; المسؤولية الفردية «2» | مجلة المجتمع

العنوان المسؤولية الفردية «2»

الكاتب محمد أبو سيدو

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1995

مشاهدات 74

نشر في العدد 1139

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 21-فبراير-1995

المسؤولية التي فرضها الإسلام على الفرد المسلم في المجتمع المتكامل تتراوح من فرد لآخر، وتتسع من دائرة لأخرى، فالفرد مسؤول تجاه نفسه يزكيها ويطهرها، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات:40-41).

وهو مسؤول عن حمايتها من الأذى، ولذلك فإن الإسلام أول نظام يعتبر الانتحار جريمة، والفرد مسؤول عن الترويح عن نفسه ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص: 77)، ويقول نبي الهدىﷺ: «روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة؛ فإن القلوب إذا كلت عميت»، والفرد مسؤول عن تثقيف نفسه وتنمية معلوماته، فطلب العلم فريضة على كل مسلم، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فبطن الأرض خير له من ظاهرها. 

ثم هو مسؤول بأن يكد ويعمل في طلب الرزق، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (سورة الملك: 15).

وتنتقل مسؤولية الفرد من الدائرة الضيقة تجاه نفسه إلى دائرة أوسع تجاه أهله وأقربائه، فالأسرة في الإسلام كيان بالغ الأهمية، فرض لحمايتها من الأحكام ما انفرد به عن بقية الأنظمة، فأوجب البر، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)، وأوجب المنفعة فيما بين الأقرباء ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: 75)، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233).

وبهذا أصبح للغريب العاجز عن الكسب- لعجز، أو مرض، أو شيخوخة، أو أنوثة، أو لتعذر طريق الكسب- حق فى مال قرينه الغني فيما زاد عن حاجته، والإسلام حين فرض هذه الأحكام للأسرة، لم يكن متأثرًا بنظام اجتماعي معين، وإنما كان ذلك إيمانًا بأهمية الأسرة من الناحية البيولوجية والنفسية، بل إن أنظمة معينة حاولت تحطيم الأسرة، ففشلت، وتحطم المجتمع بأسره، وبقيت الأسرة، وتتسع دائرة المسؤولية، فإذا الفرد مسؤول تجاه الجماعة، يأمر فيها بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقوم من اعوجاجها، ويقف على ثغورها، وكأنه الحارس الأمين.

 والفرد- وهو يتدرج في هذه المسؤولية- تختلف تبعاته باختلاف مواهبه، ومركزه في المجتمع، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، والمجتمع الإسلامي المتكافل لا يعني مسؤولية الفرد المتدرجة فقط، بل هي أيضًا مسؤولية الجماعة تجاه الفرد، ومسؤولية الجماعة تجاه نفسها، وهي مسؤولية جسيمة، تصل إلى حد التفلت من ذمة الله، ففي الحديث: «أيما أهل عرصة- أي منطقة- أصبح فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى».

والإسلام هو النظام الذي أنشأ المسؤولية الجنائية الجماعية على من مات من بينهم فرد جوعًا، إذ أوجب عليهم الدية، وهذا ما قضى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

والجماعة تحتاج لخدمات متنوعة مختلفة، فيجب أن يكون من بينهم الطبيب، والمهندس، والفقيه، والاقتصادي، وكل هذه العلوم والمهن بمثابة فروض الكفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين، ولذلك التزمت أن توجه من بينها من يملأ الفراغات، ويسد الحاجات، وإن لم تفعل ذلك فقد أثمت، ولا يقوم دون هذه الواجبات مبرر، حتى ولو كان الجهاد، وهذا ما يعرف بالتخطيط العملي في لغة اليوم.

والإسلام يأمرنا مع ذلك بأن ينفر جزء منا ليتفقهوا في دينهم، ويعلموا غيرهم ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:122).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 422

73

الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

الأسرة (العدد 422)

نشر في العدد 1178

46

الثلاثاء 05-ديسمبر-1995

استراحة المجتمع.. عدد 1178