; المراقبة: 1184 | مجلة المجتمع

العنوان المراقبة: 1184

الكاتب عبدالرحمن اللعبون

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد 1184

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 16-يناير-1996

أنزل الله – عز وجل. الكتب وبعث الرسل لإقامة شرع الله الذي يعطى الإنسان قيمته كإنسان ويرتفع بها عن بقية المخلوقات، فقد أكرمه الله جل شانه وميزه وأحسن خلقه وخط له طريقا مستقيما يحفظ له حياة طيبة في الدنيا ومنقلباً طيباً في الآخرة، فيلقى المسلم ما كان يعمل ويجد له من نعيم مقيم وسعادة لا تنقطع وأكبر من ذلك الفوز برؤية الله سبحانه وتعالى الذي أسبغ عليه من النعم الظاهرة والباطنة وهداه إلى هذا بفضله وكرمه، وأنجاه من حال الآخرين الذين شقوا حين لم يمتثلوا لما يصلح حالهم.

 ولذا فمن مستلزمات المسيرة في هذه الدنيا أن يستقيم المسلم على شرع الله ثم مراقبة حاله أن يحيد أو ينحرف وأن يراعى الأمانة الملقاة على عائقه ويستشعر نظر الله إليه: "وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين" (الشعراء: ۲۱۷ -۲۱۹) بعد أن وقع في يقينه الجازم أن الله مطلع على كل شيء: "إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" (آل عمران: ٥). فتكون حياته كما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (حديث صحيح، صحيح سنن الترمذي، عن عمر بن الخطاب رقم الحديث (۲۱۰۵) والتعبد لله بأسمائه وصفاته هو الخير والفلاح لذا قيل: المراقبة هي التعبد بأسماء الله الحسنى (الرقيب الحفيظ العليم، السميع البصير) فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة التي يقول المحاسبي حين سئل عنها أولها علم القلب بقرب الله تعالى، قال ابن عطاء أفضل

القريات مراقبة الحق على دوام الأوقات وأفضل القربات لله – عز وجل أن يراقبه المسلم على دوام الأوقات والأموال، فإذا عمل ذكر نظر الله تعالى إليه وإذا تكلم ذكر سمع الله منه، وإذا سكت ذكر علم الله فيه، وهذا ما كان يتواصى به الأولون قال سفيان الثوري: يا قوم راقبوا الله فإنما هي! لحظة وقد يقبض اللبيب». قال رجل للجنيد بم استعين على غض البصر ...؟ قال بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه وقال أحدهم لسليمان بن علي عظني فقال: لئن كنت إذا عصيت الله خاليا ظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت.

 قال أبو حفص إذا جلست للناس فكن واعظا لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك.

 قال فرقد السنجي: إن المنافق ينظر فإذا لم ير أحدا دخل مدخل السوء، وإنما يراقب الناس ولا يراقب الله تعالى ولم تكن المراقبة. غائبة عن الربيع بن خثيم فكانت مصاحبة له على الدوام من بدء يومه حيث كان إذا أصبح قال مرحبا بملائكة الله اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

فيبدأ لسانه بذكر الله الذي به تحيا القلوب وتطمئن ويتبعها بذكر آخر كما قال بلال ابن سعد الذكر ذكران ذكر باللسان حسن جميل، وذكر الله عند ما أحل وحرم أفضل.

ويزيد ابن الجوزي بيانا مبينا أن ليس الذاكر من قال سبحان الله والحمد لله وقلبه مصر على الذنوب، وإنما الذاكر من إذا هم بمعصية ذكر مقامه بين يدي علام الغيوب.

 قال إبراهيم بن أدهم: الهوى يردي وخوف الله يشفي واعلم أن ما يزيل عن قلبك هواك إذا خفت من تعلم أنه يراك.

قال الحسن بن هاني:

 لا تنتهي الأنفس عن غيها             ما لم يكن منها لها زاجر

الأمر الذي جعله الحسن البصري سجية له في حركاته وسكناته مراعياً دقيق أمره واضعا له قانوناً هو ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة أم على معصية، فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت.

 وهذه المعاني كان لها اهتمام كبير عند المربين، فحكى أنه كان لبعض المشايخ تلميذ شاب وكان يكرمه ويقدمه، فقال له بعض أصحابه كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ... فدعا بعدة طيور وناول كل واحد منهم طائراً وسكينا وقال ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد، ودفع إلى الشباب مثل ذلك وقال له مثل ما قال لهم. فرجع كل واحد بطائره مذبوحاً، ورجع الشاب والطائر حي بيده، فقال: مالك لم تذبح كما ذبح أصحابك ...؟ فقال: لم أجد موضعاً لا يراني فيه أحد إن الله مطلع علي في كل مكان فاستحسنوا منه هذه المراقبة وقالوا: حق لك ان تكرم.

 وخاتمة القول إن المراقبة تكون بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها من الآفات والمراقبة في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع والحياء.

 والمراقبة في المباح تكون بمراعاة الأدب ثم بشهود المنعم وبالشكر عليها.

 والمراقبة في المصيبة تكون بالرضا بالقدر والتذرع بالصبر. وقال الشاعر:

إذا خلوت الدهر يوماً فلا تقل.      خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسين الله يغفل ساعة.          ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب.          وإن غدا لناظره قريب.


الرابط المختصر :