; المرأة المسلمة بين التدين المغشوش والتغريب | مجلة المجتمع

العنوان المرأة المسلمة بين التدين المغشوش والتغريب

الكاتب إيمان محمود

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004

مشاهدات 50

نشر في العدد 1599

نشر في الصفحة 60

السبت 01-مايو-2004

د. سعاد الناصر: لا يكفي أن نتحدث عن مكانة المرأة في الإسلام بمعزل عن واقعها المرير

النموذج النسائي الغربي يستهدف تجريد المسلمة من أصالتها وهويتها

من حقوق المرأة إعلان انتمائها إلى أمة التوحيد وطلب العلم وحق اختيار شريك حياتها والمشاركة في الأعمال الصالحة

في مواجهة الحملات الغربية التي تركز ضرباتها على المرأة المسلمة مستغلة بعض الأوضاع الاجتماعية غير الصحيحة تبدو الحاجة ملحة لأن تسترد المرأة دورها ومكانتها وفق قيم الإسلام وتشريعاته، وأن ننتقل من الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام وحقوقها ووظيفتها إلى الحديث عن كيفية تصويب واقع المرأة ومعالجة صور التدين المغشوش، خاصة أن مجرد الحديث عن عظمة الإسلام في تكريمه للمرأة دون تطبيق ذلك وتنزيله على الواقع لم يعد مقنعًا؛ لأن المرأة في واقعنا الإسلامي هي الثغر المفتوح لكثير من المطاعن والانتقادات، ومن خلالها ينتقص البعض من القيم الإسلامية.

إن مسؤولية المرأة في تغيير الإنسان والارتقاء به منذ أن يكون نطفة ثم رضيعًا ثم طفلاً -كما تقول د. سعاد عبد الله الناصر رئيس تحرير جريدة ملامح ثقافية المغربية وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية- مسؤولية كبيرة وخطيرة، فالمرأة نصف المجتمع وهي تربي النصف الآخر في أحضانها؛ الأمر الذي يقتضي معرفة مكانتها في مجالها أصيلي ومعرفة وضعيتها في مجالها الواقعي ثم الكشف عن مسببات الخلل وتصويبها بالمراجعة والنقد لإعادة بناء شخصيتها في معركة التغيير والنهوض الحضاري.

وتقول د. سعاد لقد كانت مكانة المرأة مهينة في المجتمعات الإنسانية القديمة حيث وصفتها أساطير مانو الهندية بالدنس، وكانت فاقدة الأهلية عند اليونانيين، ومساعدة للشيطان عند الرومان، وكانت المجتمعات التي تدين بالمسيحية تشكك في مجرد إنسانيتها، وفي المجتمعات اليهودية سويت بالخدم، ولم تكن العرب قديمًا ترحب بميلاد الأنثى، هذه المواقف الظالمة للمرأة حاربها الإسلام وجعل منها إنسانًا مكتمل الأهلية والحقوق بل جعل منها القرآن الكريم امرأة قادرة على تحمل أمانة الخلافة على الأرض بالتكامل مع أخيها الرجل.

واستدركت قائلة: لكن هذه المكانة تسلل إليها الخلل حين ابتعد المسلمون عن القرآن والسنة، فساء تصورهم للمرأة وحـقـوقـهـا وواجباتها، وساء تبعًا لذلك سلوكهم في معاملتها، وفي خضم هذا الوضع المزري كثرت الدعوات التحررية التي استهدفت مسخ المرأة وإبعادها عن قيم الإسلام ومبادئه.

رفض التصور الغربي

وتلفت د. الناصر المرأة إلى ضرورة إدراك حقوقها حتى تتبوأ مكانتها الحقيقية في المجتمعات الإسلامية، ومن بين هذه الحقوق حقها في إعلان انتمائها إلى أمة التوحيد عبر رفضها القاطع للتصور الغربي الذي يخضع لمعايير تشيئ المرأة (جعلها شيئًا أو سلعة)، والانطلاق ممارسة وسلوكًا وفكرًا وقولاً نحو الذات الحضارية الإسلامية المؤكدة لإنسانيتها. ومن أبرز مظاهر هذا الحق ارتداء اللبس الشرعي ونبذ التبرج؛ لأن ذلك من شروط العفة والطهارة التي تصون المجتمعات الإسلامية من السقوط في مهاوي الرذيلة والفساد.

وشددت على حق المرأة في طلب العلم بوصفه فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهدف تعليم الرجل والمرأة على السواء هو تكوين وتربية الشخصية المسلمة المتزنة روحيًّا وجسديًّا حتى تستطيع أن تقوم بمسؤوليتها بكفاءة وإحسان وتسعى إلى التغيير وبناء مجتمع يقوم على تقوى الله وتحقيق خلافته في الأرض وتوحيده، والمرأة المسلمة اليوم مطالبة بالعلم والتعلم، لا استجابة لبعض الدعوات التحررية التي تتنكب الطريق القويم وإنما استجابة لعقيدتها وامتثالاً لأوامر ربها.

وأكدت د. سعاد حق اختيار المرأة لزوجها من منطلق أن التزاوج علاقة فطرية نظمها الله تعالى في الزواج تقوم على التراضي بين الطرفين؛ فلا الرجل يقبل الزواج ممن لا يحب، ولا المرأة ترغم على قبول من لا تريد، ومن أحاديث النبي في هذا الشأن «ولا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن». كما أن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة لا يمكن أن تستقيم إلا إذا قامت على التساكن والتواد والرحمة، قال تعالي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21) وهذه المودة والرحمة تقتضي المعاشرة بالمعروف اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في معاملاته لأزواجه والرأفة بهن.

الأمومة

وتعتبر د. سعاد الأمومة على رأس قائمة الأعمال الصالحة التي تقوم بها المرأة بوصفها وظيفة ملازمة لها منذ إنجابها إلى وفاتها، وقد آن للمرأة اليوم أن تخرج عن تكاسلها وأن تتطلع بعقلها الذي سيطرت عليه النظرة الدونية والجسدية إلى درجات من الوعي والنضج تؤهلها لبلوغ مرتبة المرأة الرسالية الحاملة لمسؤولية الأمانة.

وإلى جانب هذه الحقوق فإن من حق المرأة كما تشير د. سعاد الناصر أن يكون لها رأي وموقف وقرار في مختلف شؤون الحياة وخاصة في شؤون منزلها وأطفالها حتى لا تشعر بالغين والظلم، كما أن عليها جملة من الواجبات ومن ألزمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نطاق ما تسمح به إمكانياتها وعلاقاتها، فضلاً عن اتخاذها من نفسها نموذجًا للمرأة المسلمة الصالحة، ومن واجباتها تجاه أسرتها رعايتها لها وحضانة أطفالها وتربيتهم على الإسلام، كما أن عليها واجبات تجاه زوجها مثل طاعته بالمعروف وحفظه في نفسه وماله وولده وتهيئتها لفضاء التساكن والمودة والرحمة، فلا يرى منها إلا ما يسره وما يعينه على تحمل مشقات الحياة وقسوتها، ولا يسمع منها إلا ما يزيده شكرًا على نعمة الزوجة الصالحة.

الواقع المزري

وتحمل .د الناصر المرأة مسؤولية واقعها المزرى بسبب عدم وعيها وعدم استعمال عقلها فيما يصون كرامتها وشخصيتها وحقوقها وما يكفل لها إنسانيتها بالدرجة الأولى، بعد أن أسلمت قيادها لجاهليتين تقودانها بعيدًا عن درب الله تعالى، وهما جاهلية التقليد الأعمى، وجاهلية التغريب؛ الأمر الذي فرض واقعًا مزيفًا بعيدًا كل البعد عن الواقع الحقيقي الذي بسطت معالمه الشريعة الربانية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكيات السلف الصالح.

وحددت بعض التصورات والمفاهيم التي توضح واقع المرأة المعاصر في ثلاث نقاط أولاها: مفهوم ينبع من التصور الشعبي الخرافي للدين مع معلومات ناقصة ومغلوطة عن أحكامه وخلط ذلك بعادات وتقاليد المجتمع.

أما المفهوم الثاني فهو اعتبار الدين سلوكًا شخصيًّا بين المرء وربه ولا علاقة له بضبط الحياة، وهذا مفهوم غربي يطالب المرأة بأن تمارس حياتها بمعزل عن الدين وينظر إلى الممارسات الدينية على أنها مجرد طقوس وعادات وليس قوة فاعلة ومحركة لبناء توازن حقيقي بين الذات والواقع المتطور، وهناك مفهوم ثالث يجاهد للخروج من هذه الأزمة يصيب أحيانًا ويقع في الخطأ والتشدد أحياناً أخرى، وهو نابع من فقه بالذات الحضارية والواقع المعيش وموجه بأحكام الإسلام ومقاصده.

تخبط وانهيار المتغربين

وتنتقد د. سعاد الناصر الدعوات التي تردد أن ولوج المرأة لعتبة الحضارة لن يتم إلا إذا تبنت بشكل مطلق النموذج النسائي الغربي، وأن الرفع من شأنها وإثبات ذاتها وتحسين وضعها المادي والمعنوي لن يتحقق إلا إذا تجردت من أصالتها وجذورها، وتلك دعوات لا تسفر إلا عن مزيد من الهزائم ومزيد من التبعية للغرب، مشيرة إلى أن المتغربين يعيشون مرحلة من التخبط والانهيار إلى درجة أعمتهم عن ضرورة التشبث بأصالتنا وهويتنا بقوة وعدم التفريط في قيمنا وأصولنا.

وطالبت بوضع المرأة في مكانتها الطبيعية في فضاء الخطاب المعرفي الإسلامي من أجل الإسهام والمشاركة في الترقي الحضاري من خلال أمرين هما الوعي والعمل الوعي بأهلية الإسلام وفقهه وأحكامه على قيادة الحياة البشرية وبناء الإنسان المسلم والوعي بتأصيل المفاهيم المؤطرة للمرأة بإرجاعها إلى القرآن والسنة وذلك بفهم النصوص القرآنية المتعلقة بها فهمًا يستند إلى تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أحاديثه الصحيحة، وإلى تطبيقه لها وإلى ممارسات أمهات المؤمنين والصحابة أجمعين، والوعي بمقومات بناء شخصية متوازنة مع ذاتها الفردية وذاتها الجمعية تتجذر تصوراتها ومفاهيمها وسلوكياتها في أصالتها وهويتها، والوعي بضرورة حضور المرأة ومشاركتها بقوة في مجالات الحياة كلها حسب إمكانياتها وقدراتها، ثم يأتي العمل في المفهوم الإسلامي ليحمل كل معاني العبادة الحقة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات).

الرابط المختصر :