بإمكان طلبتنا الالتحاق بكافة الكليات الأخرى فحسب، بل إنهم أفضل الطلبة الجامعيين حيث يحصلون على أرقى الدرجات ولا سيما في كلية الطب، وذلك لمستوى المنهج الذي درسوه في المدارس الإسلامية».

وأوضح أن طلبة المدارس الإسلامية يدرسون اليوم في أكثر من ٢٠ جامعة في البوسنة وحول العالم، وجميع نتائجهم تؤكد أنهم الأفضل.

وعن التباين الحاصل في عدد المدارس والأساتذة بين الفترة العثمانية ومرحلة ما بعد الاستقلال مرورًا بالفترات الاستعمارية في العهدين النمساوي واليوغسلافي – حيث كان في العهد العثماني ٤٢ مدرسة و٥٠ مدرساً فقط – قال: عدد المدارس في العهد العثماني كان كبيرًا حيث كان في كل مدينة مدرسة تقريبًا وفي سراييفو كانت هناك مدرسة تسمى دار الحديث، حيث لم يكن هناك منهج واحد

في العهد الشيوعي. أغلقت جميع المدارس إلا واحدة ولم يكن لدينا سوى ١٠ حفاظ للقرآن.. أما اليوم فلدينا ١٦٠ حافظاً

للتدريس فكانت كل مدرسة تختار برنامجها، فكان بعضها للحديث «دار الحديث» والبعض للقرآن «دار القرآن»، بالإضافة إلى مدارس لتخريج القضاة الشرعيين.

 وفي عهد الاحتلال النمساوي ثم تقليص عدد المدارس الإسلامية، ثم جاء الاحتلال الصربي وقلص العدد بصورة أكبر، كما تعلمون ثم جاء الشيوعيون وأغلقوا جميع المدارس ما عدا واحدة هي مدرسة الغازي خسرف بك بسراييفو، وبعد الاستقلال وفي الفترة ۱۹۹۲ – ١٩٩٥ تم فتح ٦ مدارس في البوسنة ولم يعد مسموحاً بأن يتولى الإمامة إلا من تخرج في الكلية الإسلامية أو الجامعة، ولذلك لدينا أئمة يحملون الدكتوراه والماجستير وذلك للارتقاء بهذه الوظيفة العظيمة في المجتمع المسلم.

أما عدد الأساتذة بالمدارس فيبلغ ۸۰۰ أستاذ على مستوى رفيع من العلم والمعرفة يتولون تعليم الأجيال مبادئ دينهم، من بينهم ٣٠٠ أستاذ في المدارس الإسلامية المتخصصة والبقية يعملون في المدارس الابتدائية والثانوية الحكومية الأخرى.

وأوضح عمرديتش أن المدارس الإسلامية تستمد أهميتها وسمعتها من أمرين:

الأول: منهجها الإسلامي المدعوم بالعلوم الأخرى.

والثاني: حمايتها للطلبة.

فطلابها لا يتعاطون التدخين والخمور والمخدرات والموبقات الأخرى، ولذلك يحرص عدد كبير من جنرالات الجيش والشرطة والسياسيين على إدخال أبنائهم المدارس الإسلامية، بينما في المدارس الأخرى يمكن للطلبة أن يفعلوا ما يريدون؛ بسبب عدم وجود الموجه الأمين الذي يرشدهم لما فيه خيرهم في دنياهم وآخرتهم.

و شدد على أن المدارس الإسلامية هي راعية الثقافة الإسلامية في البوسنة ومنطقة البلقان، وذكر أن منصرًا نمساويًا كلفه الفاتيكان بتنصير مسلمي البوسنة وبعد أن عمل لمدة ١٠ سنوات كتب للبابا يقول: لا أستطيع أداء المهمة لأن المدارس الإسلامية تقوم بتحصين المسلمين، ففي أي مكان توجد فيه مدرسة إسلامية ليس بإمكاني فعل شيء.

ولذلك فالمدارس الإسلامية بالفعل حارسة الإسلام والثقافة الإسلامية.

وعن دور علي عزت بيجوفيتش قال: نحن مدينون لعلي عزت بما وصلنا إليه من حرية مكنتنا من ترسيخ الثقافة الإسلامية، وسنظل نذكره على مدى التاريخ وسنعمل على تكريس ما سعى من أجله وما دعا إليه. 

الرابط المختصر :