; المدينة المنورة.. مزارات وتاريخ (١٥) البقيع.. بين الماضي والحاضر | مجلة المجتمع

العنوان المدينة المنورة.. مزارات وتاريخ (١٥) البقيع.. بين الماضي والحاضر

الكاتب محمد عبدالله فرح

تاريخ النشر الجمعة 23-مارس-2012

مشاهدات 57

نشر في العدد 1994

نشر في الصفحة 48

الجمعة 23-مارس-2012

البقيع هو مدفن أهل المدينة ويسمى بقيع الغرقد»، ويعرف الغرقد بأنه شجر عظام، أو هي العوسج إذا عظم، وسُمي بذلك، لأنه كان ينبت فيه القاموس المحيط..

وتتميز هذه المقابر بأنها ضمت عدة آلاف من خيار من عرفت الدنيا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، وعلى رأسهم الخليفة الشهيد المظلوم عثمان بن عفان وغيره من أعلام الصحابة وأمهات المؤمنين وكان الحق جل وعلا يأمر نبيه بإتيان البقيع والاستغفار لأهله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذلك. 

البقيع هي المقبرة الرئيسة لأهل المدينة المنورة منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومن أقرب الأماكن التاريخية إلى مبنى المسجد النبوي حاليا، ويقع في مواجهة القسم الجنوبي الشرقي من سوره، وقد ضمت إليه أراض مجاورة وبني حوله سور جديد مرتفع مكسو بالرخام ولا تزال المقبرة قيد الاستخدام حتى الآن.

١٨٠ ألف متر مربع

مساحة البقيع الحالية ١٨٠ ألف متر مربع.. ويضم رفات الآلاف المؤلفة

الصحابي الجليل عثمان بن مظعون أول من دفن بالبقيع وبعده إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وسلم

وتبلغ مساحة البقيع الحالية مائة وثمانين ألف متر مربع يضم البقيع رفات الآلاف المؤلفة من أهل المدينة ومن توفي فيها من المجاورين والزائرين أو نقلت جثامينهم على مدى العصور الماضية وفي مقدمتهم الصحابة الكرام، ويروى أن عشرة آلاف صحابي دفنوا فيه منهم ذو النورين عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين، وأمهات المؤمنين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدا خديجة وميمونة رضوان الله عليهما.

كما دفن فيه ابنته فاطمة الزهراء وابنه إبراهيم، وعمه العباس، وعمته صفية، وزوجته عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفيده الحسن بن علي، وكذلك علي بن الحسين ومحمد الباقر، وجعفر الصادق.

وذكر ابن أبي شيبة عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تحدثت فقالت: ألا أحدثكم عن النبي، وعني؟ قلنا: بلى قالت لما كانت ليلتي التي كان النبي فيها عندي انقلب فوضع رداءه، وخلع نعله، فوضعها عند رجليه.. وذكرت قصة خروجه إلى البقيع، ثم قالت: فجعلت درعي في رأسي، واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام، فأطال، ثم رفع يده ثلاث مرات ثم انحرف.. وذكرت قصة عودتها قبله.. وفيه قال: فإن جبريل أتاني فأجبته، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت عائشة رضي الله عنها: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون». 

أول صحابي دفن بالبقيع وتشير المصادر التاريخية أن أول من دفن في تلك البقعة الطاهرة - وكانت بستانا يحوي أشجارًا من العوسج - هو الصحابي الجليل عثمان بن مظعون حيث شارك الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في ذلك، ثم دفن إلى جانبه إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك رغب المسلمون فيها وقطعوا الأشجار ليستخدموا المكان للدفن. 

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم كثير التردد إلى البقيع والدعاء لأهل البقيع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إليه ليلًا ليدعو ويستغفر لأهل البقيع.. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها، (رواه أحمد).

وعن عمر أنه قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك. (رواه البخاري)، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله: أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر ثم عمر ثم أتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين (رواه الترمذي). 

فضائل البقيع

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (رواه مسلم والنسائي). 

وعن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة، فلبس ثيابه ثم خرج قالت: فأمرت جاريتي بريرة تتبعه، فتبعته حتى جاء البقيع فوقف في أدناه ما شاء الله أن يقف ثم انصرف، فسبقته بريرة، فأخبرتني فلم أذكر له شيئا حتى أصبح ثم ذكرت ذلك له، فقال: إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم (الموطأ والنسائي والإمام أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك).

منزلة خاصة

وعلى مر العصور كان البقيع ذا منزلة خاصة ومميزة في قلوب وعقول المؤمنين المخلصين، وهذه المنزلة تمثل احتراما وتكريما ووفاء لمن صنعوا تاريخ ومجد الإسلام حيث دفنوا في هذه البقعة: فأصبحت مقبرة مقدسة تهفو إليها قلوب الذين يشتاقون إليها، ويسن لك أن تزور البقيع، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العفو والعافية (رواه مسلم).

ونعلم أن الزيارة الشرعية للقبور يقصد منها تذكر الآخرة والإحسان إلى الموتى والدعاء لهم والترحم عليهم قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة (رواه مسلم). 

هنيئًا لأهل البقيع

وكثرة زيارته للبقيع من الأمور المشهورة المتواترة بل ذكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كلما كان ليلتها منه، فهنيئًا لأهل البقيع استغفار رسول الله لهم، وصلاته عليهم، ودعاؤه لهم، وأعظم بذلك من فضل، وأكرم بها من منقبة ولم يزل الصالحون الصادقون يتمنون الموت بالمدينة والدفن في البقيع المبارك، أملًا في شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادته، وطمعا في الدخول تحت دعائه بالمغفرة، فاللهم اكتب لنا وفاة في بلد نبيك، وقبرًا في جوار الصالحين من أصحابه..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل