; مجموعة من القصص الإسلامي الجديد... | مجلة المجتمع

العنوان مجموعة من القصص الإسلامي الجديد...

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979

مشاهدات 67

نشر في العدد 430

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 30-يناير-1979

المرأة والحلبة..

الموضوعات التي يطرقها الحسناوي في هذه المجموعة شتى، منها ما يعالج مشكلة محلية.. اجتماعية وسياسية، ومنها ما جاء على صورة قصة تاريخية، أو أسطورية، ولكنها كلها تلتقي في قاسم مشترك واحد، هو نقد العيوب، والدعوة إلى الإصلاح الأخلاقي بأسلوب إيجابي وثيق الصلة بالناس وما يعانون، ومعالجته لتلك الموضوعات واقعية، يبرز منها اللون المحلي، من خلال السرد والتحليل والوصف والحوار وذكر الأماكن وسواها... فالواقع المؤلم لفت انتباهه إلى مدى التخلف والانحطاط، فانبرى لهما عن طريق القصة القصيرة التي رآها أقدر على المعالجة..

ففي «سحر الفخار»

 ميز بين موقفين، من خلال شخصيتين تقفان على طرفي نقيض في هذه الحياة.. بل بين عالمين: عالم الزهد والقناعة والعزة الإيمانية، وعالم النفاق والتمسح بالقبعات، وبيع الذمة والدين بعرض دنيوي تافه.. فالشيخ أبو الإبريق رمز لهؤلاء العلماء العاملين الزاهدين  الذين يرجون لقاء ربهم وهو عنهم راض، وما أقلهم في دنيانا في هذه الأيام..

والرجل الطالح «الشيخ أبو كفة» 

رمز المنافقين الذين يفعلون السبعة وذمتها من أجل هذا الحطام.. منصب تافه، ومكاسب مادية رخيصة، هي عند هؤلاء المنافقين كل شيء في حياتهم.. لأنهم لا يرجون لله وقارًا، يترامون على أقدام الحكام، يتزلفون إلى ذوي المال والجاه والسلطان، ابتغاء الحظوة لديهم، وإن هم أغضبوا بارئهم، وإن زلزلت الأرض من المظالم والمفاسد التي يرتكبونها... حامد أبو كفة يمثل شخصية الشيخ المنافق، بكل ما فيها من زيف الهيبة الفارغة، والجلال القشري، والحاشية التافهة، والجمال الظاهري.. لا يرعى إلًا ولا ذمة..

على مثل هذه القصة نصر.. نصر أن يكتب لنا الحسناوي مثيلاتها.. وهو قادر بعون الله.. فالوقت جد، وفضح هؤلاء المنافقين واجب.. إذا سكت الناس.. كل الناس عن جرائر هؤلاء العتاة، فما ينبغي للأدباء العاملين المخلصين أن يسكنوا، لأنهم خلاصة الخلاصة في هذه الأمة التي نكبت بعلمائها وأدبائها وسياسييها ومن تقوم الأمة على أكتافهم..

وفي «المتوكل في جبل الزاوية»

 وطنية ممزوجة بالقيم الإيمانية الجهادية، برزت من خلال رسم شخصيات المجاهدين وعلى رأسهم أبو طارق، ومن خلال حركات التمرد الوطني المؤمن، تلك التي قادها المخلصون في البلاد، لتصل بها إلى النصر والاستقلال، ولتلقى -بعدئذ- من التقييم المريب ما يمزق الأعصاب.. إلا ما أحوجنا إلى تسليط الأضواء عليها، لعلها تكون المناورة التي يهتدي بها السائرون في دجى هذا الليل البهيم، فقد كاد يغشى اليأس الناس، وهم يتطلعون إلى البطل الذي ينبثق من بين صفوفهم، ولما يظهر...

والرمز شفاف في «أحلام الفأر».. 

وهو رمز سياسي بلا أدنى ريب.. وتستطيع أن ترى في الفأر واحدًا أي واحد من هؤلاء الفئران المتعملقين على شعوبهم، المصنوعين على أعين الاستعمار، شرقية وغربية على حد سواء.. هذا الاستعمار هو سيد الفئران.. هو الهر.. والفأر.. ما أراه يعني به إلا كبير الفئران في عالمنا العربي، في النصف الثاني من القرن العشرين.. الفأر الصنم يحلم أحلامًا شتى، ولكنها تبقى أحلامًا فأريه لا تستطيع أن تتسامى إلى أبعد من ذلك.. لأنه -الفأر- يرى أنياب الهر بارزة مخيفة... وهيهات لفأر أن ينظر في عيني هر، ولو نفخ في بوق قدراته ألف شاعر مثل المتنبي، وألف ثائر من هؤلاء الصحفيين..

وقصة «سيف بن ذي يزن» ذات أصل بدوي، ولكن الكاتب أثرى تلك الحكاية البدوية، إذ جعل الضيف الفاجر الداعر رجلًا غريبًا، روميا يتجر بالأعراض.. وكانت النتيجة هزيمة منكرة للباطل، بل قتلًا له، وانتصارًا ساحقًا لصاحب الحق الذي آلى على نفسه أن ينجح.. يثأر.. ينتقم لعرضه وقيمه.. وفي هذا العرض المكثف لأربع أقاصيص، تتضح مجالات الحسناوي وطبيعة المشكلات والموضوعات التي يعالجها..

إنه عالج تلك الموضوعات، من خلال الأحداث التي لم يلجأ فيها إلى الجزئيات والتفصيلات، شأن بعض الكتاب الذين يخلطون بين الأقصوصة والرواية، بل كان واعيًا لأصداء الأقصوصة.

ثم إن ذلك العرض المكثف أبرز سمة بارزة من سمات الحسناوي، تلك التي تتمحور فيها الأحداث حول حدث أصيل يشدها إليه، ولا يقبل أن تأتي تفاريق، وإن بدت على شكل تفاريق، كما في «الحلبة والمرأة»..

وأما شخصياته فمستمدة من البيئة التي يحيا فيها ويعايش ناسها.. إنها شخصيات متباينة، فيها السلبي وفيها الإيجابي، وإن كان يركز على الشخصيات الإيجابية، ويتوارى خلفها، لتسير مسيرتها إلى النصر على الشخصيات السلبية المريضة.. اللهم إلا في «أحلام الفأر» فإنها بقيت مريضة..

أما في «سحر الفخار» فقد رأينا نمطين: نمطًا مريضًا تمثل في الشيخ المنافق، رمز المشايخ المنافقين، ونمطًا إيجابيًا حيًا، تمثل في الشيخ أبي إبريق.. الشيخ الواعي المخلص الزاهد في حطام هؤلاء..

وفي «المتوكل» تبدو شخصياته إيجابية رائعة، تمثل الكفاح المسلح المؤمن.

وفي «سيف بن ذي يزن..» ركز على شخصية «سيف» تلك الشخصية الإيجابية التي انتقمت ممن غدر بها، وخان العرض والقيم.

وشخصيتان سلبيتان مريضتان: هما شخصية الغريب الرومي الداعر، وشخصية الأخت -وأحزناه- الفاجرة.. شخصياته الإيجابية كانت تبحث عن الحق والخير والجمال والعدل، وهي متفائلة في بحثها وحدها.. أما شخصياته السلبية فمريضة، متشائمة سوداوية المزاج، فيها إجرام ..

وقد اهتم الكاتب بالجانب التحليلي لشخصياته، كما اهتم بالجانب النفسي، فلجأ إلى التحليل النفسي، وفتش عما وراء تصرفاتها من دوافع بعيدة.. من النمط الأول، وصفه لشخصية الشيخ أبي إبريق:

«فلباسك الصوف، وسكنك الكوخ، وغذاؤك التين والعدس، وأموالك الطائلة التي ورثتها عن ذويك، قد نثرتها على حاجات المعوزين والأوفياء وما تركت لنفسك إلا الله والرسول».

والباحث في هذه القصة عما في أطوار شخصيتي الشيخين، يقف على ما يكمن فيها من دوافع الزهد والفهم، وتلوينه لشخصياته وأحداثه بالألوان المحلية اقتضى عليها البساطة المحببة لديه كما في «المتوكل» ولكن تلك البساطة كثيرًا ما تنطوي على مسارات نفسية متغلغلة في خبايا النفس الإنسانية، لتعبر عن خصائصها ومكامنها وحقائقها في اقتدار عرفناه في مجموعة أقاصيصه الشعرية في مجموعته «ملحمة النور». وهو هنا وهناك يهتم بالناس العاديين، كما يهتم بالعظماء وأدعياء العظمة.. يثير العطف والتجاوب مع البائسين والعظماء، كما يثير الكراهية والأحقاد على الأوباش من مستعمرين وصنائعهم..

والبيئة لديه متفاوتة في الظهور والاختفاء، وهي في الحال الأولى عامل مساعد على تأطير الأحداث وشحن الجو بما يتلاءم مع طبيعة الحدث..

«قطعت الشمس شوطها اليومي عبر القوس الشرقي، وتربعت على عرشها في الأوج، وشرعت تدحرج نفسها كطفل أتعبه اللعب، وحن إلى أن يضع رأسه في حضن أمه. أما العصفور المراهق فقد طال انتظاره على زاوية الشارع الكبير، ولم تعد رفيقة صباه من جولتها الصباحية، فليقفز قفزتين أو ثلاثًا، ولينكت آخر ريشاته التي تحكه فوق ذاك البيت المتواري خلف العمارات السامقة. ها هو ذا يحط تحت ظل المدخنة الباردة قبل أن يصل الثلاثي: خالد وفؤاد وباسمة»..

 وأما أسلوبه.. أسلوب السرد والردف، فيكفيك ما قرأت من سطور قبل لحظات.. أنه الأسلوب الشاعري الرفيق حينًا، الجزل حينًا آخر. يصف الكاتب حرم الجامع الأزهر في «سحر الفخار» فيقول في تنغيم موسيقى:

«فكم صلت في هذه الرحاب أجيال، وكم صدحت أصوات، وتبتلت أرواح وأرواح، وكم عقدت للعلم والجيوش حلقات ورايات..».

ويصف ليلة من ليالي القاهرة في الأقصوصة نفسها فيقول:

«السماء بلورية العتمة، نجومها تومض بالق فني. أما النسيم فهو سمير مفضل بعد هذه السهرة اللطيفة»؟

تستطيع أن تقرأ في أقاصيصه الأسلوب المزخرف في غير ما تكلف، والصياغة الرائعة في عفوية، مع الدقة في تصوير الجو، ورسم الشخصيات، كل ذلك في تناغم وتناسق وانسجام. وقد حصل له كل هذا التوفيق، نتيجة اطلاعه على تراثنا الأدبي الأصيل الذي زاده غنى ولم يتوقعه في قمقم، بل أكسبه خصبًا لغويًا، وتصرفًا حسنًا في استخدام الكلمات المناسبة للجو العام.. إنه يذكر في قصته البدوية «سيف بن ذي يزن» أسماء الجمل في أعماره المتفاوتة فهو يذكر الناقة والفحل والفصيل والرباع والعود، ويستخدم الكلمات التي ترسم جو البادية بما فيها من خيمة، ونخلة وصحراء ورمال..

وحوار عربي بسيط، إلا حين تدعوه الضرورة.. أي عندما يكون طويلًا، ونحن لا نحس أي تنافر بينه وبين أسلوبه، حتى أن القارئ لا يكاد يحس بأي صدمة في انتقاله من الحوار إلى السرد والوصف.. أنه يعي فنه تمامًا، يسدد السهام فيصيب الهدف.

الرابط المختصر :