; المراكز التبشيرية أداة مباشرة للتجسس ونقل المعلومات | مجلة المجتمع

العنوان المراكز التبشيرية أداة مباشرة للتجسس ونقل المعلومات

الكاتب باسل محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 922

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 27-يونيو-1989

إبراهیم خلیل فلوبوس:

الكنيسة لا تترك أحدًا من أبنائها يعتنق الإسلام حتى يقتلوه، أو يحطموا حياته.

  • تهموني بالجنون، وفرقوا بيني وبين أسرتي.
  • وصادروا مكتبتي وشطبوا اسمي من سجلات كلية اللاهوت.
  • «ديدات» عمل ما لم تعمله أي دائرة إسلامية و«جارودي» لم يجد من يفقهه الفقه الصحيح.

«إبراهیم خلیل فلوبوس» واحد من الملايين الذين انقادوا لما وجدوا عليه آباءهم من غير بني الإسلام تنشأ في الكنيسة، وترقى في مدارس اللاهوت، وتبوأ مكانة مرموقة في سلم التبشير، وبأنامل يديه خط عصارة خبرته الطويلة عدة مئات من الصفحات رسالة للماجستير تحت عنوان: كيف تدمر الإسلام بالمسلمين؟ في علم اللاهوت كان «فلوبوس»، متخصصًا لا يجارى، وفي منظار والناسوت، كان ابن الكنيسة الإنجيلية الأمريكية بنيه خيلاء، ولأسباب القوة والمنعة والحماية المتوفرة ما كان «إبراهيم» يقيم لعلماء الأزهر-وقد شفهم شظف العيش- أي وزن أو احترام، لكن انتفاضة الزيف لم تلبث فجأة أن خبت وضلالات التحريف الإنجيلي والتخريف النوراني انصدمت على غير ميعاد، وتساقطت إذ ذاك غشاوة الوهم، وتفتحت بصيرة القطرة، فكان لإبراهيم خليل قلوبوس -وقد خطا عتبات الأربعين يوم الخامس والعشرين من ديسمبر عام ٥٩- ميلاد جديد!

     مع الأستاذ إبراهيم خليل أحمد، داعية اليوم كان لنا هذا اللقاء، وغير دهاليز الضلالة والزيف نحو عالم الحق والهداية والنور كان هذا الحوار:

  • كيف كانت رحلة الهداية التي أوصلتك -أستاذ إبراهيم- شاطئ الإيمان والإسلام؟ ومن أين كانت البداية؟

- في مدينة الإسكندرية، وفي الثالث عشر من يناير عام ۱۹۱۹ كان مولدي، نشأت نشأة مسيحية ملتزمة، وتهذبت في مدارس الإرسالية الأمريكية، وتصادف وصولي مرحلة الثقافة المدرسية مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتعرض مدينة الإسكندرية لأهوال قصف الطائرات، فاضطررنا للهجرة إلى أسيوط حيث استأنفت في كليتها التعليم الداخلي، وحصلت على الدبلوم عام ٤١ – ١٩٤٢، وسرعان ما تفتحت أمامي سبل العمل؛ فالتحقت بالقوات الأمريكية من عام ٤٢ وحتى عام١٩٤٤.

*ما طبيعة هذا العمل؟ وكيف حصلت عليه؟

-كان للقوات الأمريكية وقتذاك معامل كيماوية لتحليل فلزات المعادن التي تشكل هياكل الطائرات التي تسقط من أجل معرفة تراكيبها ونوعياتها.

      وبحكم ثقافتي في كلية أسيوط ولتمكني من اللغة الإنجليزية، ولأن الأمريكان كانوا يهتمون اهتمامًا بالغًا بالخريجين، ويستوعبونهم في شركاتهم؛ فقد مضيت في هذا العمل سنتين، لكن أخبار الحرب والنكبات دفعتني لأن أنظر إلى العالم نظرة أعمق قادتني للاتجاه إلى دعوة السلام وإلى الكنيسة، التي كانت ترصد رغباتي وتؤجج توجهاتي، فالتحقت بكلية اللاهوت سنة ٤٥، وأمضيت فيها ثلاث سنين.

*ما هي الخطوط العامة لمنهج الكلية؟ وأين موقع الإسلام فيه؟

     في الثمانية أشهر الأولى كنا ندرس دراسات نظرية، يقدم الأستاذ المحاضرة على شكل نقاط رئيسية، ونحن علينا أن نكمل البحث من المكتبة، وكان علينا أن ندرس اللغات الثلاث اليونانية والآرامية والعبرية، إضافة إلى اللغة العربية كأساس، والإنجليزية كلغة ثانية، بعد ذلك درسنا مقدمات العهد القديم والجديد، والتفاسير والشروحات وتاريخ الكنيسة، ثم تاريخ الحركة التبشيرية وعلاقتها بالمسلمين، وهنا نبدأ دراسة القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ونتجه للتركيز على الفرق التي خرجت عن الإسلام أمثال الإسماعيلية والعلوية، والقاديانية، والبهائية، وبالطبع كانت العناية بالطلاب شديدة، ويكفي أن أذكر بإننا كنا حوالي (١٢) طالبًا، وُكِّلَ بتدريسنا (١٢) أستاذا أمريكيًا و(7) آخرين مصريين.

طه حسين، في كلية اللاهوت:

-هذه الدراسات عن الإسلام وعن الفرق، هل كانت للاطلاع العلمي وحسب، أم أن هدفًا آخر كان وراءها؟

-في الواقع كنا نؤسس على هذه الدراسات حواراتنا المستقبلية مع المسلمين، ونستخدم معرفتنا لنحارب القرآن بالقرآن، والإسلام بالنقاط السوداء في تاريخ المسلمين، كنا نحاور الأزهريين وأبناء الإسلام بالقرآن للفتنهم، فنستخدم الآيات مبتورة تبتعد عن سياق النص، ونخدم بهذه المغالطة أهدافنا، وهناك كتب لدينا في هذا الموضوع أهمها كتاب «الهداية» من (4) أجزاء، و«مصادر الإسلام»، إضافة إلى استعانتنا واستفادتنا من كتابات عملاء الاستشراق أمثال «طه حسين» الذي استفادت الكنيسة من كتابه و«الشعر الجاهلي» مائة في المائة، وكان طلاب كلية اللاهوت يعتبرونه من الكتب الأساسية لتدريس مادة الإسلام، وعلى هذا المنهج كانت رسالتي في الماجستير تحت عنوان: «كيف ندمر الإسلام بالمسلمين» سنة ٥٢، والتي أمضيت (٤) سنوات في إعدادها من خلال الممارسة العملية للوعظ والتبشيربين المسلمين من بعد تخرجي عام ٤٨ .

*كيف إذًا حدث الانقلاب فيك، ومتى اتجهت لاعتناق الإسلام؟

     كانت لي -مثلما ذكرت- صولات وجولات تحت لواء الحركة التبشيرية الأمريكية، ومن خلال الاحتكاك الطويل، ومن بعد الاطلاع المباشر على خفاياهم تأكد لي أن المبشرين في مصر ما جاءوا لبث الدين، وإنما لمساندة الاستعمار والتجسس على البلاد.

الكنيسة، وحرب التجسس:

*كيف؟

*الشواهد كثيرة، وفي أي مسألة من المسائل، فإذا كانت البلد تستعد للانتفاضة على الظلم كانت الكنيسة أول من تدرك ذلك؛ لأن القبطي والمسلم يعيشان على أرض واحدة، ويوم يتأوه المسلم سرعان ما يسمع النصراني تأوهاته فيوصلها إلينا لنقوم بتحليلها وترجمتها بدورنا، ومن جانب آخر كان رعايا الكنيسة في القوات المسلحة أداة مباشرة لنقل المعلومات العسكرية وأسرارها، وعن طريق المراكز التبشيرية التابعة لأمريكا والتي تتمتع بالرعاية وبالحماية الأمريكية كانت تدار حرب التجسس، ولك أن تعلم هنا أن النصراني في مصر له جنسيتان وانتماءان انتماؤه للوطن الذي ولد فيه، وهو انتماء مدني تعبر عنه جنسيته المصرية، وانتماء ديني أقوى تمثله الجنسية المسيحية، فهو يحس في أوروبا وفي أمريكا حصنًا وبالدرجة الأولى، بينما يشعر النصارى في مصر أنهم غرباء تمامًا كالانتماء الإسرائيلي الذي يعتبر انتماءه بالروح إلى أرض أورشلیم انتماء دينيًا، وانتماءه إلى الوطن الذي ولد فيه انتماء مدنيًا وحسب، ولذلك قام مخطط المبشرين والكنيسة على جعل مصر تدور في فلك الاستعمار، فلا تستطيع أن تعيش بعيدًا عنه، الأمر الذي جعلني أشعر بمصريتي، وأحس أن هؤلاء أجانب عني، وأن جاري المسلم أقرب إلي منهم بالفعل، فبدأت أتسامح، عفوًا أقول أتسامح وأعني أن أقرأ القرآن بصورة تختلف عما كنت أقرؤه سابقًا، وفي شهر يونيو تقريبًا عام ١٩٥٥ استمعت إلى قول الله -سبحانه-: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ.﴾ (الجن: 1-2)، هذه الآية الكريمة من الغريب أنها رسخت في القلب، ولما رجعت إلى البيت سارعت إلى المصحف، وأمسكته وأنا في دهشة من هذه السورة، كيف؟ أن الله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ﴾ (الحشر: 21)، إبراهيم خليل الذي كان إلى عهد قريب يحارب الإسلام، ويقيم الحجج من القرآن والسنة ومن الفرق الخارجة عن الإسلام لحرب الإسلام، يتحول إلى إنسان رقيق يتناول القرآن الكريم بوقار وإجلال، فكأن عيني رفعت عنها غشاوة وبصري صار حديدًا، لأرى ما لا يرى، وأحس إشراقات الله -تعالى- نورًا يتلألأ بين السطور جعلتني أعكف على قراءة كتاب الله من قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ (الأعراف: 157)، وفي سورة الصف: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحمد﴾ (الصف: 6) إذًا فالقرآن الكريم يؤكد أن هناك تنبؤات في التوراة وفي الإنجيل عن النبي محمد، ومن هنا بدأت ولعدة سنوات دراسة هذه التنبؤات ووجدتها حقيقة لم يمسها التبديل والتغيير؛ لأن بني إسرائيل ظنوا أنها لن تخرج عن دائرتهم، وعلى سبيل المثال جاء في «سفر التثنية»، وهو الكتاب الخامس من كتب التوراة، »أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به» توقفت أولًا عند كلمة (إخوتهم) وتساءلت: هل المقصود هنا من بني إسرائيل؟ لو كان كذلك لقال (من أنفسهم)، أما وقد قال (من وسط إخوتهم) فالمراد بها أبناء العمومة، ففي سفر التثنية أصحاح ۲ عدد 4 يقول الله لسيدنا موسى -عليه السلام-: «أنتم مارون بنجم إخوتكم بني عيسو» و«عيسو» هذا الذي تقول عنه في الإسلام «العيس» هو شقيق يعقوب عليه السلام، فأنباؤه أبناء عمومة لنبي إسرائيل، ومع ذلك قال (إخوتكم) وكذلك أبناء «إسحق» وأبناء «إسماعيل» هم أبناء عمومة؛ لأن إسحق شقيق إسماعيل -عليهما السلام- ومن إسحق سلالة بني إسرائيل، ومن «إسماعيل» كان قيداره ومن سلالته كان سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الفرع الذي أراد بنو إسرائيل إسقاطه، وهو الذي أكدته التوراة حين قالت (من وسط إخوتهم) أي من أبناء عمومتهم.

     وتوقفت بعد ذلك عند لفظة (مثلك) ووضعت الأنبياء الثلاثة موسى، وعيسى، ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- للمقابلة فوجدت أن عيسى -عليه السلام- مختلف تمام الاختلاف عن موسى، وعن محمد -عليهما الصلاة والسلام- وفقًا للعقيدة النصرانية ذاتها، والتي نرفضها بالطبع، فهو الإله المتجسد، وهو ابن الله حقيقة، وهو الأقنوم الثاني في الثالوث، وهو الذي مات على الصليب، أما موسى -عليه السلام- فكان عبد الله، وموسى كان رجلًا، وكان نبيًا، ومات ميتة طبيعية، ودفن في قبر كباقي الناس، وكذلك سيدنا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وإذًا فالتماثل إنما ينطبق على محمد -صلى الله عليه وسلم- بينما تتأكد المغايرة بين المسيح وموسى -عليهما السلام-، ووفقا للعقيدة النصرانية ذاتها فإذا مضينا إلى بقية العبارة: (وأجعل كلامي في فمه) ثمبحثنا في حياة محمد -عليه الصلاة والسلام- فوجدناه أميًالا يقرأ ولا يكتب، ثم لم يلبث أن نطق بالقرآن الكريم المعجزة فجأة يوم أن بلغ الأربعين، وإذا عدنا إلى نبوءة أخرى في التوراة سفراشعيا أصحاح ۷۹ تقول

«أو يرفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ويقول له اقرأ، يقول ما أنا بقارئ» لوجدنا تطابقًا کاملًا بين هاتين النبوءتين، وبين حادثة نزول جبريل بالوحي على رسول الله في غار حراء، ونزول الآيات الخمس الأولى من سورة العلق.

«البرقليط» روح الحق:

*هذا عن التوراة، فماذا عن الإنجيل وأنت الذي كنت تدین به؟

-إذا أستثنينا نبوءات برنابا الواضحة والصريحة ببعثة  محمد -صلى الله عليه وسلم- بالاسم، وذلك لعدم اعتراف الكنيسة بهذا الإنجيل أصلًا، فإن المسيح -عليه السلام- تنبأ في إنجيل يوحنا تسع نبوءات والبرقليط الذي بشر به يوحنا مرات عديدة، هذه الكلمة لها  خمسة معاني المعزّي، والشفيع، والمحامي، والمحمد، والمحمود وأي من هذه المعاني ينطبق على سيدنا رسول الله تمام الانطباق فهو المعزي المواسي للجماعة التي على الإيمان وعلى الحق من بعد الضياع والهبوط، وهو المحامي والمدافع عن عيسى ابن مريم -عليه السلام- وعن كل الأنبياء والرسل بعدما شوه اليهود والنصارى صورتهم، وحرقوا ما أتوا به وهو الإسلام.

     ولهذا جاء في أنجيل يوحنا أصحاح ١٤ عدد ١٦ و ١٧ - وأنا أصلي إلى الله ليعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد روح الحق، وقال في نبوءة أخرى أصحاح ١٦ عدد ١٣ - ١٤ وأمامتي، جاء ذاك الروح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني، وهذا مصداق قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110).

وتسرب النبأ:

* وإذا كانت الخطة إعلانك للإسلام، وكيف كانت بداية الحياة الجديدة في رحاب الهداية والحق؟

-بعد أن وصلت إلى اليقين، وتلمست الحقائق بيدي كان علي أن أتحدث مع أقرب الناس إلى زوجتي، لكن الحديث تسرب عن طريقها إلى الإرسالية للأسف، وسرعان ما تلقفوني ونقلوني إلى المستشفى وتحت مراقبة صارمة، مدعين أنني مختل العقل ولأربعة شهور تلتعشت معاناة شديدة جدًا، ففرقوا بيني وبين زوجتي وأولادي، وصادروا مكتبتي وكانت تضم أمهات الكتب والموسوعات، حتى اسمي كعضو في مجمع أسيوط، وفي مؤتمر «سنودس» شطب، وضاع ملفي كحامل ماجستير من كلية اللاهوت، ومن المفارقات العجيبة أن الإنجليز في هذه الآونة كانوا قد خلعوا الملك طلال عن عرش الأردن بتهمة الجنون، فخشيت أن يحدث معي الأمر ذاته، لذلك التزمت الهدوء والمصابرة، وصمدت حتى أطلق سراحي فقدمت استقالتي من الخدمة الدينية، واتجهت للعمل في شركة أمريكية للأدوات المكتبية، لكن الرقابة هناك كانت عنيفة جدًا، فالكنيسة لا تترك أحدًا من أبنائها يخرج عليها ويسلم، إما أن يقتلوه أو يدسوا عليه الدسائس ليحطموا حياته، وفي المقابل لم يكن المجتمع المسلم حينذاك ليقدر على مساعدتي، فحقبة الخمسينات والستينات -كما تعلمون- كانت تصفية للإخوان المسلمين، وكان الانتماء للإسلام والدفاع عنه حينذاك لا يعني إلا الضياع، ولذلك كان علي أن أكافح قدر استطاعتي، فبدأت العمل التجاري، وأنشأت مكتبًا تجاريًا هرعت بمجرد اكتماله للأبراق إلى د. جون تومسون رئيس الإرسالية الأمريكية حينذاك، وكان التاريخ هو الخامس والعشرين من ديسمبر ١٩٥٩ والذي يوافق والكريسماس، وكان نص البرقية: آمنت بالله الواحد الأحد، وبمحمد نبيًا رسولًا، لكن إشهار اعتناقي الرسمي للإسلام كان يفترض على وفق الإجراءات القانونية أن التقي بلجنة من الكنيسة التي أنا منها لمراجعتي ومناقشتي، وفي الوقت الذي رفضت جميع الشركات الأوروبية والأمريكية التعامل معي تشكلت اللجنة المعنية من سبعة قساوسة بدرجة الدكتوراة، خاطبوني بالتهديد والوعيد أكثر من مناقشتي، وبالفعل تعرضت للطرد من شقتي لأنني تأخرت شهرين أو ثلاثة عن دفع الإيجار، واستمرت الكنيسة تدس علي الدسائس أينما اتجهت، وانقطعت أسباب تجارتي، لكنني مضيت على الحق الذي اعتنقته، وأقمت بعد عام من إسلامي في 25/١٢/1960 احتفالًا بهذه المناسبة، إلى أن قدر الله أن تبلغ أخباري وزيرالأوقاف حينذاك عبد الله طعيمة، والذي استدعاني لمقابلته، وطلب مني بحضور الأستاذ الغزالي المساهمة في العمل الإسلامي بوظيفة سكرتير لجنة الخبراء في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، فكنت في منتهى السعادة بادئ الأمر، لكن الجو الذي انتقلت إليه كان وللأسف مسمومًا، فالشباب يدربون على التجسس بدل أن يتجهوا للعلم، والموظفون مشغولون بتعليمات منظمة الشباب عن كل مهامهم الوظيفية، وكان التجسس على الموظفين، وعلى المديرين، وعلى وكلاء الوزارة، حتى يتمكن الحاكم من أن يمسك هؤلاء جميعًا بيد من حديد، ولكم تركت أشيائي منظمة كلها في درج مكتبي لأجدها في اليوم الثاني مبعثرة وعلى هذه الصورة مضت الأيام، وأراد الله -سبحان-ه أن يأتي د. محمد البهي وزيرًا للأوقاف بعد د. طعيمة الحرف وكان د. البهي قد تربى تربية ألمانية منضبطة، لكن توفيق عويضة سكرتير المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وأحد ضباط الصف الثاني للثورة تصدى له، وحدث أن استدعاني د. البهي في يوم من الأيام بعدما صدر كتابي «المستشرقون والمبشرون» في العالم العربي والإسلامي، وأحب أن يتعرف علي، فترامى الخبر إلى توفيق عويضة، واعتقد أنني من معسكر د. البهي والأستاذ الغزالي، ووجدت نفسي فجأة أتلقى الإهانة من مدير مكتبه رجاء القاضي وهو يقول لي: اتفضل على الوزارة التي تحميك، خرجت والدموع في عيني، وقد وجدتهم صادروا كتبي الخاصة من مكتبتي، ولم يبقوا لي إلا شيئًا بسيطًا حملته ورجعت إلى الوزارة، وهناك اشتغلت كاتب وارد بوساطة، فكان يوم خروجي على المعاش بتاريخ 12/۱/1979، وقد بلغت الستين يوم عيد بالنسبة لي، ومن ذلك اليوم بدأ إبراهيم خليل يتبوأ مركزه كداعية إسلامي، وكان أول ما نصرني الله به أن التقيت مع المرحوم الدكتور جميل غازي بـ (۱۳) قسيسًا بالسودان في مناظرة مفتوحة انتهت باعتناقهم الإسلام جميعًا، وهؤلاء كانوا سبب خير وهداية لغرب السودان؛ حيث دخل الألوف من الوثنيين وغيرهم دين الله على أيديهم.

مؤامرة على الأزهر:

*من خلال السنوات التي أمضيتها في وزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كيف تقيم دور العلماء المسلمين في مواجهة المخططات التنصيرية؟

-الأزهريون ومنذ فترة متقدمة كانوا وفق مخطط المندوب السامي البريطاني في مصر طبقة متخلفة عن خريجي جامعة القاهرة وعن بقية أصحاب التخصصات الأخرى، كانت ميزات المدنيين تؤهلهم أن يصلوا مراكز القيادة، على عكس الأزهريين الذين باتوا معزولين عن تلك المواقع، لا تكاد مرتباتهم الضئيلة تسد رمق أطفالهم أو حاجة أسرهم، ومن باب المقارنة أذكر أن راتبي في الخمسينات يوم كنت قسيسًا لميقل أبدًا عن (۸۰) جنيهًا في الشهر، بينما لم يتجاوز (١٥) جنيهًا أيام تعييني في وزارة الأوقاف بعد ذلك، فإذا أضفت إلى ذلك المركز الاجتماعي المرموق والحماية والرعاية التي ينالها المبشرون والقس من سفارات الدول الكبرى أدركت كيف كنت أنا بنفسي ارتفع وأتعالى على الأزهريين وعلى المشايخ الذين كنت ألتقي بهم، ولا أعطي لهم أي وزن بالمرة، وللأسف وبعد أن خرج الاستعمار وصار حاكمًا من بيننا تردى الوضع في الأزهر أكثر من ذي قبل، وجاء تطوير الأزهر إفسادًا له، وبعد أن كان حفظ القرآن الكريم وتجويده كاملًا شرطًا أساسيًا لدخول الأزهر بات الذي يحفظ جزءًا من كتاب الله بين طلبة الأزهر ولو بغير تجويد نابغة، وصار قادة الفكر الإسلامي يتخرجون من الأزهر دون أية مراعاة جادة للأمانة العلمة.

تنظيم الأسرة خطة تآمريه.

يثور في مصر على الدوام نزاع واختلاف حول تحديد نسبة الأقباط فيها والمسلمين، ماذا تقول حول هذا الموضوع؟

-أنا لا أقيس الأقباط والنصارى بعدد السكان، ومع ذلك فأنا أعتقد بأن التأثير الفعال في مصر لهم، بحكم وضعهم المالي والعلمي وللدعاء الذي يستخدمونه في سبيل السيطرة، الإحصائيات العالمية تقول إن الأقباط (۱۲) مليونًا من بين أكثر من (٤٠) مليونًا مصريًا، لكن مطامح الكنيسة تتطلع إلى يوم يتوازن العدد السكاني بين المسلمين والأقباط، وتروج لذلك جهاز تنظيم الأسرة وأدوات منع الحمل فتحد من تزايد المسلمين عدديًا، وتسهل ازدياد الفساد الأخلاقي والعلاقات الحرام، وفي الوقت ذاته أعطى الأب شنودة تعليمات صريحة لتشجيع التوالد بين الأقباط وخصص مكافآت وإعانات لذلك، فإذا تحقق لهم التقارب العددي نادوا أن هذه أرضنا، ونحن من سلالة الفراعنة ولنا عربًا، تمامًا كما حصل في السودان، وبات جون قرنق لا يطالب بفصل الجنوب وحده، وإنما بطرد العرب والمسلمين، والعودة بالسودان إلى زنجيته المزعومة.

الفتنة الطائفية وذرائع العدوان:

  • إذًا هل تعتقد أن مصر مهددة حقا بفتنة طائفية بين المسلمين والاقباط؟

-كلما تتبعنا حوادث الاقتتال الطائفي في مصر وجدنا أن ثمة ما لم يكن على مراد النصارى من نظام البلد كان البداية، ثم تبدأ الوقائع المعروفة: قطعة أرض يختلف حولها مسلم ونصراني، الأخير بإحساسه أنه مسنود من أمريكا مباشرة يفتري على المسلم، فيشير ذلك حمية الآخر فيضربه وتتطور الأمور، وسرعان ما تتدخل أمريكا وإنجلترا لتحقق مرمى أكبر من مراميها، تذكر يوم أن أرادت إنجلترا احتلال مصر كيف افتعلت معركة بين مالطي من سكان مالطة وحمار في الإسكندرية، انتهت ولأسباب واهية بقتل المالطي، فكانت ذريعة استند إليها الأسطول الإنجليزي لضرب الإسكندرية، وكانت حجتهم حماية النصارى غير الآمنين.

     مرة وفي عام (٧٥) طلب مني تقديم محاضرة بكلية أسيوط، وأسيوط بالذات وكر نصراني مريع جدًا، فتكلمت عن المسيح -عليه السلام- وعن الرسول -عليه الصلاة والسلام- من خلال الأناجيل والتوراة، والقرآن الكريم، مبينًا نبوتهم وفضلهم كباقي الأنبياء، وكان للمحاضرة صدى واسعًا انتهى بإعلان (۱۷) من الشبان أبناء الجامعة إسلامهم، فماذا حدث؟ احتج الأنبا شنودة وأبرق تلغرافًا رأيته بعيني بحجم صفحة «الفلوسكاب» يندد بي، ويعتبرني إنسانًا مغرضًا أتاجر بالدين ولمن كان التلغراف؟ لرئيس الجمهورية بالذات يحذره ويهدده بأن إبراهيم خليل سيسبب فتنة طائفية في مصر.

     ومن رئيس الجمهورية تدرج الموضوع إلى رئيس مجلس الوزراء، إلى وزير الأوقاف، إلى وكيل أول وزارة الأوقاف الذي استدعاني وقال لي بالحرف: أنا مكلف بأن أبلغك أن تكف عن الدعوة، من يقول هذا الكلام؟ وكيل وزارة الأوقاف قلت له: أنا ما دخلت الإسلام حتى أنال قرشين كل شهر، ولكنني دخلته حتى أشرب فأسقي، وقدمت استقالتي فورًا بين يديه، وبعد اتصالات أجراها بالهاتف/ وكأنما أثرت كلمتي بالوكيل قال لي: نأخذ عليك تعهدًا إذا أن لا تتعرض للأنبا شنودة في محاضراتك هذه هي الفتنة الطائفية التي يتحدثون عنها ويخوفون الناس بها، في عام (٦٣) طلب مني أن أسجل حديثًا لإذاعة القرآن الكريم من مصر فتعرضت خلال الحديث لقوله -تعالى-: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَۖ ﴾ (المائدة،: 72)، وبعد التسجيل أتت الأوامر من القيادة العليا بأن إبراهيم خليل لا يدخل الإذاعة ثانية ولا التلفزيون، فهذه آيات تمس النصارى.

  • وماذا عن الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر إذًا؟

-لو طبقت الشريعة الإسلامية لازدهر العالم، ولصلح حال الأمة بالتأكيد؛ لأن القرآن الكريم حضارة، والسنة حضارة، وخوف الغرب من قيام دولة الإسلام هو خوف من قيام حضارة إسلامية تحرر الأمة من التبعية، وتعيد بتوازن الإسلام وبواقعيته المجد والعزة لأبناء المسلمين.

 

غيرة ديدات، وخيبة المسلمين:

  • كيف تنظر أستاذ إبراهيم، إلى منهج الأستاذ أحمد ديدات والأثر الذي تركته مناظراته ومحاضراته؟

-أنا اشهد الحق، أحمد ديدات عمل ما لم تعمله أي دائرة إسلامية من هو ديدات؟ كان بائع ملح، بقال لكن شراسة التبشير التي واجهته فجرت فيه الغيرة والوعي، فدرس وجد واطلع، حتى استطاع مناظرة رجل مراوغ وخبير إعلامي أعلا كلمة الحق أمامه، ونصر دين الله، وفي المقابل ها هم علماء الأزهر موجودون فماذا عملوا؟ سأقول لك حقيقة مرة: أحد علماء الأزهر موجود في كندا يؤم الناس للصلاة، ويخطب الجمعة، ثلاثة من أولاده الذين يعيشون هناك تنصروا، القاديانية تتفشى، والبهائية تنتشر، وفي الوقت الذي تسخر الكنيسة كل السبل للتبشير، في الوقت الذي تطوع جمعية الشبان المسيحيين الرياضة لأغراضها، أدخل جمعية الشبان المسلمين في القاهرة فأجد أبناء الإسلام غارقون بالكرة وبالمصارعة، فإذا أقیمت الصلاة تلفت فلم أجد حولي إلا قلة قليلة.

*وكيف تنظر إلى إسلام جارودي، وإلى بعض مواقف التحفظ أو حتى التشكيك فيه؟

-أنا أرى الأمة الإسلامية ينبغي أن ترعى أي إنسان دخل الإسلام رعاية طيبة؛ تطبيقًا لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقهوا الحاكم في الدين، أنا لا أعيب جارودي إذا تبدى له رأي معين قد يجانبه التوفيق فيه، ولكنني ألوم المجتمع المسلم والجامعات الإسلامية التي لم تقدر أن تفقه هذا الإنسان الفقه الصحيح، وكانت تستطيع الاستفادة منه بشكل جيد في الدعوة بين بني قومه ليكون سببًا من أسباب الهداية والخير.

     إننا نفرح بالكثيرين الذين يدخلون الإسلام ونهلل لهم، لكننا لا نعرف بعد ذلك شيئًا عن مصيرهم، وكأننا لا نعلم أن الذي يدخل الإسلام تثار بينه وبين الكنيسة وبين أهله حرب قاسية تحتاج إلى النصير المسلم الذي يؤازره، وإلى المؤسسة العلمية التي تفقهه وتتعهده، وهذا ما نفتقده إلى اليوم وللأسف الشديد.

  • في الختام نشكركم، وندعو المولى أن يأخذ بالأيادي المخلصة إلى ما فيه خير أمة الإسلام، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الرابط المختصر :